أقلام حرة
ثامر الحاج امين: ظاهرة المبالغة
تُعرّف المبالغة على أنها الغلو في وصف الأشياء وتضخيم شكلها وقدراتها. والناس -كما يراهم الفيلسوف "سقراط"- يميلون إلى المبالغة في كل شيء إلا أخطاءهم؛ فهم يرونها لا تستحق النقاش.
لقد باتت المبالغة في حياتنا اليومية، سواء في الأفعال أو الأقوال، ظاهرة تثير الاستغراب والأسئلة؛ فنحن نشهدها ونمارسها قولاً وفعلاً، وتصل في بعض المواقف حداً يفوق المعقول ويتنافى مع طبيعة العقل السليم. يفسرها فريق من علماء النفس بأنها اضطراب نفسي، وخصوصاً المبالغة في الحرص على الأشياء، أو المبالغة في الحب، وكذلك المبالغة في تمجيد الأشخاص التي تصل حد التزوير.
يحدث ذلك عندما نرفع من شأن أناس غير جديرين بالرفعة؛ فنحن شعب يحب المبالغة والنفخ في الأشياء التي لا تستحق ولا تتحمل "النفخ". وعلى حد قول مثلنا الشعبي، نحن نجعل (من الحبه قبه)؛ فننفخ في المسؤول الأمي ونصور له أنه المنقذ لأزماتنا حتى يصدق ذلك، في حين هو عاجز عن حل أزماته الشخصية. كما نبالغ في وصف الأشرار واللصوص حتى نضعهم في مرتبة القديسين، فيصدقون ذلك ويوغلون في شرهم وسرقاتهم. نبالغ في تاريخ وسمعة الأموات البسطاء لتغدو ذات شأن ورفعة، ونضع التيجان على رؤوس البعض مع علمنا أنها رؤوس فارغة المحتوى، ومجرد بالونات منفوخة بالهواء الفاسد.
نبالغ أيضاً في طقوس أفراحنا وأحزاننا؛ فنرقص ونلطم فيها كالمجانين. أما في الأقوال، فلا تغيب المبالغة عن حديثنا؛ فعندما نريد أن نصف شيئاً فيه قليل من التميز نقول عنه: (فظيع، رهيب، شنيع، بشع، مرعب، يخبل). وحتى في تراثنا الشعري والأدبي، نقرأ كماً كبيراً من المبالغات في الوصف، وخصوصاً في المديح. وفي حقل الكنايات، عندما نريد أن نصف شدة أذى شخص لآخر نقول: (راواه نجوم الظهر).
أعتقد أن ظاهرة المبالغة لا توجد في باقي المجتمعات مثلما هي عليه عندنا. فقد زرت ضريح "المهاتما غاندي" في نيودلهي بالهند، فوجدته كياناً بسيطاً لا يرتفع عن الأرض أكثر من متر واحد، ولا يحتل مساحة واسعة، ولا تحيط به أبراج ومنارات وأضواء وزخارف، أو حمايات مدججة بالسلاح. وهو الزعيم الروحي للهند الذي حرر البلاد من دنس الاستعمار البريطاني.
ثم زرت متحفه الذي يقع على مقربة من ضريحه، والذي شُيّد في الموقع الذي اغتيل فيه في يناير عام 1948م، فلم أجد الذهب ولا الملابس الفاخرة، ولا رزم الدولارات أو صور الفلل التي تركها وراءه. إنما وجدت بساطة العيش في أبهى صورها؛ شاهدت الإبرة والخيط اللذين كان يرتق بهما ملابسه، وشاهدت نعاله الذي أكل الدهر عليه وشرب، وعصاه التي كان يتكئ عليها لدعمه أثناء المشي، وهي عبارة عن فرع شجرة بعروقها، لم تجرِ عليها عمليات صقل أو تجميل.
كذلك ضم المتحف غلاف الطلقة التي أنهت حياته، والثوب الذي كان يتوشح به ساعة الاغتيال مطرزاً ببقع الدم الذي نزفه جسده النحيل. وقفت حائراً أمام وسادته البالية وفراشه البسيط الذي كان يحتضن جسده النحيل، سائلاً نفسي: كيف تمكن رجل بهذا الزهد وهذه البساطة في العيش أن يتربع على قمة الرجال العظماء؟ وكيف استطاعت سيرته أن تؤثر في سلوك جمهور واسع من الأحرار في العالم؟
لقد قدم القائمون على المتحف -من خلال بعض مفردات الحياة اليومية التي كان يعيشها هذا الزعيم- صورة حقيقية بدون مبالغة أو تزوير. وكأنهم أرادوا القول للشعوب المهووسة بتمجيد "الإمعات": إنه بهذه البساطة تمكن زعيمنا من طرد الاستعمار، أما مكانته وقصة نضاله فهي محفوظة في قلوب الشعب الهندي.
***
ثامر الحاج أمين







