ماذا يبقى من فلسفةٍ تجعل "الاعتراف بالآخر" شرطًا للعدالة، حين يصبح هذا الآخر فلسطينيًا؟ وماذا يبقى من "أخلاقيات الحوار" حين يصمت فيلسوفها أمام شعبٍ يُقصف ويُهجَّر، بينما يمنح بيان التضامن الذي وقّعه مع إسرائيل ردَّها العسكري مشروعيةً من حيث المبدأ؟ هنا تبدأ محاكمة يورجن هابرماس، لا أمام خصوم فلسفته، بل أمام المبادئ التي دافع عنها بنفسه: من "الفعل التواصلي" الذي لم ينصت إلى صوت الفلسطيني، إلى الفضاء العمومي الذي تُناقَش فيه حياة الضحايا من دون أن يكونوا شركاء في تقرير مصيرهم؛ ومن ذاكرة المحرقة التي تحولت في الوعي الأوروبي إلى واجب أخلاقي لا يجوز التنصل منه، إلى "نكبة فلسطينية" ما زالت تنتظر اعترافًا يترجم الذاكرة إلى عدالة. وبالاستعانة بنقد جوديث بتلر لهرمية الحيوات القابلة للرثاء، وأدوارد سعيد لانحياز تمثيل الآخر، تتكشف مأساة الاعتراف حين يصبح نصيب بعض الضحايا من الإنسانية أوفر من نصيب غيرهم. ثم تمتد المفارقة من فيتنام والعراق، حيث واجه هابرماس منطق القوة المنفردة دفاعًا عن القانون الدولي، إلى غزة، حيث يُختبر اتساق هذا المعيار. فهل نحن أمام كونية أخلاقية تسري على الجميع، أم أمام"كونية متموضعة" عند حدود الذنب الأوروبي، تتحول حين تواجه فلسطين إلى "أخلاق قبيلة" تتحدث باسم الإنسانية ولا تنصت إلى جميع ضحاياها؟.
بيان التضامن: حين تتوقف أخلاقيات الحوار عند حدود إسرائيل
في 13نوفمبر 2023، وقّع الفيلسوف الألماني يورجن هابرماس، صاحب "نظرية الفعل التواصلي" بيان «مبادئ التضامن» مع إسرائيل، بالاشتراك مع نيكول ديتلهوف وراينر فورست وكلاوس جونتر، أدان البيان هجوم السابع من أكتوبر، وأكد التضامن مع إسرائيل، واعتبر الرد الإسرائيلي مبررًا من حيث المبدأ، بل حرّم أخلاقياً وقانونياً وصف ما يحدث في غزة بـ "الإبادة الجماعية"، معتبراً أن "معايير الحكم تنزلق تماماً" عند نسب هذه النوايا لإسرائيل، مشترطًا أن تحكم تنفيذه مبادئ التناسب وتجنب سقوط الضحايا المدنيين وإتاحة أفق للسلام.
وهنا تكمن مفارقة الإبادة والسلام، فليس السلام كلمة سحرية تطهّر الحرب من جرائمها، ولا تكفي الإشارة إلى حماية المدنيين لكي يصبح القصف مشروعًا أخلاقيًا. فحين يمنح هابرماس الرد الإسرائيلي مشروعية مبدئية، ثم يستحضر التناسب وحماية المدنيين وأفق السلام بوصفها مبادئ إرشادية، فإنه يترك السؤال الأصعب قائمًا: هل هذه المبادئ الأخلاقية كونية وتصلح لأن تصبح قيود فعلية على القوة، أم مجرد عبارات أخلاقية تحيط بها؟ ومن يحاسب القوة عندما تتجاوز هذه المبادئ، ومن يحمي الضحية حين تتحول الحرب التي يُفترض أن تقود إلى السلام إلى موت ودمار وتهجير؟ إن مأساة الموقف ليست في أنه دعا إلى السلام، بل في أن هذا السلام لم يتحول إلى معيار صارم لمساءلة القوة الإسرائيلية، بينما أصبحت مساءلة تلك القوة نفسها موضع تحفظ أخلاقي. هنا لا تعود المسألة خلافًا في التعبير، بل تصبح اختبارًا لصدق الكونية الأخلاقية التي يزعم هابرماس أنه يدافع عنها.
يتجلى هذا التناقض في ثلاثة مواضع مترابطة. أولها اختزال الفلسطيني في صورة الشر المطلق ومحو السياق السياسي للصراع؛ فالبيان ربط هجوم حماس بقصد معلن لتدمير الحياة اليهودية عمومًا، لكنه لم يمنح السياق الاستعماري والتاريخي الذي يحيط بالقضية الفلسطينية حضورًا تحليليًا مماثلًا. وثانيها منح الرد الإسرائيلي مشروعية مبدئية مع ترك مساءلته موضع تحفظ؛ فليست المشكلة في الاعتراف بمعاناة الإسرائيليين، بل في التفاوت بين وضوح التضامن معهم وبين محدودية الاعتراف بمعاناة الفلسطينيين وحقوقهم. أما الموضع الثالث فهو تضييق مجال الحكم الأخلاقي حين يتعلق الأمر بإسرائيل؛ إذ تثير عبارة تلاشي معايير الحكم عند إسناد نوايا الإبادة إليها سؤالًا خطيرًا: هل تظل المعايير الأخلاقية ملزمة وثابته حين يكون موضوع المساءلة هو إسرائيل؟ أو كيف يمكن الاحتفاظ بمعايير أخلاقية وقانونية ثابتة إذا أصبح تطبيقها على طرف بعينه مدعاةً للارتياب في سلامة الحكم نفسه؟
لم تكن المشكلة في إدانة قتل المدنيين الإسرائيليين؛ المشكلة بدأت حين اتسعت دائرة التضامن مع الضحية الإسرائيلية، بينما لم يحظَ الفلسطيني، الذي يواجه القصف والقتل والتهجير والدمار في غزة، بالحضور الأخلاقي نفسه في البيان. والأخطر أن التحفظ على وصف الأفعال الإسرائيلية بالإبادة الجماعية بدا وكأنه يضع حدودًا مسبقة لما يجوز قوله في حق القوة الإسرائيلية، بدلًا من ترك الحكم مفتوحًا أمام فحص الأدلة والمعايير القانونية، وبالتالي فإن اهتمامه بالكرامة الإنسانية لم يمتد بما يكفي إلى المدنيين الفلسطينيين الذين يواجهون الموت والدمار في غزة.
إن السؤال الذي يواجه هابرماس ليس ما إذا كان من حق إسرائيل أن تحمي مواطنيها، بل ما إذا كان هذا الحق يمنح أفعالها مشروعية مسبقة، أو يعفيها من المساءلة بالمعايير الأخلاقية والقانونية نفسها التي يُفترض أن تسري على الجميع. فإذا كانت الكونية الأخلاقية تعني شيئًا، فهي أن حياة الفلسطيني ليست أقل استحقاقًا للاعتراف، وأن السلام لا يبرئ القوة من مسؤوليتها، أما حين تضيق مساحة المساءلة كلما تعلق الأمر بإسرائيل، فإن الكونية التي يُفترض أن تشمل الجميع تكشف حدودها بنفسها.
مفارقة الفعل التواصلي: اعترافٌ للجميع إلا الفلسطيني
تقوم "أخلاقيات الفعل التواصلي" عند هابرماس على مبدأ جوهري وهو "الاعتراف بالآخر": لا تستمد القاعدة الأخلاقية مشروعيتها من القوة التي تفرضها، ولا من مصلحة الطرف الأقوى، بل من إمكان تبريرها أمام جميع المعنيين بها في حوار عقلاني حر. فالآخر ليس موضوعًا نتحدث عنه، ولا عقبة ينبغي تجاوزها، بل ذات لها حق المشاركة في تحديد ما هو عادل وما هو مشروع، بل ينبغي أن يكون القرار قابلًا للتبرير أمام الذين تمسهم نتائجه. هذه الفكرة هي ما يمنح "أخلاقيات الخطاب" طابعها الكوني. فالقاعدة لا تصبح صحيحة لأن جماعة معينة وافقت عليها، ولا لأنها تعبر عن "تجربة تاريخية خاصة"، وإنما لأن إمكان تبريرها لا يستثني أحدًا من دائرة الاعتبار الأخلاقي.. فإذا كانت "أخلاقيات الخطاب" تقوم على الاعتراف بالآخر، ولكن ماذا حدث عندما أصبح ذلك الآخر هو الفلسطيني؟، ماذا يبقى من هذا المبدأ حين يكون الفلسطيني هو الآخر المقصود؟نجد أن : أخلاق الفعل التواصلي لم تتواصل مع الآخر الفلسطيني، ولم تعترف بمعاناته وحقوقه، وتم اختزاله في مشكلة أمنية.
إذا كانت مشروعية القرارات تتطلب مراعاة أصوات المتأثرين بها، فأين صوت الفلسطيني في الحكم على حرب تدمر حياته وبيته ومستقبله؟ وإذا كان الحوار يقتضي الاعتراف المتبادل، فكيف يُختزل شعب كامل إلى مسألة أمنية، بينما تُمنح اعتبارات الطرف الأقوى موقعًا مركزيًا في تحديد ما يعد دفاعًا مشروعًا عن النفس؟
إن المفارقة هنا ليست أن هابرماس دعا إلى الحوار ثم اختلف معه آخرون سياسيًا، بل أن موقفه من فلسطين يثير سؤالًا عن مدى اتساق تطبيق مبادئه مع شروطها النظرية. فالفعل التواصلي يفقد معناه حين تصبح النتيجة محددة سلفًا، وحين لا تعود معاناة أحد الأطراف قادرة على تغيير الحكم الأخلاقي أو مساءلة مبررات القوة. فلسطين هنا ليست هامشًا في فلسفة هابرماس؛ إنها امتحانها الأصعب.
مفارقة التكنوقراطية: حين حذّر هابرماس من إقصاء المواطنين وصمت عن إقصاء الفلسطيني
لقد حذّر هابرماس من "إغراء التكنوقراطية"، ومن تحويل القرارات السياسية إلى إجراءات يديرها الخبراء بعيدًا عن المشاركة العامة، حيث تفقد الديمقراطية معناها حين يُعامل المواطنون باعتبارهم متلقين لقرارات جاهزة، بدلًا من أن يكونوا شركاء في مناقشتها وتحديد الأسس التي تبررها؛ مما يُسكت صوت الضحايا ويهدم "الفضاء العمومي"الذي تُبنى فيه العدالة. غير أن الفلسطيني يبدو، في ضوء موقفه، معرضًا للمصير نفسه: تُناقش حياته من الخارج، وتُدار مأساته بلغة الأمن والاستراتيجية، بينما يظل حقه في أن يكون شريكًا في تحديد شروط العدالة أضعف من حق الآخرين في تعريف مصالحهموهذا يظهر مثلا في استبعاد الفلسطيني من المشاركة العامة، كما يحدث حين تُدار مأساة غزة عبر مؤتمرات دولية في جنيف أو نيويورك بينما يُستبعد صوت من يعيشون تحت القصف.
المحرقة والنكبة: لماذا يعترف الغرب بجرائم الماضي ويتردد أمام جرائم الحاضر؟
تعني مفارقة الاعتراف المتبادل، إن الاعتراف الذي لا يسمح لصوت الضحية بأن يغيّر الحكم ليس اعترافًا مكتملًا، والحوار الذي يتحدث فيه الأقوياء عن الضعفاء من دون أن ينصت إليهم لا يحقق الكونية التي يدعيها
احتلت الذاكرة النازية (الهولوكوست) مكانة مركزية في إعادة بناء الهوية الديمقراطية الألمانية. لقد رفض هابرماس إنكار الماضي النازي أو تطبيعه، ودافع عن «الوطنية الدستورية» التي تؤسس الانتماء السياسي على المبادئ الديمقراطية والحقوق، لا على الدم أو الأصل القومي. وكان الاعتراف بجرائم المحرقة جزءًا أساسيًا من إعادة بناء الشرعية الأخلاقية لألمانيا بعد النازية.
تبدأ المفارقة حين يتحول الاعتراف إلى اعتراف فقط بالمحرقة وضحايا الهولوكوست، بحيث تظل المسؤولية الغربية فقط عن المحرقة واجب أخلاقي لا يجوز التنصل منه، وهذا يعد"اعتراف تكفيري" الغرب يعترف باليهودي ليكفّر عن ذنبه التاريخي، وليثبت أنه تجاوز بربريته.
وتكمن المفارقة في أن هذا الاعتراف ليس متبادل، فالاعتراف بجرائم المحرقة يعد شرطا للشرعية الديمقراطية، ولكن لماذا لا تطالب اسرائيل بالاعتراف بجرائم النكبة والتهجير القسري والقتل والإبادة؟، وهنا فهو يمنح إسرائيل حصانة من المساءلة، ويجعل الفلسطيني مسؤولًا عن ذنب أوروبي لم يرتكبه. والاعتراف بالمأساة اليهودية لا يقتضي التقليل من المأساة الفلسطينية، مثلما أن الاعتراف بالنكبة لا يتطلب محو ذاكرة المحرقة.
لكن فلسطين تكشف اختلالًا في توزيع الاعتراف: تبدو المعاناة اليهودية حاضرة بقوة في تشكيل الحكم الأخلاقي الأوروبي، بينما يصبح الاعتراف بمعاناة الفلسطينيين أكثر ترددًا، وكأن الضحية لا تستحق الاعتبار الكامل إلا إذا كانت جزءًا من الذاكرة التي يسعى الغرب إلى التكفير عن ذنبها.
وهنا تتجلى دلالة نقد جوديث بتلر للأطر التي تجعل بعض الحيوات أكثر قابلية للرثاء من غيرها.، وهذا يعني عدم تكافؤ الاعتراف بالضحايا، فالمسألة ليست فقط مَن يُقتل، بل مَن يُرى موته بوصفه مأساة تستدعي المساءلة، ومَن يتحول موته إلى رقم أو ضرر جانبي في حسابات الأمن. حين تختلف الاستجابة الأخلاقية باختلاف هوية الضحية، فإن الكونية تكون قد دخلت في أزمة حقيقية.وكذلك نقد أدوارد سعيد الذي يتمثل في انحياز الخطاب الغربي في تمثيل الآخر. وهنا يصبح السؤال حاضرا ينتظرا الإجابة: لماذا يكون الاعتراف بجرائم الماضي شرطًا للشرعية الأخلاقية، بينما يصبح الاعتراف بجرائم الحاضر ضد الفلسطينيين موضع تحفظ؟
هذا هو السؤال الذي تطرحه فلسطين على هابرماس، وهو سؤال لا يمكن الإجابة عنه باستدعاء المحرقة، لأن استدعاءها لا ينبغي أن يكون وسيلة لتأجيل العدالة، بل سببًا إضافيًا للتمسك بها.
فلسفة هابرماس علّمتنا أن الديمقراطية لا تُبنى على إنكار الماضي، بل على مواجهته. لكن السؤال الذي يطرحه كل طفل فلسطيني تحت الركام على "مدرسة فرانكفورت" بأكملها هو: إذا كان الاعتراف بجريمة الماضي شرطاً للشرعية الديمقراطية، فلماذا لا تُطالب إسرائيل بالاعتراف بجريمة التهجير والنكبة كشرط لشرعيتها؟
من نقد الحرب الأمريكية في فيتنام إلى استثناء إسرائيل: أين اختفى القانون الدولي عند هابرماس؟
تتضح المفارقة أكثر حين نقارن موقف هابرماس من حرب فيتنام وموقفه من الحرب على غزة. فقد شارك في النقاشات والاحتجاجات المناهضة لحرب فيتنام في ستينيات القرن الماضي، وانتقد في مراحل لاحقة الحرب الأمريكية على العراق، ودافع عن ضرورة إخضاع استخدام القوة لمقتضيات الشرعية الدولية بدلًا من تركها لإرادة الدولة الأقوى.
وفي كتابه «الغرب المنقسم»، برز دفاعه عن دور القانون الدولي في تجاوز منطق القوة المنفردة، وعن ضرورة ألا تتحول الهيمنة العسكرية إلى بديل عن الشرعية. وهنا تفرض المقارنة سؤالها: إذا كانت القوة الأمريكية لا تمنح نفسها الحق في الحرب، وإذا كان القانون الدولي هو المعيار الذي ينبغي أن يقيد الدول الكبرى، فلماذا لا تُطبق الصرامة النقدية نفسها حين يتعلق الأمر بإسرائيل؟
لا يعني ذلك أن فيتنام والعراق وغزة حالات متطابقة، ولا أن اختلاف السياقات التاريخية والسياسية يمكن تجاهله. لكن اختلاف الوقائع لا يبرر اختلاف القيمة الأخلاقية للضحايا، ولا يبيح أن يصبح تطبيق المعيار أكثر تحفظًا حين تكون الدولة موضع المساءلة مرتبطة بذاكرة تاريخية خاصة.
المفارقة إذن ليست في أن هابرماس امتلك موقفًا واحدًا من كل الحروب ثم تراجع عنه حرفيًا، بل في أن دفاعه عن أولوية القانون الدولي ونقده لمنطق القوة والعنف يضعان موقفه من غزة أمام سؤال صعب: هل يظل القانون الدولي معيارًا أعلى من المصالح والتحالفات، أم تتدخل الذاكرة الأوروبية لتحدد حدود تطبيقه وتصبح إسرائيل هي الإستثناء؟ فلا يجوز أن تُمنح أي دولة استثناءً من المساءلة القانونية والأخلاقية. وإذا كانت الكرامة الإنسانية لا تتجزأ، فلا يمكن أن تتراجع قيمتها حين تتعارض مع ذاكرة سياسية أو مصلحة استراتيجية.
فإذا كان هابرماس قد انتقد الحرب الأحادية لأنها تجعل القوة بديلًا عن الشرعية، فإن موقفه من غزة يطالبه بتوضيح سبب عدم إخضاع الرد الإسرائيلي، بالصرامة نفسها، لمعيار القانون الدولي وحقوق الإنسان. وهنا يصبح التناقض أكثر من اختلاف في التقدير السياسي: إنه اختبار لمدى قدرة الكونية الأخلاقية عند هابرماس على مقاومة الاستثناء لصالح إسرائيل.
فلسطين تفضح كونية هابرماس: حين تنتهي الإنسانية عند حدود الذنب الأوروبي
هنا تظهر مفارقة الكونية المتموضعة عند هابرماس، فلم نعد أمام مجرد "موقف سياسي"، بل أمام انهيار بنيوي لأعظم مشروع أخلاقي ادّعى الكونية الأحلاقية في القرن العشرين، ولا يعود السؤال عن موقف سياسي لفيلسوف ألماني، بل عن مصير فلسفة جعلت من التبرير العقلاني والاعتراف المتبادل أساسًا للشرعية.
كيف يمكن لفيلسوف يرى أن القواعد لا تكون مشروعة إلا إذا أمكن تبريرها أمام جميع المتأثرين بها، أن يتخذ موقفًا لا يمنح معاناة الفلسطينيين المكانة التي تقتضيها كونية الأخلاق؟ وكيف يصبح التضامن مع طرف أكثر وضوحًا من مساءلة ما يتعرض له الطرف الآخر، بينما يفترض أن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ؟
وبناء على ذلك ، فإن فلسطين تكشف حدود الكونية الأخلاقية، حين يمنح هابرماس اليهودي "حصانة أخلاقية" مطلقة داخل الفضاء العمومي الأوروبي. فاليهودي هو "الجرح النرجسي" الذي يمنع أوروبا من العودة إلى القومية المتطرفة. لكن، وبسبب هذه المركزية، تصبح الكونية الهابرماسية ليست كونية أخلاقية عالمية، بل هي "كونية متموضعة" ؛ كونية تدّعي الشمولية، لكنها تتوقف فعلياً عند حدود "الذنب الأوروبي". هذا ما أعنيه بمفهوم «الكونية المتموضعة»: كونية تدعي شمولية المعايير الأخلاقية، لكنها تكشف عن حدودها حين تواجه فلسطين فالذنب الأوروبي تجاه المحرقة، مهما بلغت أهميته، لا يجوز أن يصبح المعيار الذي تتحدد على أساسه قيمة الضحايا الآخرين أو درجة استحقاقهم للتضامن.
الفلسطيني، في هذا السياق، ليس خارج الكونية، بل هو الاختبار الذي يكشف إن كانت الكونية قادرة على تجاوز شروطها التاريخية. إنه يضع الفلسفة أمام سؤال لا تستطيع الهروب منه: هل الاعتراف حق إنساني، أم امتياز يتفاوت باختلاف موقع الإنسان من الذاكرة الأوروبية؟
إن الاعتراف بالنكبة والتهجير والحرمان من الحقوق لا ينافس الاعتراف بالمحرقة، بل يختبر قدرته على التحول إلى مبدأ عام. وإذا كانت مواجهة جرائم الماضي شرطًا لإعادة بناء الشرعية الديمقراطية، فإن مواجهة الظلم في الحاضر ينبغي ألا تكون أقل أهمية. فالذاكرة التي لا تقود إلى حماية الآخرين تفقد جزءًا من معناها الأخلاقي، والاعتراف الذي لا يتجاوز جماعته التاريخية يظل أسير خصوصيته مهما تحدث بلغة الإنسانية.
فلسطين ليست امتحانًا لهابرماس وحده، بل امتحان لفكرة الكونية الأخلاقية ذاتها. وفلسطين اليوم هي اللحظة التي تُطالب فيها هذه الكونية بأن تثبت أنها ليست مجرد وعد أوروبي، بل التزام أخلاقي لا يستثني إنسانًا، فإما أن تكون المبادئ صالحة للجميع، بما في ذلك الفلسطيني الذي لا يحمل ذنب أوروبا التاريخي، وإما أن تتحول الكونية إلى "أخلاق قبيلة" تتحدث باسم الإنسانية، لكنها لا تنصت إلى جميع ضحاياها بالقدر نفسه. وحينها، لا يعود الفلسطيني مجرد "مغيّب" في نص فلسفي، بل يصبح شاهداً حياً على إفلاس العقل الأوروبي حين يواجه "الآخر" الذي لا يحمل جواز سفر الذنب التاريخي، وحين يصمت الفعل التواصلي أمام الفلسطيني، لا يكون السؤال: هل ما زلنا نملك نظرية أخلاقية جميلة؟ بل: هل نملك الشجاعة لتطبيقها عندما تصبح الحقيقة مكلفة سياسيًا؟
***
أ.د. هدى محمد عبد الرحمن جاب الله
أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة – جامعة الفيوم








