- النزوع إلى القديم:
لم يكن الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي، طيّب الله ثراه، في مجموعته القلميَّة الممتازة "وحي القلم" هو أول من قال بفكرة "التوليد"، (لم يكن لها مبتكراً، ولا كان بها منتهجاً طرائق التجديد والتفرُّد والابتكار)، كما سلفت الإشارة إليه في المقال السابق. والرجل - بغير خلاف - أديبٌ بالملكة وبالطبع، وأديبٌ بمقاييس الوصف والتخريج، وأديبٌ مرة ثالثة بمقاييس الأدب الإنشائي التعبيري: أدّبَه القرآن، وأورثه حنكة التنبُّه واليقظة، فصار يثقف من هنا ويلقف من هناك، وبات يضرب بقلمه في ميدان البيان في غير غرابة ولا عجب أن تأتي ضرباته وكلها من نور المعنى الثاقب مقرونة بجهد النظر وخميرة التحصيل.
ليت ألفاظه وتراكيب عباراته كانت مُوجّهة لفكر حيّ جديد ..! وإنمّا، مع شديد الأسف، كانت حركة المنهج الهابط مسيطرة عليه ومُغلِّفة له بغلاف داكن كثيف، فلم يعد ينظر بها إلى شيء إلا كما ينظر اليوم أبناء الربع الأخير من القرن العشرين إلى غوابر الماضي وأشباح الغابرين.
وقد كان الرافعي، فيما أخذ عليه، ينقل البيئة العربية بكل تفاصيلها إلى العصر الذي يعيش فيه ويحيا تفاصيله، فلا يرى بينه وبين الجاحظ والمتنبي وابن رشيق وفحول الأدباء والشعراء العرب فرقاً يتخطى حواجز الزمن. لم يستطع أن يأخذ عنهم أدب الفكرة وأدب التفسير، ولكن غلب على طبعه الإنشاء التعبيري، فكان أدب التعبير هو غاية الغايات لديه، كما كان أصدقاؤه من قُدامى الأدباء معه في مجالس الأدب ومحاضرات الشعراء ونوادي الفكر والثقافة؛ كانوا أجساداً وهياكل كأن الزمن الذي يعيشه زمن الجاحظ، والأيام أيام المتنبي، وروح الحياة التي يتنفّسَها شهيقاً وزفيراً هي هي روح الحياة التي كان الشريف الرضيّ وابن رشيق يتنفساها شهيقاً يتلوه الزفير.
لكن "قيمةً" عزيزة بقيت عالية في أعمال "الرافعي" الأدبية، تسري سريان الدم في العروق يتجدّد بنبض الحياة، وإنْ لم يكن هو نفسه، يريد لها مثل ذلك السّريان أو مثل هذا التجديد.
لم يكن "التوليد" المقصود إلا نوعاً من حكمة الأخذ بآراء السابقين، والنظر الدائم في تراثهم الفكري وآثارهم الأدبيّة والثقافيّة، فينشط الفكر وتتقد القريحة وتتناغم خلايا المزاج العصبي، فيتولّد عن المقروء والمحفوظ سرّ النبوغ من خميرة تحصيل تراث الأوائل الأقدمين.
هنالك يحصل للمبدع على التحقيق عملية الخلق والإيجاد بين تلافيف الذهن؛ بمزاج عصبي عقلي خاص، هو ما كان أطلق عليه "التوليد".
من اللازب اللازم علينا قبل الشروع في شرح هذه العمليّة العقليّة أن نبيّن: أكان "الرافعي" - وهو القائل بهذه الفكرة التنويريّة المُبدعة - من دعاة "التنوير" أم من دعاة "التضليل"؟!
ليس في إحياء التراث وتلمس قِيَمُه، والصبر على تنقيحه وتحليله، وضبط مفاهيمه، عيبٌ يُعاب، وإنما العيب حقاً هو نقل التراث برمته نقلاً غير مدروس، إلى العصر الذي نعيش فيه. فالذي يفعل ذلك يفكر بمنهج هابط يُمليه عليه المبدأ العام الذي توخّاه منذ البداية وحرص على تطبيقه، فلا يراعي واقعاً مفروضاً ولا يرعى حياة متجدّدة؛ فهو لا يريد أن يأخذ القيمة مجرّدة عن قشرتها الخارجية، بل يريد أن يبتلع القشور وفي جوفها اللباب، لكأنما ذلك المنهج الهابط لا يهيئه عقليّاً ولا ذهنيّاً بقدرة الفض والعزل والتنقيح بين لب ينفع وقشر كالزبد يذهب جُفاء.
فلئن كانت آدابنا القديمة في عصورها المختلفة معيناً لا ينضب، وأصلاً ذوقيّاً خالصاً لا ينبغي الانصراف عنه كل الانصراف؛ فلنأخذ منه "قيمة" ندرك بها أشعة الشمس الجديدة التي تشرق علينا؛ فنضيف الأولى إلى الثانية، والثانية إلى الأولى، وكلاهما إلى الثالثة؛ ليتولّد عن المزيج حياة جديدة لا تحرمنا من ظلها الوارف وهويتنا العصماء، ولا تحرمنا كذلك من التطورات المستجدة والسعي وراء أسباب التقدّم فيها.
ولقد كان الرافعي يرى، وهو في رأيه هذا جانبه التوفيق، أن المجدّدين يُقتّلون "الهُويَّة" تقتيلاً يجعلهم يحلّون عُرى الروابط الإسلاميّة الوثيقة؛ لتتفكك الأمة ويتناثر شملها تناثر الهشيم تزْرُه الرياح. هنالك تصبح لقمة سائغة تأكلها الأطماع، وفريسة سهلة تنهشها الأنفس الجائعة، وتتربّص بها يقيناً دوائر السوء.
ولأجل ذلك؛ لفظ كل غريب في رأيه ودخيل، وكل وارد مبتور، وكل جديد في نظره لا يعرف له سنداً من صحة، ولا أصلاً من صدق الدليل؛ فهاجم هجوم من ينظر إلى الآخريين بعين واحدة، ورأى في حركة التجديد تحديثاً يجلب العار والشّنار؛ فدافع عن الماضي وقبع فيه قبوع من يدفن أنفه راغماً في جوف التراب. عاش الرافعي على هامش التاريخ العقلي والفكري، وماتت أفكاره تحت سنان أقلام كانت عُرفَتْ معنى "التوليد" الحقيقي لا المزيف، كما عرفت معنى التجديد المطبوع لا المصنوع.
فلئن كان الرجل متديناً بالطبع والفطرة والتربية، وأخلاقيّاً صافي الروح، عالي الهمّة، حافظاً للأمانة، حاملاً لها في غير ضيق ولا ضجر ولا نصب، ولم تكن غايته في هذه الدنيا - وهي غاية الأحياء المُكرّمين جميعاً - سوى أن يرضى الله عنه في دأبه وعمله ومسعاه؛ فهو ولا ريب كان من أهل الاعتصام بحركة الفكر المنهجي الهابط الذي لا يتدارك واقعاً عاشه أو دنيا أصابها. وقد تقدّم أن هذه الحركة الهابطة بعيدة عن النزوع الفلسفي الصاعد.
دُلّني أنت على الحجة في هذا الكلام، أدلّك أنا على منهجها: أنازل هو أم صاعد؟ وبأيةِ طريقةٍ إدراكيةٍ كان يفكر صاحبها، كما يفكر الآن أنصاره من النسخ الآدميّة التي تكررّها لنا الدنيا ولا تنقطع عن التكرار؟!
يقول الرافعي، رحمه الله،:" ... إنّهم جبابرة هؤلاء الذين يأبون إلا أن يكونوا علماءنا وسادتنا؛ ليصرّفوا عقولنا ويغيروا عقائدنا ويصلحوا آدابنا ويدخلونا في مساخط الله ويهجموا بنا على محارمه ويركبونا معاصيه. إنْ هم في أنفسهم إلا عامة وجهلة وحمقى إذا وزنوا بعلماء الأمة وقيسوا إلى حكماء الدنيا، وما يكتبون للأمة في نصيحتها وتعليمها إلا ما يتحوّل من كلمات وجمل في الصحف والكتب إلى أن يصيروا في الواقع فُسَّاقاً وفجرة وملحدين وساخطين ومفسدين؛ فالمصيبة فيهم من ناحية العلم الناقص في وزن المصيبة فيهم من ناحية الخلق الفاسد، وهاتان معاً في وزن المصيبة الكبرى التي يجنون بها على الأمة لتهديمها فيما يعملون، وتجديدها فيما يزعمون (وحي القلم ج٣: من مقال: فيلسوف وفلاسفة).
هل تذكرت سالف قولنا إنّ رد الفعل عند أنصار القديم يتمثَل في "هجوم العاجز الضعيف"، وما كان العجز ها هنا عجزاً عن الفصاحة، ولا الضعف كذلك ضعفاً عن هجوم يلبس أثواب البيان، وإنّما العجز الذي قصدناه هو خلوّ الوفاض من أثر الفكرة فيك أنت كقارئ، وضعف صاحبها عن أن يُقدّم دليلاً ناهضاً على صحة قولٍ يصح قوله في هذا المقام.
وماذا عساه كان يملك ذلك الذي أعوزته الحجة وغادره البرهان إلا أن يهتف في الناس مُشعلاً فيهم حماسه الخطابي وفرقعته اللفظيّة بأن أعداءَه كانوا يرون أن لا قيمة في الماضي كلما استطالت به الأيام، وأنهم يخدعون الناس بكل جديد يرونه تقدّماً، وبكل غريب بدا لهم من أمره تطوراً، وأنهم ضد الدين والأخلاق والإسلام، وأنهم وصموا هذا كله بالتأخر والتخلف والرجعيّة والانغلاق؟!
كذلك كان "الرافعي" في ضجيجه البَرَّاق!
من سؤال النهضة إلى سؤال الهُويّة والتقدُم:
ما كان لنا اليوم أن نكتب ذلك أو مثله، ونحن على أعتاب قرن جديد لو لم يكن في حياتنا الثقافيّة والفكريّة ألف ألف "رافعي" جديد.
قد يُقال: ما علاقة هذا كله بالتنوير؟ وهل فلسفة التنوير تسمح بسرد هذه القضية (أعني الأصالة والمعاصرة) القديمة المتجدّدة، وهي التي حُفيت أقلام رواد الفكر العربي الكبار (الحديث والمعاصر) في علاج مسائلها منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والقرن العشرين كله، وحتى الآن، هل من ضرورةٍ للرجوع إليها اليوم؟!
وعندي أنه لم يكن الوعي كافياً في القديم لاستجلاء فكرة التقدّم في الوعي العربي بمعزل عن لغة الضيق والتحجير، ولا كان كافياً لاستخلاص ثمارها على مستوى الفكر والواقع، صحيح أن هنالك مفكرين كبار كتبوا كثيراً فيها، وأظهرهم عناية وبحثاً وخصوبة إنتاج هو أستاذنا الدكتور زكي نجيب محمود، (ت ١٩٩٣م) طيّب الله ثراه، ولا أعتقد أن أحداً من طلائع النهضة العربية أسهم بإنتاج وفير في هذه القضية مثل ما أسهم هو بغزارة إنتاجه.
ولكنه، رحمه الله، وغيره - ممّن كتبوا في قضية الأصالة والمعاصرة أو فكرة التقدّم - لم يجدوا وعي الناس كافياً ولا حاضراً، وإلا لما أصبح الحال بعد مرور هذه الفترة الزمنية الطويلة كما ترى اليوم: ذوبان الهويّة وضياعها، وفساد الأخلاق فساداً قل أن يعالج.
على أنّ الأدق فلسفيَّاً ألا تُقدَّم قضية الأصالة والمعاصرة بوصفها مسألة تراثية قديمة، بل بوصفها إشكالاً حديثاً نشأ مع صدمة الحداثة الغربية وتحوّل الوعي العربي من سؤال النهضة إلى سؤال الهويّة والتقدّم.
ومن هنا يمكن وصلها بفلسفة التنوير لا بوصفها قضيّة مكرّرة، بل بوصفها اختباراً لمقدار ما استقر في الوعي العربي من معنى التنوير ذاته.
لقد كثر الكلام عن الأصالة والمعاصرة، دون أن ينضج الوعي الذي يجعل منهما مركبين متكاملين في مشروع حضاري واحد. فالأصالة ليست عبادة الماضي، والمعاصرة ليست عبادة الحاضر. الأولى ليست مجرد حفظ الموروث، والثانية ليست مجرد اللحاق بالوافد. الأصالة، في معناها العميق، هي قدرة الثقافة على إنتاج ذاتها، من داخل ذاكرتها التاريخيّة؛ والمعاصرة هي قدرتها على الحضور في زمنها حضوراً نقديّاً فاعلاً.
وعند هذه النقطة تحديداً تلتقي قضية الأصالة والمعاصرة بفلسفة التنوير؛ فالتنوير، في جوهره، ليس مجرد انتقال من القديم إلى الجديد، ولم يكن انتصاراً زمنياً للحاضر على الماضي، بل هو تحرير العقل من عجزه عن استعمال نفسه؛ فإن السؤال الحقيقي - من ثمّ - ليس: أيهما نختار، الأصالة أم المعاصرة؟
وإنما أي عقل يستطيع أن يكون أصيلاً ومعاصراً في آن؟ كما كان عابد الجابري يقول، ذلك أن العقل الذي يستوجب فقد أصالته يستورد معاصرةً لا يصنعها.
والعقل الذي يرفض المعاصرة، يحفظ أصالةً لا يستطيع إنزالها من الذاكرة إلى التاريخ. ولذلك، فإنّ العودة اليوم إلى قضية الأصالة والمعاصرة ليست عودةً إلى قضية قديمة، بل عودة إلى سؤال لم يُحسم أصلاً. بل لعل الأخطر من هذا هو أن الزمن قد كشف أن كثيراً ممّا ظُنَّ أنه معاصرة لم يكن إلا ذوباناً في الوارد، وأن كثيراً ممّا ظُنَّ أنه أصالة لم يكن إلا انكماشاً في التراث القديم.
من ذلك ترى؛ أنّ القضية قد انتقلت من سؤال كيف نلحق بالعصر؟ إلى سؤال آخر أكثر عمقاً: كيف نصنع إنساناً يستطيع أن يدخل العصر دون أن يخرج من نفسه ويفقد هويته؟ وهذا، في تقديري، هو الموضع
الذي تستعيد فيه قضية الأصالة والمعاصرة
ضرورتها التنويريّة؛ لا باعتبارها معركةً بين ماضٍ وحاضر، بل باعتبارها امتحاناً لقدرة العقل العربي
على أن يسترد فاعليته التاريخيّة؛ فيحوّل التراث من أعباء الماضي إلى طاقات مولدة متجددة، كما يُحوّل المُعاصرة من تقليد وافد إلى فعل نقدي خلاق.
مرة ثانية، لم يبلغ الفكر العربي المعاصر بصدد هذه القضية الكبرى مبلغه من الوعي الكافي الذي يجعل من الأصالة مصدراً للتجدّد، ومن المعاصرة مجالاً لإنتاج الذات لا مجالاً لإلغائها، فلا يكون - من ثمّ - استئناف السؤال تكراراً للماضي، بل تصحيحاً لمساره؛ إذ لم تعد القضية اليوم أن نختار بين الأصالة والمعاصرة، وإنما أن نعيد على هدى من اليقظة العقليّة بناء الشروط الفكريّة التي تجعل الجمع بينهما ممكناً، والتقدّم بهما معاً مشروعاً تاريخيّا يخدم فلسفة التنوير بمقدار ما يخدم إصلاح الواقع بشتى أقسامه وأطيافه.
- توظيف المنهج الهابط في التفكير:
ونعود إلى الرافعي لنراه يقول مُتابعاً حديثه السالف أو قُل هجومه على المُجددّين الفاعلين: " ... لم أنخدع قط في هؤلاء من فلاسفة أو دكاترة أو جبابرة، (وللقارئ أن يتأمل كلمة "جبابرة"، ليجد أنها الكلمة التي كان أطلقها "سعد زغلول" لقباً على "العقاد")، ولستُ أضع أمرهم إلا على حقه، فإني لا أعرف أن الهرَّ من قبيلة الأسد، ولكن أسديته على الفأرية وحدها ... ولعَلّما عاقبة الجهل خيرٌ للأمة من عواقب علمهم وتخبّطهم وحماقاتهم ...".
ولقد كان يرى في أعدائه ما كانوا هم يرونه فيه، هو إلى الماضي ينتسب، وهم في رأيه مارقون، مضللون، مفتونون، منصاعون للأوامر كأنهم إمّعات لا رأي لهم ولا هُوِيَّة عندهم إلا من قبيل التقليد والاتباع: " ... فإنّهم قوم مُقلّدون، ولهم طباع معتلة زائغة، وعقول لا مساك لها من دين أو ضمير، فما يجنحون إلا إلى بدعة سيئة أو آفة محذورة أو فكرة مُتّهمة، ولا يعملون إلا ما يُشبه الظن بهم".
وشأن المنهج الهابط في التفكير والإدراك (وليس معنى الهبوط هنا هو النقص والشين والمعرّة، وإنما هو طريق إدراك وكفى) أن يتغلغل في أعماق الذات ويستوطنها، فلا تقبل نقداً ولا تسيغ اعتراضاً، فإنّ هوجمت صار هذا الهجوم هجوماً شخصيّاً لا هجوم فكرة قيلت من شخص يفكر فيعرض فكرته وكفى. وسرعان ما ينقلب في التصور إلى هجوم على المبدأ العام.
فالرافعي يظن بالمجدّدين الحذلقة الفارغة والادعاء الكاذب لفضائل العلم والأدب والفلسفة، ويرميهم بالبهتان وبالمروق عن الدين، المبدأ العام والفكرة الكليّة الهابطة من أعلى، فماذا عساه يفعل؟
كان طبيعياً أن يُوجّه إليهم سهامه النقديّة، فيهجم عليهم لا بنفس الأداة العقليّة والحجة المنطقيّة، ولكن بالمبدأ العام وبالفكرة الكليّة يكون النقد والهجوم لا لشيء إلا ليثير سخط الساخطين وهلوسة المهلوسين؛ لكأنما الدين يمنع العقل عن بحثه المطلوب، ويلغي دور العلم في حركة الحياة، ويركل التطور في كل كيان، وهو ولا ريب فهم خاطئ يتبنّاه إلى يوم الناس هذا رهط غفير من القابعين الهابطين. يديرون على هواهم مجرى الحياة ليحوّلوه من الصّحة إلى الاعوجاج، ويعيشون في رتابة مُنفرّة تفسد الذوق وتفسد الطبع والأخلاق. كل تجديد عندهم مروق، وكل استنارة في عرفهم جهالة، وكل تطور وتحديث يقابلونه باللوم والتنكيس.
ولطالما قرأنا وسمعنا ورأينا أنّ المعرفة النشطة الحيّة الفاعلة لديهم بمثابة الزندقة والعماية، وأن الأخلاق الكريمة سفاهة وضلالة، وأن العقيدة الصحيحة خزعبلات نكراء وترّهات حمقاء، وأن جهود العقل المستنير هي عندهم قبح زائف وشر مستطير، وأنّ كل حرب بين القديم والجديد إنما هي حرب بين الدين والدنيا أو بين الأخلاق الفاضلة والأخلاق المنحلة، أو بين العقل الناضج الأصيل والعقل الفاسد الدخيل، - أو كما يقول الرافعي -:" حربٌ منّا كحرب الاستقلال، ثم حرب منهم كحرب الاستعمار ... فالذي بيننا وبينهم ليس القديم والجديد، ولا التّأخر والتقدّم، ولا الجمود والتحوّل، ولكن أخلاقنا وتجرُّدهم منها، وديننا وإلحادهم فيه، وكمالنا ونقصهم، وتوثقنا وانحلالهم، واعتصامنا بما يمكننا، وتراخيهم تراخي الحبل لا يجد ما يشدُّه" (راجع: وحي القلم).
ذلك هو جانب "التضليل" في دفاع الرافعي عن الماضي القديم دفاعاً ينسبه تارة إلى الأخلاق، وتارة إلى الدين والإسلام، فيشرع في الهجوم على أولئك الذين قلدوا الغرب وجدّدوا الدنيا من غير روح كما يزعم عربية، ولا خصائص مستمدة من "القرآن والبلاغة النبويّة".
وفي الحق إنّ الإسلام لا يحتاج من أحدٍ إلى دفاع:"إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون". فالذي حفظ ذكره النازل يحفظ من امتثل لأمره واهتدى بهديه وآمن باليقين بحفظ الله الذي لا يضر مع ذكره شيء. ثم إنّ الأطراف المتصارعة التي تتعارك باسمه وتجعل من الدين موضع عراكها، ومن الإسلام محل نزاعها قد عبّر عنها التنزيل الحكيم في قوله تعالى:"قل كلّ يعمل على شاكلته، فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلاً".
ثم إنه أيهما أقبح وأخس وأحقر في نظرك: رجل يأكل الدنيا بدينه أم رجل يأكلها بدنياه؟
لا شك عندنا أن الذي يأكل الدنيا بدينه هو أقبح في الواقع وأخس وأحقر بمقياس الدين، ومقياس الشرع ومقياس الضمير؛ فالرجل الذي يأكل الدنيا بدينه، يأكل الدنيا ويأكل الدين: دنياه أقبح من دينه، ودينه قبيح في نظر نفسه وفي نظر غيره، ولو فطن إلى صلاح دينه لأصلح من دنياه ما كان أعوج منها، وفسد من فضائلها، لكنه لم يرتض الدين الصالح، ولا الدنيا الفاضلة. الذي يأكل الدنيا بالدين يعيش بخلاق الحيوان - إنْ كان للحيوان خِلاق - ولا تؤهله دنياه أن يكون ذا فضل يُذكر بين الفاضلين.
ولك أن ننظر إلى حال بلادنا، وقد ساد فيها "الهابطون" من أكلة الدنيا بالدين: يقولون ما لا يفعلون، ويشترون بٱيات الله ثمناً قليلاً هو أبخس ممّا يتصوّر الرجل الحقير، وأخس ممّا تندفع به أهواء الطمَعة من بلدة الحسّ وبلدة الضمير. ليس الفضل أن تتحَرى القول، فتصيب منه ما تشاء، ولكن الفضل أن تتحرى العمل، ويكون عملك دليلاً على فضلك وقولك حين تنطق الأعمال بعلامات الفضل الفاضل عند الرجال.
(وللحديث بقيّة)
***
بقلم د. مجدي إبراهيم








