الفلسطيني واختبار الكونية الأخلاقية
في شتاء عام 1982، جلس الفيلسوف الفرنسي إيمانويل ليفيناس أمام شلومو مالكا في حوار إذاعي في أعقاب مجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982. كان ليفيناس في السادسة والسبعين من عمره، وقد أمضى نصف قرن وهو يبني ما يُعدّ أعمق فلسفة أخلاقية في القرن العشرين: فلسفة تقول إن الأخلاق لا تبدأ من الذات ولا من العقل ولا من القانون، بل من "الوجه" — ذلك الحضور العاري للآخر الذي يواجهك ويأمرك بصمت: "لا تقتلني".
لكن في ذلك الحوار، حين سُئل عن الفلسطينيين، حدث شيء غريب. الفيلسوف الذي جعل من "الوجه" قدساً أخلاقياً لا يُمسّ، والذي قال إن مسؤوليتي تجاه الآخر تسبق حريتي واختياري وهويتي، بدا وكأنه يتوقف. ثم قال ما مفاده أن "الفلسطيني" يمكن أن يكون "الآخر" بالمعنى الأخلاقي، لكنه في الواقع السياسي قد يكون أيضاً من يهدد وجودي. وفي لحظة أخرى من الحوار، صاغ عبارته التي لا تزال تثير قلقاً فلسفياً عميقاً حتى اليوم: "الإنسانية تتجلى في الوجه، صحيح: لكن يجب أن نعرف أي وجه".
هذه الجملة — "يجب أن نعرف أي وجه" — هي واحدة من أكثر الجمل إثارة للقلق في تاريخ الفلسفة المعاصرة. ليس لأن ليفيناس كان عنصرياً أو حاقدًا، فسيرته كيهودي ليتواني فقد معظم عائلته في المحرقة النازية تنفي ذلك تماماً، بل لأن هذه الجملة تكشف عن صدع بنيوي في أعظم مشروع أخلاقي ادّعى الكونية في القرن العشرين. فإذا كان "الوجه" يأمرك "بالمسؤولية قبل أي شرط"، فكيف يصبح "معرفة أي وجه" شرطاً للمسؤولية ذاتها؟
الوجه الذي يأمرك قبل أن تعرفه
لفهم حجم هذه المفارقة، يجب أن ندرك ما يعنيه "الوجه" عند ليفيناس بدقة. في كتابه الأول "الكلية واللانهائي" (1961)، ثم في عمله الأكثر تجريداً "ما وراء الجوهر" (1974)، بنى ليفيناس تصوراً ثورياً للأخلاق. "فالوجه" عنده ليس ملامح: ليس الأنف والعينين والفم. الوجه ليس صورة يمكن التقاطها أو تصنيفها أو أرشفتها. "الوجه" هو حضور "الآخر" بوصفه إنسانًا لا يجوز اختزاله إلى شيء أمتلكه أو موضوع أتحكم فيه. وهذا يضعني أمام مسؤولية أخلاقية تسبق أي حساب، أو مصلحة، أو تشابه في الهوية أو الدين.
حين أواجه وجهًا، أواجه نداءً. هذا النداء يسبق كل قرار أتخذه، وكل حساب أجريه، وكل انتماء أحمله. أنا لم أختر أن أكون مسؤولاً عن هذا الوجه. المسؤولية وقعت عليّ قبل أن أُولد، قبل أن أختار، قبل أن أعرف. يقول ليفيناس في عبارة شهيرة: "أنا مسؤول عن الآخر قبل أن أكون حراً". هذه ليست مبالغة أدبية. إنها قلب جذري لكل الفلسفة الغربية التي جعلت من الحرية والوعي أساس الأخلاق. عند كانط، أنا أخلاقي لأنني أختار بحرية أن أتبع القانون الأخلاقي. عند ليفيناس، أنا أخلاقي لأنني لم أختر شيئاً — المسؤولية سبقتني.
وهنا تكمن القوة الكونية لهذا التصور. إذا كانت المسؤولية تجاه الوجه تسبق الهوية والدين والقومية والانتماء، فهي تنطبق على كل وجه. لا يوجد وجه "أكثر استحقاقاً" للمسؤولية من وجه آخر. لا يوجد وجه "يهودي" ووجه "عربي" ووجه "أوروبي" في المعنى الأخلاقي الأولي. هناك وجهٌ فحسب. وهذا هو "الوعد بالكونية الأخلاقية" في فلسفة ليفيناس: أخلاق لا تستثني أحداً، لأن شرطها الوحيد هو أن يكون الآخر "آخر".، وهي أخلاق "تجاوز الذات"، يصبح فيها الآخر "غيرية مطلقة"، ويصبح "وجه الآخر" جدير بالمسؤولية الأخلاقية غير المشروطة، ومحمل بوعد عدم القتل.
اللحظة التي انكسر فيها الوعد الأخلاقي
لكن هذا "الوعد الأخلاقي" اصطدم بجدار "الواقع السياسي" في ذلك الحوار عام 1982. فحين دخل "الفلسطيني" إلى المشهد، لم يعد "الوجه" كافياً. دخلت حسابات أخرى: الأمن، الوجود، التهديد، التاريخ. وبدا وكأن ليفيناس يقول: نعم، الوجه يأمرك بالمسؤولية، لكن هناك وجوهاً تقع في منطقة رمادية حيث تتداخل الأخلاق بالسياسة، وحيث يصبح "الآخر" أيضًا "العدو".
ما الذي حدث؟ هل خان ليفيناس فلسفته؟ هل كان منافقاً؟ هذا التفسير سهل ومُغري، لكنه غير فلسفي. الفلاسفة لا يُحاكمون بنية النوايا. المسألة أعمق من ذلك بكثير، وهي تكشف عن مشكلة بنيوية في العلاقة بين الأخلاق والسياسة لم يحلّها ليفيناس، بل ربما لم يستطع حلّها.
ثلاثة تفسيرات فلسفية للمفارقة
أولاً: فخّ الذاكرة:
لا يمكن فهم ليفيناس دون فهم أن فلسفته وُلدت من رحم المحرقة (الهولوكست). وأن والديه وإخوته قُتلوا في ليتوانيا في سياق المحرقة النازية، هو نفسه نجا من الأسر في معسكرات الحرب. هذه التجربة لم تكن مجرد سيرة ذاتية، بل كانت الأساس الوجودي الذي بُنيت عليه فلسفته كلها. حين يقول ليفيناس "الوجه يأمرني: لا تقتل"، فهو يتحدث من داخل ذاكرة شعب وُضعت وجوهه في أفران الغاز. الأخلاق عند ليفيناس هي، في عمقها، أخلاق ناجٍ من الإبادة يقول للعالم: "لا تكرر هذا أبداً".
لكن هذه القوة هي نفسها نقطة الضعف. لأن الذاكرة اليهودية للمحرقة، حين تتحول إلى هوية سياسية مرتبطة بدولة إسرائيل، تصطدم بآخر له ذاكرته الخاصة: الفلسطيني الذي عاش النكبة والاحتلال والتهجير. هنا يظهر السؤال المُرّ: هل يمكن لذاكرة اضطهاد أن تتحول إلى مبرر لاضطهاد آخر؟ ليس هذا ما قصده ليفيناس بالطبع، لكن بنيته الفلسفية لم تمنع هذا الانزلاق، لأنها لم تبنِ أدوات كافية للتعامل مع "الآخر الفلسطيني الذي له ذاكرة مضادة".، لذلك كان الآخر لديه هو اليهودي الذي يعد رمز أخلاقي للمضطهد، وهوالحامل للتجربة الأخلاقية القصوى، وهو الذي يعد نموذج للمسؤولية الأخلاقية الكونية، حتى أنكر معاناة الفلسطينين.
ثانياً: الطرف الثالث ومشكلة العدالة:
أدخل ليفيناس في كتابه "ما وراء الجوهر"، مفهوماً حاسماً هو "الطرف الثالث"يقول: أنا والآخر وحدنا في علاقة أخلاقية مباشرة، لكن في العالم الحقيقي يوجد دائماً طرف ثالث — بل أطراف ثالثة لا حصر لها. يوجد "آخرون آخرون" لهم أيضاً "وجوه" تستدعي المسؤولية. وحين تتعدد الوجوه، لا بد من المقارنة والموازنة والحكم. هذا هو الانتقال من "الأخلاق" إلى "العدالة"، ومن العدالة إلى السياسة والدولة والقانون. وبالتالي فإن هذه "الغيرية المطلقة" تفقد قدسيتها عندما تدخل المجال السياسي، وتصبح الدولة فوق الأخلاق بحجة ضرورات الأمن القومي، ومنح إسرائيل "وضعا استثنائيا"، واستغل الهولوكست لتبرير هذا الاستثناء.وكانت الخصوصية اليهودية أقوى من الكونية الأخلاقية ذاتها.
إذا كانت الأخلاق الكونية تتوقف عند باب السياسة، فما قيمة كونيتها؟ ما فائدة أخلاق تقول "كل وجه مقدس" إذا كان هذا التقديس يُعلَّق بمجرد أن يدخل الوجه في نزاع سياسي؟ أليست السياسة بالتحديد هي المجال الذي نحتاج فيه إلى الأخلاق أكثر من أي مجال آخر؟
ثالثاً: صناعة العدو السياسي
وهنا نصل إلى النقطة الأعمق. حين قال ليفيناس "يجب أن نعرف أي وجه"، فإنه — ربما دون أن يقصد — فتح الباب أمام أخطر عملية في السياسة المعاصرة: عملية تحويل الإنسان من "وجه" إلى "عدو". هذه العملية لا تبدأ بالعنف المادي. تبدأ بالنظر. تبدأ حين تُصنَّف مجموعة بشرية كاملة باعتبارها "تهديداً وجودياً"، فيُجرَّد أفرادها من صفة "الوجه" الذي يستدعي المسؤولية، ويُعاد تشكيلهم بوصفهم "أهدافاً مشروعة" أو "أضرارًا جانبية" أو "أرقامًا إحصائية".
طورت الفيلسوفة الأمريكية جوديث بتلر، في كتابها "حياة هشة" (2004)، هذا النقد بعمق حين سألت: لماذا تُرثى بعض الأرواح ولا تُرثى أخرى؟ لماذا يُنشر اسم كل ضحية إسرائيلية وتُقام لها مراسم حداد وطنية، بينما يُدفن مئات الفلسطينيين في مقابر جماعية بلا أسماء؟ ترى بتلر أن هذا ليس مجرد انحياز إعلامي، بل هو بنية أخلاقية-سياسية تحدد مسبقاً، "من هو الإنسان الذي يستحق الحزن عليه" و"من هو الإنسان الذي يمكن قتله دون أن يُحسب ذلك جريمة".
وهنا تكمن المفارقة القاتلة: فلسفة ليفيناس، التي وُلدت لمقاومة هذه العملية بالتحديد — عملية تجريد "اليهودي" من إنسانيته في أوروبا النازية — أصبحت، في موقف صاحبها من "الفلسطيني"، جزءاً من الآلية نفسها. الوجه الذي كان يُفترض أنه يحمي من التجريد، صار هو نفسه يُجرَّد حين يكون فلسطينياً.
ما الذي تكشفه هذه المفارقة؟
لا أكتب هذا المقال لإدانة ليفيناس. إدانة فيلسوف مات عام. ما أكتبه هو محاولة لاستخدام فلسفته لاختبار نفسها، لأن هذا هو أصدق ما يمكن أن يفعله المرء مع فيلسوف يحترمه: أن يأخذه على محمل الجد إلى أبعد حد، حتى حيث لا يستطيع هو أن يذهب.
ما تكشفه الحالة الفلسطينية ليس أن ليفيناس كان "سيئاً" أو "منحازاً" فحسب، بل أن هناك حدوداً بنيوية في الكونية الأخلاقية الغربية ذاتها. هذه الكونية التي تُعلن أن كل إنسان متساوٍ في الكرامة، تصطدم دائماً بلحظة الحقيقة: اللحظة التي يظهر فيها "الآخر المحدد" — ليس "الآخر المجرد الفلسفي"، بل "الآخر الواقعي" الذي له اسم ووجه وتاريخ ومطالبة بأرض وحرية. في تلك اللحظة، تتراجع الكونية، وتعود الخصوصية القومية والدينية والتاريخية لتفرض شروطها.ولا يعود "الفلسطيني" هو "الآخر"، بل وجه بلا ملامح، لم يعد له وجود داخل الكونية الأخلاقية، ويتحول من الآخر الأخلاقي إلى عدو سياسي.
كتب الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، الذي كان تلميذًا وصديقًا لليفيناس، في رثائه "وداعًا لإيمانويل ليفيناس" (1997) أن أعظم تكريم لليفيناس هو أن نواصل التفكير معه، حتى ضده. والتفكير "ضد" ليفيناس هنا يعني أن نسأل: هل يمكن أن نبني "أخلاقاً كونية" حقيقية لا تتوقف عند حدود "الذاكرة الخاصة"؟ أخلاقاً ترى "وجه الفلسطيني" كما ترى "وجه اليهودي" الناجي من المحرقة، ليس لأنهما "متشابهان"، بل لأن كل وجه — كل وجه دون استثناء — هو نداء أخلاقي مطلق؟، لأن أي استثناء يقوض كونية الأخلاق ويجعلها أخلاق انتقائية وليست كونية.
الوجه في الركام
كل يوم، من بين ركام غزة وجنين ورفح، تظهر وجوه. وجوه أطفال لم يتجاوزوا العاشرة، ووجوه أمهات يحملن ما تبقى من عائلاتهن، ووجوه رجال خرجوا يبحثون عن خبز فعادوا محمولين. هذه الوجوه لا تطلب من العالم أن يفهم تعقيدات الصراع أو أن يحلل التاريخ. هذه الوجوه تقول الشيء الوحيد الذي قاله ليفيناس إن الوجه يقوله: "أنا هنا. لا تقتلني. كن مسؤولاً عني".
والسؤال الذي يطرحه كل "وجه فلسطيني" على الفلسفة المعاصرة ليس سؤالاً سياسياً. إنه سؤال أخلاقي جذري: هل تستطيع أخلاقك أن تصمد حين يكون الوجه الذي أمامك هو الوجه الذي تعتبره دولتك "عدواً"؟ إذا لم تستطع، فأخلاقك ليست كونية، إنها أخلاق قبيلة مُتخفية في ثوب كونية. ولذلك كان الفلسطيني هو المحك الذي كشف حدود كونية ليفيناس القبلية.
علّمنا ليفيناس أن نرى الوجه. لكنه لم يستطع أن يرى كل الوجوه. وربما تكون هذه هي المهمة الفلسفية التي تركها لنا: أن نرى ما لم يستطع هو أن يراه. أن نمدّ أخلاق الوجه إلى حيث توقفت. أن نقول: كل وجه. دون استثناء. دون شرط. دون "لكن".
لأن اللحظة التي نبدأ فيها بـ "لكن" — "الوجه مقدس، لكن..." — هي اللحظة التي تبدأ فيها الإبادة. كل إبادة في التاريخ بدأت بـ "لكن".
***
أ. د. هدى محمد عبد الرحمن جاب الله
استاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة - جامعة الفيوم








