أو حين تتحول الميديوقراطية إلى أسلوب في الحياة اليومية
ليست التفاهة، في معناها الفلسفي العميق، مجرد انحدار في مستوى الذوق أو ضحالة في التفكير، وليست أيضًا صفة يمكن أن نلصقها بسهولة بهذا الشخص أو ذاك. إن السؤال الذي يستحق أن يُطرح، خصوصًا في سياق الحداثة المتأخرة، هو: متى تتجاوز التفاهة حدود السلوك الفردي لتتحول إلى نظام اجتماعي يعيد إنتاج نفسه؟ هنا تحديدًا تكتسب أطروحة الفيلسوف الكندي آلان دونو أهميتها؛ فهو لا ينشغل بالتافهين بوصفهم أفرادًا، بقدر ما يحاول تفكيك الشروط التي تجعل الرداءة قابلة للتطبيع، والسطحية قابلة للتعميم، والمتوسط قابلًا للتحول إلى معيار. ومن ثم فإن كتابه La Médiocratie لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه مجرد هجاء للواقع الثقافي والسياسي، بل باعتباره تشريحًا لنظام اجتماعي تتداخل فيه السياسة والاقتصاد والإعلام والمؤسسات واللغة اليومية، بحيث يصبح الإنسان مطالبًا، في كثير من الأحيان، بأن يكون «مقبولًا» أكثر من أن يكون ناقدًا، ومنسجمًا أكثر من أن يكون مختلفًا.
إن مفهوم الميديوقراطية عند دونو أكثر دقة من مفهوم التفاهة في الاستعمال العربي الشائع؛ لأن médiocratie مشتقة من médiocre، أي المتوسط أو الرديء، ومن cratie، أي الحكم أو السلطة. ولذلك يمكن ترجمتها تقريبًا بـ«حكم المتوسط» أو «سلطة المتوسط». والمقصود ليس أن المجتمع يحكمه أشخاص متوسطو القدرات فحسب، وإنما أن منطق المتوسط نفسه يصبح معيارًا للتنظيم والتقييم والقبول. وحين يصبح المتوسط معيارًا، فإن الاختلاف يبدأ في الظهور بوصفه مشكلة، والعمق بوصفه تعقيدًا، والسؤال النقدي بوصفه تعطيلًا، واللغة الجاهزة بوصفها كفاءة. وهنا لا تعود المسألة متعلقة بغياب الذكاء، وإنما بتكوين بيئة اجتماعية لا تمنح التفكير النقدي شروط ظهوره وانتشاره.
وهذا ما يجعل قراءة دونو قراءةً تتجاوز السياسي المباشر إلى اليومي. فالميديوقراطية لا تعمل فقط في المؤسسات الكبرى، بل تتسلل إلى التفاصيل الصغيرة التي تبدو في ظاهرها محايدة. في اجتماع إداري مثلًا، قد تتكرر عبارات من قبيل «تحسين الأداء»، و«تعزيز التواصل»، و«تفعيل روح الفريق»، و«العمل وفق رؤية جديدة»، بينما تظل المشكلة الحقيقية خارج اللغة المتداولة. وحين يحاول أحدهم أن يطرح سؤالًا جذريًا حول سوء الإدارة أو غياب المسؤولية، قد لا يُطلب منه الصمت صراحة، وإنما يُدفع بطريقة أكثر نعومة إلى التراجع: «كن إيجابيًا»، «لا تعقّد الأمور»، «لنبحث عن حلول عملية». هنا تظهر إحدى أكثر آليات الميديوقراطية خفاءً: إعادة تعريف التفكير النقدي بوصفه سلوكًا غير عملي.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم العبارة التي يوردها دونو: «Il faut penser mou et le montrer»؛ أي، بصورة تقريبية، «ينبغي أن نفكر تفكيرًا لينًا وأن نظهر ذلك».¹ لا تكمن أهمية العبارة في بعدها الساخر فقط، وإنما في قدرتها على الكشف عن نمط ثقافي تصبح فيه الصلابة الفكرية مصدر حرج، بينما يتحول التوافق والليونة الفكرية إلى فضيلة اجتماعية. فالمطلوب ليس بالضرورة أن يتخلى الإنسان عن التفكير، وإنما أن يفكر بطريقة لا تزعج النظام القائم، وأن يعرض أفكاره في صورة لا تستفز الإجماع. وهنا تصبح الميديوقراطية شكلًا من أشكال إدارة الاختلاف: لا تمنعك من الكلام، لكنها تؤثر في كيفية كلامك، وفي سقف ما تستطيع قوله، وفي اللغة التي ينبغي أن تستعملها حتى تظل مقبولًا.
والأكثر إثارة في هذا السياق أن سلطة الميديوقراطية لا تحتاج دائمًا إلى أجهزة قمع واضحة؛ إذ يمكن أن تتحول تدريجيًا إلى رقابة داخلية. يعترض الموظف في المرة الأولى، ثم يخفف اعتراضه في المرة الثانية، ثم يعيد صياغته بلغة أكثر حذرًا في المرة الثالثة، إلى أن يصل في النهاية إلى مرحلة يراقب فيها نفسه قبل أن يتكلم. لقد انتقلت السلطة من الخارج إلى الداخل. لم يعد الآخر هو الذي يمنعه من قول ما يريد، وإنما أصبح هو نفسه يعرف مسبقًا ما الذي يمكن قوله وما الذي ينبغي تجنبه. وهنا تتخذ الميديوقراطية صورتها الأكثر عمقًا: أن يصبح الفرد شريكًا في إعادة إنتاج النظام الذي يحد من حريته النقدية.
إن هذا المنطق لا يقتصر على الإدارة والمؤسسة، بل يمكن أن نراه في الجامعة، وفي الإعلام، وفي الفضاء الرقمي، وفي الحياة الثقافية، بل حتى في المحادثات اليومية. يكفي أن يطرح شخص سؤالًا مختلفًا حتى يسمع: «لماذا تعقّد الأمور؟»، «اتركها بسيطة»، «الجميع يفكر هكذا»، «لا داعي لهذه الفلسفة». تبدو هذه العبارات عابرة، لكنها قد تحمل في عمقها موقفًا من التفكير ذاته. فحين تصبح البساطة قيمة مطلقة، يمكن أن تتحول إلى رفض لكل تعقيد ضروري؛ وحين يصبح الإجماع معيارًا للحقيقة، يصبح المختلف موضع شبهة؛ وحين تتحول السرعة إلى فضيلة، يصبح التأمل نوعًا من البطء غير المرغوب فيه.
ومن هنا تتضح العلاقة بين دونو والحياة اليومية. إن «نظام التفاهة» لا يبدأ بالضرورة من الأحداث الكبرى، وإنما قد يبدأ من الطريقة التي نتعلم بها أن نتكلم. اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، إنها أيضًا أداة لتشكيل الواقع. فإذا امتلأت المؤسسات بلغة تقنية محايدة تخفي الصراعات الحقيقية، وإذا تحولت السياسة إلى شعارات، وإذا تحول الإعلام إلى استهلاك سريع للمعلومات، وإذا أصبح الفضاء الرقمي يكافئ ما هو قصير ومثير وقابل للتداول، فإن الإنسان يجد نفسه داخل عالم تتراجع فيه قيمة السؤال أمام سرعة الجواب، ويتراجع فيه المعنى أمام قابلية المحتوى للاستهلاك.
وفي هذا المستوى تحديدًا يصبح دونو قريبًا من التأويلية؛ لأن المسألة ليست فقط: ماذا يقول الناس؟ وإنما: ما الذي تكشفه طريقتهم في القول عن النظام الذي يعيشون داخله؟ إن العبارة اليومية البسيطة قد تحمل وراءها بنية اجتماعية كاملة. عندما نقول لشخص «كن واقعيًا»، فقد نقصد أحيانًا العودة إلى الممكن، لكننا قد نقصد أيضًا ألا يذهب بعيدًا في نقد الواقع. وعندما نقول «هذه هي القواعد»، فإننا لا نصف قاعدة فقط، وإنما قد نغلق إمكانية السؤال عن أصلها وشرعيتها. وهكذا يصبح اليومي نصًا يحتاج إلى قراءة، وتصبح العبارات المألوفة علامات ينبغي تفكيكها.
إن خطورة الميديوقراطية تكمن إذن في قدرتها على جعل الإنسان يعتاد ما كان ينبغي أن يرفضه. فالرداءة حين تتكرر تصبح مألوفة، والمألوف حين يطول حضوره يتحول إلى طبيعي، وما يتحول إلى طبيعي يصعب مساءلته. وهنا تظهر وظيفة الفلسفة بوصفها فعلًا لاستعادة الدهشة. الفلسفة لا تأتي لتضيف تعقيدًا مصطنعًا إلى الحياة، وإنما لكي تكشف التعقيد الذي أخفته العادة. إنها تعيد السؤال إلى الأشياء التي فقدت قدرتها على إثارة السؤال فينا.
ولذلك فإن مواجهة نظام التفاهة لا تعني الدخول في حرب أخلاقية ضد «التافهين»، ولا تعني تقسيم المجتمع إلى نخبة ذكية وجمهور غبي؛ فهذا الفهم سيكون تبسيطًا جديدًا للمشكلة التي يحاول دونو تحليلها. المسألة أعمق من ذلك: كيف تُنتج المؤسسات، واللغة، والإعلام، والاقتصاد، والثقافة أنماطًا من السلوك تجعل المتوسط هو القاعدة؟ وكيف يصبح الإنسان، من حيث لا يدري، مشاركًا في هذا الإنتاج؟ إن نقد الميديوقراطية لا ينبغي أن يتحول إلى تعالٍ على الآخرين، وإنما إلى نقد للآليات التي تصنع شروط التفاهة وتمنحها شرعية اجتماعية.
ومن هنا تستعيد الفلسفة وظيفتها في الحياة اليومية. إنها ليست مجرد معرفة تاريخية بأسماء الفلاسفة ومذاهبهم، بل قدرة على مقاومة الاعتياد حين يتحول إلى غفلة، ومقاومة اللغة الجاهزة حين تتحول إلى قناع، ومقاومة الإجماع حين يصبح بديلًا عن التفكير. إن الفيلسوف، في مواجهة الميديوقراطية، لا يملك وصفة جاهزة لإنقاذ العالم، لكنه يمتلك شيئًا أكثر أهمية: القدرة على إبقاء السؤال حيًا. والسؤال الحي هو أول شرخ في جدار التفاهة.
إن آلان دونو، بهذا المعنى، لا يدعونا إلى البحث عن «التافه» في الآخرين، وإنما إلى البحث عن اللحظات التي يمكن أن نصبح فيها نحن أيضًا جزءًا من نظام التفاهة. قد يحدث ذلك عندما نكرر عبارة لا نؤمن بها لأنها الأكثر أمانًا، أو عندما نصمت عن سؤال ضروري خوفًا من أن نبدو مختلفين، أو عندما نختار الإجابة السهلة لأنها أكثر تداولًا، أو عندما نخلط بين النجاح الاجتماعي والجدارة الفكرية. هنا يصبح نقد دونو نقدًا للذات قبل أن يكون نقدًا للمجتمع.
وهكذا يتحول «نظام التفاهة» من مفهوم يصف عصرًا إلى مرآة تكشف طريقة عيشنا داخله. فالمشكلة ليست أن التفاهة موجودة؛ فقد كانت موجودة دائمًا، وإنما أن تصبح التفاهة نظامًا للمعايير، وأن يصبح المتوسط لغةً للنجاح، وأن يصبح الامتثال شرطًا للاندماج، وأن يُنظر إلى الفكر النقدي باعتباره إزعاجًا. وفي مواجهة ذلك، لا تكون مهمة الفلسفة أن تصرخ أعلى من الضجيج، بل أن تستعيد للإنسان قدرته على الإصغاء، وعلى التمهل، وعلى تسمية الأشياء بأسمائها، وعلى اكتشاف المعنى حيث يبدو كل شيء عاديًا.
إن السؤال الحقيقي الذي يتركه لنا دونو ليس: من هم التافهون؟ وإنما: متى تتحول طريقتنا اليومية في الكلام والعمل والتفكير والتعامل مع الاختلاف إلى نظام يكافئ التفاهة؟ عند هذه النقطة يغادر نقد الميديوقراطية حدود الكتاب ليصبح سؤالًا عن الحياة نفسها؛ عن الجامعة، والمؤسسة، والإعلام، والهاتف، والمنصة الرقمية، والمقهى، والشارع، وحتى عن الطريقة التي نصغي بها إلى بعضنا. وهنا تحديدًا تلتقي الفلسفة باليومي: في تلك المسافة الدقيقة بين ما اعتدنا عليه وما ينبغي أن نسأل عنه، بين ما يبدو طبيعيًا وما يخفي نظامًا من القيم، وبين حياة نعيشها بصورة تلقائية وحياة نستعيد فيها، عبر التفكير، حقنا في أن نفهمها .
***
بقلم الدكتور معروفي العيد.
.....................
الهوامش:
يقول آلان دونو: "ما هو جوهر كفاءة الشخص النافذة؟ إنه القدرة على التعرف على شخص ثانٍ آخر، معًا، يدعمون بعضهم بعضًا، فيرفع كلّ منهم الآخر، لتقع السلطة بيد جماعة تكبر باستمرار، لأن الطيور على أشكالها تقع، ما يهم هنا لا يتعلق بتجنب الغباء، وإنما بالحرص على إحاطته بصور السلطة. إذا كان المظهر الخارجي للغباء لا يشبه التقدم، المهارة، الأمل، أو الرغبة الدائمة في التعديل، فإن أحدًا لن يرغب في أن يكون غبيًا، كما لاحظ روبرت موسيل Robert Musil (4)، في مرآة في إخفاء أوجه قصورك في سلوكك ا معتاد، اَدّع دائمًا أنك شخص براغماتي، ولكن مستعدًا للتطوير من نفسك؛ فالتفاهة لا تعني من نقص لا بالقدرة ولا بالكفاءة." آلان دونو، نظام التفاهة، ترجمة وتعليق، د. مشاعل عبد العزيز الهاجري، دار سؤال للنشر لبنان، بيروت، ط1 2020، ص 70.
ينبغي أن يكون المرء قادرًا على تشغيل تطبيقات الحاسب الآلي، مثل استثمار ما من دون شكوى، ترديد عبارات مثل «المعايير العليا لحوكمة الشركات، والمقترح تهم» مع توجيه التحية في الآن ذاته للأشخاص المناسبين. ولكن – وهذا أمر مهم – لا ينبغي القيام بما هو أكثر من ذلك.
إن التفاهة (بالفرنسية médiocrité) هو الاسم الذي يشير إلى ما هو متوسط، تمامًا علمًا تشير كلمات infériorité, supériorité إلى ما هو أعلى وما هو أدنى، ليس هناك فقط لفظ مثل moyenne (التوسط) بالفرنسية. ولكن مصطلح «نظام التفاهة» la médiocratie يفيد المرحلة المتوسطة خلال فعل ينطوي على ما هو أكثر من التوسط؛ إنه يعني هذه الدرجة الوسطى بعد رغبة إلى صفات السلطة. بذلك، فإن «نظام التفاهة» la médiocratie هذا إنما يؤسس لوسيط لا يعود فيه المتعاد هو محض توليد يجزّئ synthesis يسمح لنا بالوقوف على شبه الأمور، بل يصبح هو المعيار الذي ينشطر للخضوع له. وهكذا، فإن المرء يعلن نفسه
– شارك في الحرب الروسية-اليابانية التي وقعت في الفترة من عام 1904 إلى عام 1905.
¹ Alain Deneault, La Médiocratie, Montréal, Lux Éditeur, 2015, p. 35.
² Alain Deneault, La Médiocratie,
أنظر خصوصًا تحليله للميديوقراطية بوصفها نظامًا اجتماعيًا تتداخل فيه السياسة والاقتصاد والثقافة ومؤسسات إنتاج الدولة.
Ibid, pp. 13-15. 3








