عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

عامر عبد زيد: الحرية العابرة.. من التحرر من القيد إلى امتلاك الذات

تنطلق المقالة من مفارقة بسيطة لكنها عميقة: قد يكون الإنسان حرًا من الخارج، وهو مستعبد من الداخل. فغياب السلطة المباشرة، وامتلاك الحق في الاختيار، والقدرة على فعل ما نريد، لا تكفي وحدها لإثبات أننا أحرار؛ لأن الإنسان قد يتحرر من سلطة الأب أو الدولة أو المؤسسة، ثم يقع تحت سلطة الشهوة، أو المال، أو الشهرة، أو الجماعة، أو الأيديولوجيا، أو حتى الصورة التي يريد أن يحافظ عليها أمام الآخرين. ولذلك فإن السؤال الحقيقي في فلسفة الحرية لا ينبغي أن يكون فقط: ممَّ تحررت؟، وإنما أيضًا: لمن أصبحت خاضعًا بعد تحرري؟

هنا تبدأ مراجعة المفهوم الشائع للحرية بوصفها غيابًا للقيد. فهذا التصور، على أهميته، يظل ناقصًا إذا لم يسأل عن طبيعة الذات التي أصبحت بلا قيد. لأن الإنسان الذي يستطيع أن يفعل كل ما يريد، لكنه لا يستطيع أن يقول «لا» لرغبته، قد لا يكون حرًا بالمعنى العميق، وإنما قد يكون قد نقل مركز السلطة من الخارج إلى الداخل. فالحرية ليست مجرد القدرة على الفعل، وإنما هي كذلك القدرة على الامتناع عن الفعل؛ ليست أن أستجيب لكل ما أرغب فيه، وإنما أن أمتلك المسافة التي تمكنني من النظر إلى رغبتي واختيار موقفي منها.

ومن هنا يصبح الرفض أحد أعمق مظاهر الحرية. فالإنسان لا يختبر حريته عندما يفعل ما تشتهيه نفسه فقط، وإنما عندما يستطيع أن يقاوم ما تشتهيه حين يرى أن الاستجابة له ستجعله أقل حرية. يستطيع أن يقول «لا» للمال عندما يتحول المال إلى سيد، وللسلطة عندما تتحول إلى استبداد، وللجماعة عندما تطلب منه التخلي عن ضميره، وللشهرة عندما يصبح الحفاظ عليها أكثر أهمية من الحقيقة، وللرغبة عندما تتحول من إمكان إلى ضرورة تستولي على الإرادة.

بهذا المعنى، لا تعود الحرية حالة ثابتة يمتلكها الإنسان، وإنما تصبح ممارسة مستمرة لامتلاك الذات. فالإنسان الحر ليس من تحرر مرة واحدة من سلطة معينة، وإنما من يظل يقظًا تجاه السلطات التي يمكن أن تستولي على إرادته، لأن العبودية قادرة على تغيير شكلها باستمرار. وقد يخرج الإنسان من عبودية ظاهرة ليدخل في عبودية خفية، وقد يرفض سلطة باسم الحرية ثم يصنع لنفسه سلطة جديدة لا يستطيع مساءلتها. لذلك فإن الحرية الحقيقية ليست مجرد الخروج من القيد، وإنما القدرة على عبور القيود دون تحويل القيد الجديد إلى مطلق.

ومن هنا تتخذ العلاقة بين الإيمان والحرية معنى مختلفًا عن الثنائية الشائعة التي تضعهما في مواجهة مباشرة. فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يعيش بلا مرجعية، فإن المشكلة لا تكمن بالضرورة في وجود المرجعية، وإنما في الطريقة التي يتعامل بها معها. يمكن للمرجعية أن تكون مجالًا للوعي والمسؤولية، كما يمكن أن تتحول إلى أداة للإلغاء والاستعباد. ولذلك لا يصح أن نقول إن الإيمان يلغي الحرية لمجرد أن المؤمن يعلن عبوديته لله، كما لا يصح أن نقول إن التحرر من الدين يجعل الإنسان حرًا بالضرورة.

إن عبارة «عبودية الله» تكتسب، في تأويلها الروحي والأخلاقي، دلالة فلسفية مختلفة عندما توضع في مواجهة العبوديات التي يصنعها العالم للإنسان. فالذي يجعل المال سيدًا مطلقًا عليه، أو السلطة، أو الشهرة، أو الشهوة، أو رأي الجماعة، قد يكون أكثر خضوعًا من إنسان يقول إنه عبد لله، إذا كانت عبودية الله تعني عنده رفض تحويل أي شيء دنيوي إلى مطلق يستولي على إرادته. وهنا تنقلب المفارقة: قد تكون العبودية لمطلق متعالٍ، في بعض صورها الروحية، طريقًا للتحرر من المطلقات الزائفة التي يصنعها الإنسان داخل العالم.

لكن هذه الفكرة لا تمنح الإيمان حصانة من النقد، ولا تجعل كل مؤمن حرًا بالضرورة؛ فالإيمان نفسه يمكن أن يتحول إلى سلطة مغلقة إذا فقد الإنسان القدرة على السؤال والمراجعة، كما يمكن لأي فكرة فلسفية أو سياسية أو علمانية أن تتحول إلى أيديولوجيا تستعبد الإنسان إذا أصبحت فوق النقد. لذلك لا توجد علاقة ضرورية بين الإيمان والعبودية، كما لا توجد علاقة ضرورية بين اللاإيمان والحرية. المعيار ليس الاسم الذي يحمله الإنسان، وإنما علاقته بما يؤمن به، وقدرته على التفكير والنقد والمراجعة وتحمل مسؤولية اختياره.

وهنا تلتقي الحرية بالفلسفة. فالفلسفة لا تبدأ من النتيجة التي نريد الدفاع عنها، وإنما من القدرة على السؤال. والعقل الحر ليس العقل الذي لا يؤمن بشيء، وإنما العقل الذي يستطيع أن يسأل عما يؤمن به، وأن يختبر حجته، وأن يعترف بإمكان الخطأ. ولذلك يمكن للفلسفة أن تدرس الإيمان دون أن تكون إيمانًا، وأن تدرس الإلحاد دون أن تكون إلحادًا، وأن تدرس التصوف دون أن تصبح تصوفًا، لأن العقل لا يخشى الفكرة التي تختلف معه، بل يخشى أن يفقد قدرته على مساءلتها.

ومن هنا نصل إلى المستوى الأعمق: الحرية تحتاج إلى حد. وهذه المفارقة تبدو غريبة في البداية، لأننا اعتدنا التفكير في الحد بوصفه نقيضًا للحرية، غير أن غياب كل الحدود قد يجعل الإنسان عاجزًا عن حماية نفسه من رغباته ومن الآخرين ومن تحول أي قوة إلى سلطة مطلقة. ولذلك قد يكون الحد الأخلاقي الذي أضعه لنفسي هو الذي يحميني من عبودية الرغبة، وقد يكون الحد الذي أضعه أمام السلطة هو الذي يحمي حريتي السياسية، وقد يكون الحد الذي أضعه أمام الجماعة هو الذي يحفظ استقلال ضميري.

وعند هذه النقطة يمكن الانتقال من مفهوم الحرية التقليدي إلى مفهوم جديد هو الحرية العابرة.

فالحرية العابرة لا تفترض أن الإنسان يستطيع أن يعيش بلا حدود أو مرجعيات أو علاقات، وإنما تنظر إلى الإنسان بوصفه كائنًا يعيش داخل شبكة من الحدود والسلطات والرغبات والقيم، وأن حريته تتحدد بقدرته على العبور الواعي بينها. إنها لا تطلب منه أن يكون بلا قيد، بل أن يمنع القيد من التحول إلى استعباد؛ ولا تطلب منه أن يكون بلا مرجعية، بل أن يعي علاقته بمرجعيته؛ ولا تطلب منه أن يلغي الرغبة، بل أن يمتلك القدرة على ألا يصبح عبدًا لها.

وعليه، فالحرية ليست نهاية العبور، وإنما العبور ذاته.

إن الإنسان الحر هو الذي يستطيع أن ينتقل من استجابة تلقائية إلى اختيار واعٍ، ومن الخضوع إلى المقاومة، ومن التبعية إلى المسؤولية، ومن الهوية المغلقة إلى الذات القادرة على مراجعة نفسها، ومن الرغبة التي تقوده إلى الإرادة التي يوجهها. ولذلك فإن الحرية ليست امتلاكًا نهائيًا للذات، لأن الذات نفسها في صيرورة مستمرة، وإنما هي قدرة على إعادة امتلاكها كلما حاولت قوة ما أن تستولي عليها.

وهنا تلتقي الحرية العابرة مع مفهوم الإنسان المفتوح: فالإنسان المفتوح ليس إنسانًا بلا حدود، وإنما إنسان لا يسمح لحدوده الحالية بأن تتحول إلى سجن نهائي، ولا يسمح لمرجعيته بأن تلغي السؤال، ولا يسمح لهويته بأن تمنعه من مراجعة ذاته. إنه الإنسان القادر على أن يقول «نعم» حين يكون القبول اختيارًا، وأن يقول «لا» حين يتحول القبول إلى خضوع.

وبذلك يمكن إعادة صياغة السؤال القديم: ليس «هل الإنسان حر أم عبد؟»، لأن الإنسان يعيش دائمًا داخل علاقات وحدود ومرجعيات، وإنما السؤال الأكثر عمقًا هو:

ما الذي يستعبد الإنسان، وهل يمتلك القدرة على العبور منه؟

فمن لا يستطيع مقاومة شهوته عبد لها، ومن لا يستطيع مخالفة المال حين يطلب منه أن يبيع ضميره عبد له، ومن لا يستطيع رفض السلطة حين تنحرف عبد لها، ومن لا يستطيع الاختلاف مع الجماعة عبد لنظرتها، ومن لا يستطيع مراجعة أفكاره عبد لها، ومن لا يستطيع السؤال عن مرجعيته قد تتحول مرجعيته نفسها إلى قيد مغلق.

أما الحرية، في أعمق معانيها، فهي أن يستطيع الإنسان أن يمتلك المسافة بين الرغبة والاستجابة، وبين السلطة والطاعة، وبين الجماعة والموقف، وبين الاعتقاد والسؤال.

ومن هنا فإن الحرية ليست أن أفعل كل ما أريد، وإنما أن أكون قادرًا على أن أسأل: هل ما أريده يستحق أن أتبعه؟

وليست أن أعيش بلا سيد، وإنما أن أعرف ما الذي يمكن أن يجعلني عبدًا.

وليست أن أتخلص من كل مرجعية، وإنما أن أمتلك الوعي الذي يمنع المرجعية من التحول إلى إلغاء للعقل والضمير.

ولهذا يمكن أن يكون الإيمان، في صورته الأخلاقية العميقة، أحد إمكانات الحرية، لا نقيضًا لها؛ لأنه يستطيع أن يمنح الإنسان مرجعية يتجاوز بها عبوديات العالم، شرط ألا يتحول الإيمان نفسه إلى إلغاء للسؤال أو احتكار للحقيقة أو وصاية على الآخرين.

فالحرية العابرة هي حرية الإنسان الذي لا يستقر في عبودية، ولا يتوهم أن الخروج من قيد واحد يعني الخروج من كل القيود، وإنما يظل يقظًا لمساره، يعبر من تبعية إلى اختيار، ومن اختيار إلى مسؤولية، ومن مسؤولية إلى وعي، حتى تصبح غايته النهائية ليست أن يفعل كل ما يريد، بل أن يصبح قادرًا على أن يريد ما يختاره، وأن يرفض ما يستعبده، وأن يمتلك نفسه دون أن يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة.

وبذلك يصبح السؤال الفلسفي الأخير ليس: هل الإيمان ضد الحرية؟ وإنما: أي إيمان، وأي حرية، وأي إنسان؟

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

في المثقف اليوم