أقلام حرة

صادق السامرائي: القلم الموجوع!!

هل بقيت أقلام تكتب بمداد على ورق؟.. تساؤل يشخص أمام الكلمات المبثوثة في الشاشات، فالأقلام رخيصة أو مجانية، لأن الكلام مجرد من الفعل، ولا يجني صاحبه من ورائه أي مال، إلا مَن إتخذ صراط الإرتزاق سبيلا.

كنت أنشر مقالات علمية في بعض الصحف المحلية، وكان الماحسبون لا يعطوني المكافأة التي كانت في حينها ذات قيمة، ويقولون لي: "دكتور ما تحتاجها"، "شلك بيها" ، وما إستلمت منهم فلسا واحدا مع تواصل كتاباتي، وكان علي أن أطالب بحقي لكني كغيري قد أسهمنا بترعرع الفساد في عالم الكلمة والنشر.

لا أدري لماذا أكتب ولم أكسب من كتاباتي فلسا واحدا، إلا حينما كنت أكتب في مجلة الجامعة في الموصل أيام كان رئيسها المرحوم محمد المشاط، وكان المحاسب أمينا ويعطيني المكافأة كلما نشرت مقالة علمية.

الكتّاب فقراء، وأكثرهم كتاباتهم ثانوية فعندهم مصدر عيش، لأن الكتابة لا تمنع من جوع، بل تساهم في تبذير الجهود وإضاعة الوقت، فالإستثمار في الكتابة مشروع فاشل إلا فيما ندر في مجتمعاتنا، التي لا تقدر الموهوبين ولا تعتني بالمبدعين، بل تنظر إليهم شزرا، وهذا فرق واضح بين المجتمعات المتقدمة التي تعز كتابها ومفكريها وبين مجتمعاتنا.

 كان صديقي عصاميا وأعطى قلمه كل حياته، لكنه لم يقدم له متطلبات العيش الرغيد، بل حوله إلى متسول في خريف العمر، متوهما بأنه سيعتاش على بيع كتبه، وإذا بسوق الكتاب ينهار، وتفقد الكلمة قيمتها وتصبح مجانية بلا ثمن، فالذين يكتبون صاروا طوابير لا تعد ولا تحصى، وعلى ضربات المفاتيح ينتجون ما تعجز عن الإتيان به الأقلام المتراكضة على الورق.

بدلا من السبابة والإبهام صارت جميع الأصابع قادرة على الكتابة لأنها تضرب مفاتيح الكي بورد، وما عادت تعرف الإمساك بالقلم أو مجالسة القراطيس.

والمفردات تبدلت، ومعانيها تغيرت، ولكل عصر ما يعبر عنه من الكلمات، وأبناء القرن العشرين يترنحون على سفوح الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، واللاحقون أجيال مولودة من رحم الثورات المعلوماتية والتفاعلات الإليكترونية والتكنلوجية، والمنغمسون في نشاطات الذكاء الإصطناعي، والذين يجيدون التخاطب مع الآلة لا مع البشر.

عالّمٌ جادَ بعلمٍ مُطلقِ

وترامى في فضاءٍ مُشرق

وعلى الشاشاتِ فعلٌ ناطقٌ

يَتباهى بالجديدِ الأوْرقِ

أممُ الأوهامِ خابتْ وانتهتْ

وتوارتْ بالحَضيضِ الأعْتق

يا بلاداً من أصيلِ المُحْتوى

إسْتفيقي من سباتٍ مُطبقِ

ذهبتْ أقلامُ جيلٍ حالمٍ

واخْتفى عَصرُ العَطاءِ الأعْبقِ

***

د. صادق السامرائي

في المثقف اليوم