تقدم أزمة الرسوم الكاريكاتورية التي نشرتها صحيفة "يولاندس بوستن" الدنماركية في سبتمبر 2005 مثالًا كاشفًا عن التناقضات الأخلاقية في الممارسة الصحفية. فقد جرى الدفاع عن الرسوم التي تناولت النبي محمد صلى الله عليه وسلم باعتبارها ممارسة لحرية التعبير ومقاومة للرقابة، رغم أن بعضها لم يكتف بالنقد الديني، بل استخدم صورة نمطية تربط الإسلام بالعنف والإرهاب، من خلال تصوير النبي بعمامة على هيئة قنبلة ، وأثار اعتراضات واسعة من المسلمين. وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد اختلاف حول حق الرسم أو النقد، وإنما بالسؤال عن الحدود الفاصلة بين النقد المشروع ونشر خطاب الكراهية والإساءة إلى المعتقدات الدينية، فضلًا عن مساءلة مبدأ حرية التعبير الانتقائي الذي يستهدف معتقدات معينة دون غيرها.
إن الدفاع عن حرية التعبير يقتضي الاعتراف بحق الإنسان في نقد الأديان جميعًا، ومناقشة نصوصها ومعتقداتها وتاريخ مؤسساتها، دون منح دين بعينه حصانة من النقد، أو إخضاع دين آخر لسخرية لا تخضع للمعيار نفسه. وهنا يحق لنا أن نسأل: أين يكمن النقد الفكري للإسلام في هذا التصوير؟ وما الفكرة الدينية التي جرى تفنيدها؟ إن نقد الخطاب الديني في الإسلام، كما نقد المسيحية واليهودية، حق فكري مشروع، لكنه ينبغي أن يتناول العقائد والنصوص والتصورات الدينية بالحجة والتحليل، لا أن يختزل أتباع دين كامل في صورة نمطية تربطهم بالعنف.
وإذا كانت الصحافة تؤمن بحرية نقد الأديان، فلماذا لا تمارسها بالمعيار نفسه عندما يتعلق الأمر بالنصوص التي استُخدمت لتبرير الحروب الصليبية والاستعمار باسم المسيحية، أو النصوص الواردة في التراث اليهودي التي تتضمن أوامر بإهلاك جماعات بشرية، أو توظيف بعض هذه النصوص في الخطاب السياسي المعاصر؟ إن النقد الذي يتوقف أمام نصوص دين معين، بينما يتساهل مع نصوص دين آخر، لا يعبر عن كونية فكرية، وإنما يكشف عن انتقائية في تطبيق المبدأ.
وتزداد هذه المفارقة وضوحًا عندما نضع أزمة الرسوم الدنماركية إلى جوار ما تعرض له صحفيون من ضغوط وإجراءات مهنية بسبب انتقادهم السياسات الإسرائيلية أو تغطيتهم للحرب على غزة. وهنا يصبح من المشروع أن نسأل لماذا تبدو بعض المؤسسات شديدة التمسك بحرية التعبير عندما يتعلق الأمر بنشر رسوم تمس معتقدات المسلمين، بينما تصبح أكثر تحفظًا عندما يتعلق الأمر بكشف الانتهاكات الإسرائيلية أو مساءلة الرواية الرسمية؟ وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل نحن أمام دفاع عن حرية التعبير بوصفها حقًا إنسانيًا عامًا، أم أمام حرية تتسع عندما تخدم اتجاهًا معينًا، وتضيق عندما تقترب من مصالح سياسية لا يراد مساءلتها؟
إن هذه المفارقة تطرح مشكلة أخلاقية تتجاوز حدود الاختلاف الثقافي؛ لأنها تتعلق باتساق المبدأ نفسه. فالحرية التي تُمنح في موقف وتُقيد في موقف آخر وفقًا لهوية الطرف الذي يتعرض للنقد، لا تعود حرية عامة بالمعنى الأخلاقي، وإنما تتحول إلى حرية انتقائية تحكمها موازين القوة والمصالح السياسية. وليس المقصود هنا المطالبة بتقييد حرية التعبير عندما تتناول الأديان بالنقد، وإنما المطالبة بألا تتحول هذه الحرية إلى امتياز لفريق دون آخر، أو إلى غطاء للإساءة إلى جماعة، بينما يُحرم الصحفي من ممارسة حقه في نقد سلطة سياسية. فالمعيار الأخلاقي للصحافة لا ينبغي أن يتغير بتغير موضوع النقد أو هوية من يتعرض له؛ وإلا فقدت حرية التعبير اتساقها، وفقدت الصحافة أحد أهم شروط نزاهتها.
وتكمن المفارقة من وجهة نظري، في أن بعض المؤسسات الإعلامية الغربية دافعت بشدة عن حرية نشر الرسوم الدنماركية، بينما شهدت السنوات الأخيرة وقائع موثقة لفصل صحفيين أو معاقبتهم أو تقييد عملهم بسبب مواقفهم أو تغطيتهم الناقدة للسياسات الإسرائيلية. فقد وثقت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحرية الرأي والتعبير، في تقريرها الصادر عام 2024، حالات لإجراءات اتخذتها مؤسسات إعلامية غربية ضد صحفيين بسبب مواقفهم من الحرب على غزة، كما تناولت حالة منع صحفيين من تغطية الشأن الإسرائيلي الفلسطيني. قد وثقت لجنة حماية الصحفيين مقتل الصحفي أنس الشريف في أغسطس 2025 مع عدد من زملائه، بعد تعرضه لتهديدات واتهامات إسرائيلية متكررة.
لا تكمن المشكلة الفلسفية في الدفاع عن حرية التعبير؛ فهي قيمة أساسية في الممارسة الصحفية، ولا تستقيم الصحافة من دونها. وإنما تكمن المشكلة في أن حرية التعبير قد تتعارض أحيانًا مع احترام معتقدات الآخرين، وهو ما يجعل الممارسة الصحفية مطالبة بالتمييز بين النقد الفكري والإساءة إلى الجماعات الدينية. وتظهر المشكلة بصورة أوضح حين نطالب بتعميم الحرية، ثم نمارسها بصورة انتقائية، وحين ندافع عن حق جماعة في التعبير، بينما نتسامح مع تقييد حق جماعة أخرى في التعبير عن معاناتها أو نقد السلطة التي تمارس عليها القوة، متى تعارض ذلك مع مصالح مؤسسات أو قوى أخرى.
فالكونية الأخلاقية لا تُختبر عندما ندافع عن حرية من يتفق معنا، وإنما عندما نقبل أن يكون الحق نفسه مكفولًا لمن يختلف معنا، حتى عندما يكون نقده مزعجًا أو غير مرغوب فيه. والحرية التي لا تقبل التعميم على الجميع تفقد جانبًا أساسيًا من اتساقها الأخلاقي. ولا يمكن أن نطالب الصحفي باحترام كرامة الإنسان عندما يتعلق الأمر بجماعة، ثم نعفيه من هذه المسؤولية عندما يتعلق الأمر بجماعة أخرى. إن الاختبار الحقيقي لحرية التعبير ليس في قدرتها على استفزاز المختلفين، بل في قدرتها على حماية حق الجميع في التعبير والنقد دون تمييز أو تحقير أو تحريض.
إن حرية التعبير التي أدافع عنها لا ينبغي أن تكون حرية انتقائية، ولا ينبغي أن تتغير حدودها بتغير الدين أو الهوية أو الموقف السياسي. إن المعيار الذي أتمسك به هو حق النقد مكفول للجميع، ورفض تحويل هذا الحق إلى أداة لإهانة جماعة أو تجريدها من كرامتها الإنسانية دون غيرها.
***
أ. د. هدى محمد عبد الرحمن جاب الله
استاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة
كلية الآداب جامعة الفيوم








