أقلام حرة

جمال حسن: أمراض نفسية يعاني منها الوسط الثقافي

يشكل السلوك التفاعلي للأفراد مع الخطاب الإيحائي غير المصرّح به في الفضاء الرقمي، ووسائل الاتصال، ظاهرة نفسية ـ اجتماعية لافتة، تتكشف فيها أنماط من الفضول القهري، والانحياز العاطفي غير المبني على معرفة، فعندما يستدعى المتلقي إلى مواجهة إساءة مبطّنة بلا تحديد واضح للفاعل أو الضحية، ينشأ فراغ يدفع الجماعة إلى استكمال المعنى بوسائل عاطفية قائمة على التحريض والظنّ والتخمين والانخراط الانفعالي.

تكشف هذه الظاهرة التي تبدو واضحة بشدّة في الوسطين الثقافي والإعلامي عن ديناميات معقّدة في إدراك الغموض، وتشكيل المواقف، وانتقال العدوى السلوكية داخل الجماعات الافتراضية، بما يستدعي مقاربة تحليلية تستند إلى علم النفس الاجتماعي لفهم آلياتها وأبعادها وتأثيراتها على الخطاب العام والسلوك الجمعي.2365 jamal hasan

هذا السلوك يظهر عندما يلمّح شخص ما بإساءة إلى آخر دون تسميته، ويتولّد حول المنشور فضول جماعي، وضغط لاستكشاف الهوية، وتكهنات، ودفاعات غير مبرَّرة. هذه الظاهرة معروفة في علم النفس الاجتماعي باسم السلوك التكهّني الجماعي.

عندما يقوم "س" بنشر إساءة مبطّنة تعرّض لها من شخص آخر من دون أن يصرّح باسمه، فإنه يخلق عمدًا ما يسمى في علم النفس بـ "الفراغ الدلالي"، وهو حقل مفتوح من المعاني غير المكتملة. هذا الفراغ يعمل كمثير نفسي قوي، يدفع الجمهور إلى محاولة استكمال المعنى، لأن العقل الإنساني لا يتحمّل الغموض. ومن هنا يتولّد سلوك يتّسم بالفضول الملحّ، والتكهن، والضغط لمعرفة المقصود. ويمكن تفسير هذا السلوك عبر عدد من الميكانيزمات النفسية:

منها ما يعرف بـ "كراهية الغموض" الدراسات تؤكّد أن الإنسان ينزعج من المعلومة الناقصة، لأنها تثير قلقه، وتمنع بناء تفسير متكامل للحدث، وتولّد شعوراً بفقدان السيطرة على المعنى.

لذلك يسعى المعلّقون إلى “سدّ الثغرة” بالسؤال أو الافتراض. كذلك الرغبة في امتلاك المعلومة السرّية بشدّة وإلحاح.

إن الكشف عن الشخص المقصود يمنح المعلّق إحساسًا بـ: القوة المعلوماتية و"الانتماء إلى الدائرة الداخلية". وما يعرف بآلية القطيع الرقمي، حين يرى الشخص أن الآخرين يسألون، (وينه؟ هدنه عليه، نحن وياك)، حينذاك الكل يشعر بالزهو والارتياحّ لسلوك قبلي متخلف.

وتزداد الظاهرة كلما ارتفع عدد المعلّقين، حتى تصبح أشبه بـ " الفزعة العشائرية".

في التماهي مع صاحب المنشور. البعض يدافع عنه من دون معرفة الملابسات، لأنهم يشعرون بالانتماء إليه، ويحرصون على الحفاظ بعلاقاتهم الرمزية معه ولديهم الاستعداد لنصرته ضد قوة مفترضة.

بينما هناك لذة خفية في كشف الأسرار التي تجلب الإثارة، وتكسر الملل، وتتيح المشاركة في دراما اجتماعية لا تستند إلى شيء، إلا "التلميح" وهو في الأغلب فعل عدائي غير مباشر يحرّض الخيال الجمعي لخلق ما يسمى بـ "العدوالغائم"، وتحويل الجمهور إلى محققين أو متحيزين.

إنه سلوك يُصنّف في علم النفس ضمن الاتجاهات الاجتماعية للغموض التي تهدف إلى إثارة الانتباه، وكسب التعاطف، وتوجيه الرأي العام دون تحمّل مسؤولية التصريح. هذا النوع من التفاعل لا يعكس "أمراضًا" فردية بقدر ما يكشف عن هشاشة الحدود الأخلاقية في البيئة الرقمية، وقابلية البعض في التلاعب بعقول الآخرين.

إنه سلوك غير ناضج معرفيًا، يعزز من ثقافة الشك والاتهام غير المباشر، وتحويل الغموض إلى أداة للتحريض الاجتماعي. التلميح العدائي غير المسمّى لا ينسجم مع الدور المعرفي والأخلاقي للمثقف. لإن الثقافة تقوم على الوضوح والصدق والمسؤولية لا على التأليب والإيحاء. فإذا كان النقد ضرورة، فليكن صريحاً ومسنداً بالحجة، موجهاً إلى المنهج أو السلوك، لا إلى الأشخاص، مع الالتزام بسياق علني يتيح حق الرد والتوضيح. أما الغموض المقصود فإنه لا ينتج معرفة ولا يحرك وعياً، بل يوسّع دائرة الشك، ويحوّل الفضاء الثقافي إلى ساحة إسقاطات وانفعالات.

***

جمال العتّابي

في المثقف اليوم