عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حاتم حميد محسن: ميتافيزيقا الجوهر من ارسطو الى سبينوزا؟

لماذا الأهمية الكبيرة لمصطلح الجوهر substance؟ وكيف استخدمه الفلاسفة في فلسفتهم الخاصة. ان مفهوم ارسطو للجوهر يعرّف الواقع باعتباره مركبا من مادة أساسية (hyle) وصورة محقّقة للوجود (morphe). في نطاق الميتافيزيقا، يشغل مصطلح "الجوهر" حيزا بالغ الأهمية. انه مصطلح عُرف دائما بين جميع الفلاسفة الذين خاضوا في الميتافيزيقا لأن العديد منهم استخدموا المصطلح لتعريف الوجود وليقرروا الطبيعة الأساسية للواقع. ارسطو كان اول من وضع صياغة لمفهوم الجوهر (ousia) في نظام ميتافيزيقي شامل عالي التطور. وبالتالي، أصبحت ميتافيزيقا ارسطو بالغة الشهرة والتأثير.

كان ارسطو اول من استخدم مفردة "الجوهر". تماما مثل أسلافه، هو كان يحاول تحديد وتعريف الوجود النهائي، او اول شيء وُجد في الكون، الكينونة التي كانت سببا لوجود كل شيء آخر، وهي الطبيعة الأساسية النهائية للواقع. معظم أسلافه عرّفوا الكينونة (Being) كواحد من أربعة عناصر، طاليس مثلا قال ان الكينونة هي الماء لأنه يمكن تحديد موقعه في جميع الكائنات الحية والوجودات الاخرى. اناكسامينس قال ان الكينونة هي الهواء، بينما هيرقليطس عرّفها كنار. ارسطو، من جهة أخرى،عرّف الواقع الاولي كجوهر (ousia). رافضا المادية الصارمة لأسلافه، هو طور اطارا او نظرية للمادة والصورة hylomorphism مجادلا ان الجوهر هو مركب من مادة وصورة.

لا يمكن للمادة ان توجد بدون صورة معينة، لذلك، فان المادة والصورة يسيران مجتمعان. ولهذا، كانت المادة اول شيء يأتي الى الوجود ولكن بصفتها احتمالا فقط لأنه لا يتحقق الشيء فعليا الاّ عندما يكتسب شكلا معينا. فمثلا، قطعة من الفخار لا يمكنها ان توجد حقا بدون اكتسابها لشكل معين، أي، حتى تتشكل في منحوتة او أي شكل آخر. لذا، فان الشكل هو جزء أساسي في المادة، وهو شيء مكمل لمصطلح الجوهر ذاته.

المفكر الآخر الذي فحص مفردة الجوهر كان القس توما الاكويني اثناء فترة القرون الوسطى. ارسطو كان له التأثير الأكبر على مفكري القرون الوسطى، ولكن خصيصا على المفكرين المدرسيين مثل توما الاكويني. تبنّى الاكويني تعريف ارسطو للجوهر لكنه أعطاه بُعدا ثيولوجيا متميزا. في كتابه الشهير (خلاصة لاهوتية)، عرّف الاكويني الجوهر: الذي يوجد في ذاته لا في غيره. لذا، وكما في ارسطو، رأى الاكويني الجوهر ككيان قائم بذاته، شيء مستقل كليا.لكن الاكويني بنى على هذا من خلال استخدامه ميتافيزيقا مسيحية. هو أقام فرقا بين وجود الجوهر وماهيته. هو قال ان كل شيء خُلق في الكون هو جوهر بذاته. وهكذا، كل جوهر مخلوق له ماهية ويستلم وجودا من الله. الجوهر المختلف الوحيد هو جوهر الله لأن جوهره وحده هو ماهيته ووجوده مجتمعين. لذا، حسب فلسفة الاكويني، ان الله يقيم في قمة تراتبية الجوهر. الجوهر أيضا لعب دورا كبيرا في رؤيته للروح الإنسانية. هو قال ان الروح هي جوهر بذاته، وعلى هذا الأساس، توجد حتى بعد وفاة الجسد. لذلك، طبقا للاكويني، الروح هي أيضا جوهر بذاته، مع انها جوهر غير كامل بدون جسد، هي تحفظ روح العقيدة المسيحية. هذه الرؤية سمحت للاكويني ليطور اكثر رؤاه حول الحياة الأخرى، القيامة، والخلود الشخصي. الجوهر لعب دورا حاسما ليس فقط في ميتافيزيقا الاكويني ووجهة النظر المسيحية، لكن أيضا في فلسفته العامة.

ديكارت

استمر التفكير في الجوهر الى عصر الحداثة المبكر. ديكارت كان اول فيلسوف يدمج المصطلح في فلسفته العقلانية. مثل ارسطو، ديكارت كان في مهمة تحديد وتعريف المبدأ الأساسي للعالم، ووجد ان الجوهر هو الكيان الموجود في كل مكان. هو عرّف الجوهر بالطريقة التالية: "من خلال الجوهر لا نفهم أي شيء آخر الاّ شيئا يوجد بطريقة لا يعتمد فيها على وجوده على أي شيء آخر".

لذا، ديكارت، كما ارسطو والاكويني، عرّف الجوهر بطريقة مشابهة. مع ذلك، هو أوضح بانه لا يوجد هناك فقط جوهر واحد، وانما اثنين. طبقا له، هناك وجودان حاسمان يكملان كل كائن حي في العالم. أولا، هناك جوهر مادي جسماني يمثل المادة. لكن بالإضافة الى الجوهر المادي هناك أيضا جوهر ذهني او روحاني. لذا، فان ديكارت تبنّى رؤية ثنائية في فلسفته.

هذان الجوهران منفصلان بشكل متميز ومختلفان كليا. اول جوهر، الجسم، يشغل حيزا وله امتداد مكاني. هذا يفسر لماذا يشير ديكارت له بجوهر ممتد. كذلك، جوهر الجسم قابل للقسمة والقياس لكنه في نفس الوقت يفتقر الى الوعي والقصدية. من جهة أخرى، جوهر الذهن ليس له بعد مكاني ويُعرّف بالتفكير والوعي والرغبة والشك. وعليه، انه غير مادي ولا ينقسم وانما واع في ذاته. لهذا يشير ديكارت له بجوهر مفكر.

بينما نحن هنا، من المهم فحص كيف وصل ديكارت لمعرفة الجوهر الروحاني او الذهني. هو كتب حول هذا في القسم الأول من كتابه تأملات في الفلسفة الأولى. ديكارت عرض رسالته الرئيسية في الكتاب، وهي ان يجد معرفة مؤكدة تماما ، معرفة لا يمكن الشك فيها تحت أي ظرف، ومعرفة يمكن ان تفيد كأساس متين ترتكز عليه بقية المعرفة. هو أوضح ان الطريقة الوحيدة للقيام بذلك هو الشك في كل شيء. لذا، هو حاول ابعاد نفسه من كل المعرفة التي عرفها حتى الان ورفض كل الافتراضات التي تتسرب من خلال المجتمع. ان كل ما يصمد امام شكه الجذري سيشكل المعرفة التأسيسية لكل العلوم.

بدأ ديكارت بالشك بأحاسيسه وأحاسيسنا. هو قال كان من الواضح ان حواسنا يمكن ان تخدعنا لأن الخداع البصري عادة يبدو حقيقيا. لذا، هو استنتج انها ليست اساسا موثوقا، ديكارت تأمّل ظاهرة الاحلام. هو قال عندما نحلم في المنام نحن عادة لا نعرف اننا نحلم، وهو ما يفسر ان بعض الاحلام تبدو نابضة بالحياة لدرجة تبدو كأنها واقع حقيقي. هذا هو سبب ان كل شيء نراه او نشعر به ربما يكون حلما وحتى أجسامنا. أخيرا، الحجة الثالثة التي جاء بها كانت حول شيطان شرير. هو قال انه حتى لو كل شيء كان زيفا وحتى لو كان هناك شيطان شرير حول كل الأشياء، يبقى هناك شيئا واحد مؤكدا تماما: انه كان يفكر. لذلك هو استنتج ان "انا افكر اذن انا موجود".

باروخ سبينوزا

لم يتوقف نوع الجوهر مع فلسفة ديكارت. استخدام المصطلح استمر طوال الفلسفة العقلانية مع فلسفة باروخ سبينوزا. ان فكرة سبينوزا الميتافيزيقية الرئيسية هي ان هناك فقط جوهرا واحدا وان هذا الجوهر يمكن التفكير فيه بطريقتين أساسيتين. انه وعي، وله امتداد، او كما يقول ديكارت هناك شيء مفكر وشيء ممتد. لذا، هو قال ان عالما واحدا موجودا (العالم الذي نحن نألفه ونحن جزء منه) له خاصيتين أساسيتين: التفكير والامتداد. سبينوزا تبنّى استخدام الجوهر في فلسفته، وأيضا دمج رؤية ديكارت في التفكير والامتداد. ولكن على عكس ديكارت الذي فرّق بشكل واضح بين هذين العنصرين وحدّدهما كجوهرين منفصلين، سبينوزا وحّدهما في جوهر واحد، قائلا انهما صفتان خالصتان لجوهر واحد.

كذلك، أوضح سبينوزا ان ما يوجد موضوعيا له هذين الصفتين، ويمكن الإشارة للواقع بطريقتين اعتمادا على ما اذا كنا نفهمهما تحت صفة التفكير ام تحت صفة الامتداد. عندما نفكر بالعالم كامتداد، نحن عادة نسميه "طبيعة"، وعندما نفكر به كوعي نحن نسميه "الله". "الله" و "الطبيعة" كلمتان يشيران لجوهر منفرد يمتلك الخاصيتين الذهنية والمادية. وهكذا، رغم ان سبينوزا تأثّر بديكارت، لكنه انفصل عن التفكير الديكارتي في انه لم يفترض وجود جوهرين: واحد للتفكير واخر للتمدد وانما افترض وحدة الاثنين معا.

استنتاج

من هذا العرض الموجز، نستطيع الاستنتاج ان صنف الجوهر يشغل مكانا مركزيا في تاريخ الفلسفة، وان أهميته تمتد لقرون. مع ذلك، رغم ان العديد من المفكرين دمجوا الجوهر في فلسفتهم لتوضيح وجهة نظرهم، لكن كل واحد منهم منحه معناه الخاص، وسياقه وبُعده. كل مفكر يستعمل مصطلح "جوهر" ليس فقط لتعريف الواقع وانما أيضا لإعادة تعريف مكان الكائن البشري في العالم. ارسطو استخدم المصطلح بطريقة قادته في النهاية الى الاستنتاج بان الكائن البشري هو حيوان عقلاني. الأكويني اعتقد بالكائن البشري كروح تبحث عن الخلاص. ديكارت عرّف الكائن البشري كذهن مفكر، بينما سبينوزا صنّفه كنمط ذو طبيعة لانهائية . اذن، صنف الجوهر لايتصل فقط بنطاق الميتافيزيقا، وانما يمتد أيضا الى الانثروبولوجي وحتى الاخلاق. هذا يفسر لماذا تعليم التاريخ الثري للجوهر هو جزء ضروري لدراسة الفلسفة.

***

حاتم حميد محسن

 

في المثقف اليوم