أقلام حرة
علي الطائي: أكاديميون في مستنقع الخرافة!!
في بلادٍ أنهكتها التناقضات، لا يبدو المشهد الأكاديمي أقلَّ التباسًا من المشهد الاجتماعي العام، بل لعلّه أشدّ خطورة؛ لأنّ الأكاديمي، بحكم موقعه، لا يُنتِج معرفةً فحسب، بل يُعيد إنتاج الوعي، ويُشرعن ما يمرّره من أفكار، صامتًا كان أم ناطقًا. وهنا تكمن المأساة: أن ترى حملة الدكتوراه، والأساتذة، وأصحاب الماجستير، وقد بلغوا مراتب عالية في التحصيل العلمي، لكنّهم ما زالوا يدينون بالخرافة، ويخضعون لها خضوع العامّة، بل ويدافعون عنها دفاعًا مستميتًا، وكأنّ الشهادة التي يحملونها لم تمرّ يومًا على عقولهم، بل مرّت على أوراقهم فقط.
ليس الحديث هنا عن الجهل البسيط، ولا عن الإيمان الشعبي العفوي، فذلك مفهوم في سياقه الاجتماعي والنفسي، بل الحديث عن انحرافٍ معرفيٍّ عميق لدى من يفترض بهم أن يكونوا حرّاس العقل، وأمناء المنهج، وحملة أدوات التحقق والنقد. إنّ الأكاديمي الذي يمتلك مفاتيح الشكّ المنهجي، وأدوات التفكيك، ومناهج النقد التاريخي والنصي، ثمّ يعطّلها طوعًا، لا بدّ أن يُساءل أخلاقيًا قبل أن يُساءل علميًا.
تراهم، في مشهدٍ يكاد يكون سورياليًا، يجلسون تحت منابر وعّاظ لا يملكون من العلم إلا صوته، ولا من المعرفة إلا تكرارها، يستمعون إلى خرافات تُلقى كما تُلقى النفايات في عقول الناس، فلا يهتزّ لهم عقل، ولا ينتفض لهم سؤال، ولا يتحرّك لهم لسان. خرافات منقولة من كتبٍ كتبت في عصور الصراع السياسي والطائفي، ودوِّنت بأيدٍ عرفت كيف تحرّف التاريخ، وكيف تُلبس الأسطورة لباس العقيدة، وكيف تجعل الكذب مقدّسًا حين يخدم السلطة أو الطائفة.
والأدهى من ذلك، أنّ هذه الخرافة لا تبقى في فضاء الوعظ الشعبي، بل تتسرّب إلى قاعات الدرس، وإلى عقول مئات الطلاب الذين يتلقّون “علمًا” لم يُمحّص، ولم يُنقَّد، ولم يُفكَّك، رغم أنّ من يدرّسه يملك القدرة الكاملة على ذلك. لكنّه لا يفعل. لا عن جهل، بل عن خوف. خوف من المجتمع، من التسقيط الاجتماعي، من تهمة “الخروج عن المألوف”، من وصمة “المساس بالمقدّس”، وكأنّ العلم خُلِق ليكون تابعًا للمجتمع، لا ناقدًا له.
إنّ هذا الخوف، في جوهره، ليس ضعفًا شخصيًا فحسب، بل خيانة للعلم نفسه، وخيانة للمنهج، وخيانة حتى للعقيدة التي يدّعي الأكاديمي الدفاع عنها. لأنّ العقيدة، إن كانت حقًا، لا تخاف من السؤال، ولا ترتعد أمام النقد، ولا تحتاج إلى حراسة الجهلة، بل تزداد صفاءً كلما خضعت للتمحيص.
وكم من مثالٍ يفيض به واقع جامعاتنا، ولا سيما في العراق، حيث تُكسر أقلام الباحثين قبل أن تُنشر أفكارهم. أحدهم، وقد نال الدكتوراه حديثًا، توصّل في أطروحته إلى نتائج علمية دقيقة تنقض كتابًا تاريخيًا ودينيًا متداولًا، مليئًا بالأحاديث المكذوبة والروايات المختلقة. لكنّ النتائج، بدل أن تُناقَش علميًا، وُضعت تحت مقصلة “المقدّس الطائفي”. قيل له صراحة: هذا لا يُنشر، وهذا لا يُمرَّر. لا لأنّه ضعيف المنهج، بل لأنّه يمسّ كتابًا “مقدسًا” عند طائفة معيّنة. وهنا، تخلّى المشرفون عن كل ما درّسوه من معايير البحث، وارتدّوا إلى موقع الحارس الاجتماعي، لا العالم.
في مثل هذه اللحظة، لا يعود الأكاديمي ضحيةً فقط، بل يصبح جزءًا من الجريمة حين يقبل، ويجامل، ويعدّل، ويصمت. فالصمت هنا ليس حيادًا، بل انحياز. والانحياز ليس بريئًا، بل مشاركة في تكريس الوهم، وفي تعميق المستنقع الذي يغرق فيه المجتمع.
إنّ الأكاديمي الذي لا يجرؤ على مراجعة ما ورثه من الآباء، ولا على نقد الكتب البالية التي يدرّسها، ولا على مواجهة المقدمات التاريخية الفاسدة التي بُنيت عليها معتقدات بأكملها، هو أكاديمي بلا رسالة. شهادته، مهما علت، تصبح ورقة بلا روح، ولقبه العلمي يتحوّل إلى قناع اجتماعي، لا أكثر.
المجتمعات لا تنهض بالوعّاظ، ولا بالخطباء، ولا بحفَظة الروايات، بل تنهض بأصحاب الأسئلة الشجاعة، وبالعقول التي تضع الحقيقة فوق الطائفة، والمنهج فوق الموروث، والعلم فوق الخوف. وحين يغرق الأكاديمي في مستنقع الخرافة، فإنّه لا يغرق وحده، بل يسحب خلفه أجيالًا كاملة، ويؤجّل خلاص المجتمع عقودًا أخرى.
ولذلك، فإنّ أخطر ما نواجهه اليوم ليس الجهل الشعبي، بل الجهل المتعلّم؛ ذلك الجهل الذي يرتدي عباءة الدكتوراه، ويتحصّن بلقب الأستاذية، ويخون العلم باسم الحكمة، ويخون العقل باسم السلامة، ويخون الحقيقة باسم المقدّس. هنا، فقط، نفهم لماذا تتعثر نهضتنا، ولماذا يبقى المستنقع أعمق من أن يُجفَّف، ما دام حرّاس العقل أنفسهم قد قرروا السباحة فيه بدل أن يخرجوا الناس منه.
***
بقلم: د. علي الطائي
15-1-2026






