عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عذراء محمد صبحي: شعرية المفارقة وتحولات الذات

في ديوان "قبل أن تُفلتني اليمامة" للشاعر هزبر محمود

تُعد المفارقة تقنية أسلوبية ولعبة لغوية تقوم على خلق تضاد بين ظاهر النص والمعنى الخفي المراد توصيله؛ إذ يُعبر الأديب عن شيء دون الإفصاح عنه مباشرة، مما يُحفز القارئ على تجاوز المعنى الحرفي واكتشاف الحقيقة المتوارية خلف السطور(1)، وقد تأثر النقد العربي الحديث بالدراسات الغربية في تناوله لمفهوم المفارقة الأدبية، وتعددت الرؤى حولها؛ إذ يُعرفها البعض بكونها علاقات ذهنية بين الألفاظ أو نشاطاً عقلياً معقداً، بينما يراها آخرون تضاداً بين المنطوق والمعنى غير المباشر، أو انحرافاً لغوياً يمنح القارئ مساحة واسعة للتأويل. وتقوم المفارقة على التناقض بين البنية السائدة للنص ورؤية المبدع الخاصة الناتجة عن خبرته الحياتية، مما يساعد على كشف الحقائق المتوارية خلف ظاهر النص ويعكس براعة الكاتب الفنية ومراوغته الأسلوبية(2).

وفي ديوان "قبل أن تُفلتني اليمامة" للشاعر العراقي هزبر محمود، وهو آخر الدواوين الصادرة للشاعر عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق- 2024، تنهض التجربة الشعرية على وعي واضح بأن المعنى لا يستقر في جهة واحدة، وأن التجربة الإنسانية، ولا سيما تجربة الحب، لا يمكن اختزالها في ثنائيات مستقرة من قبيل القوة والضعف، والحضور والغياب، والفرح والحزن، والانتصار والهزيمة؛ لذلك يلجأ الشاعر إلى بناء عالمه الشعري من خلال المفارقة، بوصفها آلية تتجاوز حدود الزخرفة البلاغية لتصبح طريقة في النظر إلى الذات والعالم، فالمعنى في القصيدة يتولد من اصطدام دلالتين متباعدتين، أو من انقلاب وضع كان يبدو ثابتًا إلى نقيضه.

وتتخذ المفارقة في هذا الديوان أشكالًا متعددة؛ فهي مرةً تنشأ من التناقض بين ظاهر الحالة وباطنها، ومرةً من انقلاب الأدوار بين العاشق والمعشوق، أو الصائد والفريسة، ومرةً من الجمع بين المتناقضات داخل الرؤية نفسها، كما تتجاوز المفارقة تجربة الحب لتصل إلى علاقة الشاعر بالقصيدة، وإلى طريقة استدعائه للتراث والفنون، وبهذا تغدو المفارقة تقنية منظمة للتجربة الشعرية وتندرج معها بقية مكونات التجربة، وأبرز ما تكشفه هذه المفارقة هو أن الذات الشاعرة لا تظهر في صورة ثابتة؛ فهي ذات قوية ومهزومة، واثقة وقلقة، عاشقة ومتمردة، مالكة ومملوكة في الوقت نفسه، وكلما دخلت الذات في علاقة مع الآخر، أعادت اكتشاف صورتها من خلال نقيضها، ولذلك يسعى هذا المقال إلى كشف تجليات المفارقة في الديوان، وبيان الكيفية التي أسهمت في بناء تشكيل الرؤية الشعرية وبناء المعنى، ويمكن قراءة هذا الديوان  من خلال جدلية أساسية قوامها المفارقة وتحولات الذات.

أولًا: المفارقة كأداة لتشكيل الذات:

تتشكل الذات الشعرية في هذا الديوان من خلال المواجهة والاختبار، لذلك فإن المفارقة تؤدي وظيفة أساسية في إنتاج صورتها؛ إذ يكشف الشاعر عن ذاته عبر الجمع بين حالتين تبدوان متعارضتين، أو عبر منح الهزيمة معنى لا يساوي الانكسار، ومنح النصر معنى يتجاوز الغلبة المباشرة، ويتجلى ذلك بوضوح في قصيدة "هزيمة"، يقول:

"جاء

مهزوماً بلا منقصةٍ

كهزبرٍ هاربٍ من غَزَلِ"(3)

تكمن المفارقة هنا في الجمع بين لفظة «مهزوم» وعبارة «بلا منقصة». فالهزيمة، في منطقها المعتاد، تعني فقدان القوة أو نقصان المكانة، لكن الشاعر يفصل بين الهزيمة والمنقصة، ليجعل الذات مهزومة دون أن تكون ناقصة، والأكثر دلالة أن هذه الذات تُشَبَّه بـ«هزبر»؛ أي الأسد، بما يحمله الرمز من قوة وهيبة وشراسة، لكنه يظهر في اللحظة نفسها «هاربًا من غزل»، وبذلك تتجاور صورة القوة مع صورة الهرب، فينشأ التوتر المفارق، واللافت للنظر الطريقة التي يعيد بها الشاعر تعريف الذات العاشقة. فالهزيمة هنا ليست سقوطًا، وإنما نتيجة طبيعية لدخول ذات قوية إلى فضاء الحب؛ ولذلك لا تتخلى الأنا عن قوتها، بل تكتشف أن هناك قوة أخرى لا تُقاوَم بالأدوات التي اعتادت استعمالها. إن «الهزبر» لا ينهزم لأنه فقد صفته الأسدية، بل لأنه دخل مجالًا مختلفًا عن مجال الصراع المعتاد، وهكذا يصبح الحب قوةً تعيد ترتيب مقاييس القوة ذاتها.

وتتأكد هذه الآلية في قصيدة "نصر"، حيث يقول:

"ولم

أجهَلْ فنونَ الرَّمْيِ لكنْ

وجدتُ النصرَ أبلغَ بالتَّصدّي"(4)

هنا تنتقل المفارقة من معنى الهزيمة إلى معنى النصر. فالذات تعلن امتلاكها «فنون الرمي»، لكنها تختار «التصدي» وترى فيه نصرًا أبلغ، والمفارقة أن الانتصار لا يتحقق بفعل الهجوم، وإنما بفعل الامتناع عنه،

وبذلك تتحول المفارقة إلى وسيلة لإعادة تعريف الذات؛ ففي «هزيمة» لا تعني الهزيمة نقصانًا، وفي «نصر» لا يعني النصر هجومًا. وبين الحالتين تتشكل ذات تمتلك القوة لكنها لا تجعل القوة معيار وجودها الوحيد، بل بمنطق أكثر تعقيدًا تتداخل فيه الرغبة والكبرياء والانكشاف.

ومن هنا تتجلى الوظيفة الثانية للمفارقة فهي إلى جانب وظيفتها الجمالية، فهي تؤدي وظيفة معرفية؛ فهي تكشف للذات حقيقتها من خلال نقيضها، فالشاعر لا يقول لنا مباشرة: «أنا قوي رغم الحب» أو «أنا قادر على الانتصار»، وإنما يجعل النص نفسه يختبر هذه الحقيقة عبر مفارقتي «الهزيمة بلا منقصة» و«النصر بالتصدّي». وبذلك تصبح المفارقة طريقة في بناء الأنا الشعرية وإعادة تعريفها.Screenshot

ثانيًا: المفارقة وآلية انقلاب الأدوار

تتخذ المفارقة شكلًا أكثر عمقًا حين تتصل بانقلاب الأدوار بين الشاعر والآخر؛ إذ لا تبقى المواقع التي تبدأ منها الشخصيات ثابتة، بل سرعان ما تنقلب: القوي يصبح ضعيفًا، والصياد يصبح فريسة، والعاشق الذي يبدو مالكًا لأدواته العاطفية يجد نفسه واقعًا تحت سلطة من يحب. ويمنح هذا الانقلاب النصوص طاقة حركية، لأن الذات لا تعرف موقعها النهائي إلا بعد أن تدخل في علاقة مع الآخر.

ومن أبرز النماذج التي تكشف هذا الانقلاب قصيدة "قبل أن تفلتني اليمامة"، إذ يبدأ الشاعر بتقديم نفسه في صورة كائن مكتمل القوة والسيطرة:

"لي سَمائي وجَناحايَ ولي

فِطْرةُ الصَّيدِ وأَسبابُ الزَّعامَةْ"(5)

تتأسس صورة الأنا هنا على امتلاك السماء والجناحين وفطرة الصيد وأسباب الزعامة؛ وهي مفردات تنتمي إلى حقل القوة والعلو والسيطرة. فالذات لا تدخل العالم بوصفها فريسة، وإنما بوصفها صيادًا يمتلك أدواته الطبيعية ويثق بقدرته على إخضاع الآخرين. ويزداد هذا الإحساس بالقوة حين يقول:

"وأَنا السَّهمُ السَّماوِيُّ، فَمَا

سُرْعَةُ الرِّيمِ ومــــا حَجْمُ النَّعامَةْ؟"(6)

إن تشبيه الذات بالسهم السماوي يرفعها إلى مستوى السرعة والقوة والحسم، بينما تأتي الغزالة والنعامة في موقع المقارنة التي تبدو عاجزة عن مجاراتها، غير أن هذا البناء كله ينقلب عندما يقول:

"كُلُّ هذا لم أَعُدْ أَذْكُرُهُ

بَعْدَ أَنْ أَصْبَحْتُ صَيْداً ليَمامَةْ"(7)

وهنا تبلغ المفارقة ذروتها؛ فالصياد يصبح صيدًا، وصاحب السماء والجناحين يقع أسير كائن يبدو في التصور التقليدي أقل قوة منه، والأهم أن الفاعل في هذا الانقلاب ليس صقرًا ولا نسرًا ولا مفترسًا، بل «يمامة»، وهي صورة ترتبط عادة بالوداعة والسلام والرقة، ولذلك فإن المفارقة لا تقوم على مجرد تبادل المواقع، وإنما على إعادة توزيع القوة بطريقة غير متوقعة، فــ«اليمامة» هنا تتجاوز كونها كائنًا طبيعيًا لتصبح صورة للقوة العاطفية التي لا تحتاج إلى أدوات الصيد كي تحقق غلبتها، فالشاعر الذي كان يملك «فطرة الصيد» يجد أن أدواته كلها عديمة الجدوى أمام تجربة الحب، وبذلك يتحول الحب إلى قوة قادرة على إعادة ترتيب العالم الرمزي الذي أقامته الذات حول نفسها.

ويتخذ انقلاب الأدوار صورة أكثر هدوءًا في قصيدة "تُرى هل سَلَتْكُ"، حيث تتدرج علاقة الذات بالمرأة من محاولة الإمساك بالحياة إلى الذوبان فيها:

"عليها تعلَّمتَ رَكْضَ الحياةِ

ليبدأَ رَكْضُكَ من حبِّها

فعلَّمتَها المشيَ -مشيَ الملوكِ-

وها قد تلاشيتَ في خطوِها"(8)

تبدأ العلاقة هنا من موقع يبدو فيه الشاعر صاحب تأثير؛ فهو الذي علّمها «المشي»، بل «مشي الملوك»، أي أنه يمنح الآخر من خبرته وقوته ورمزيته. لكن النهاية تنقلب بصورة حادة: «تلاشيتَ في خطوها»، فالذي كان يعلّم يصبح متلاشيًا، والذي كان فاعلًا في تشكيل الآخر يصبح هو نفسه مشكّلًا به.

وتكشف عبارة «تلاشيتَ في خطوها» عن مفارقة تتجاوز معنى الخضوع العاطفي؛ فالذات لا تفقد وجودها بسبب الهزيمة، بل تفقد حدودها الفردية أمام حضور الآخر، أي إنها لا تقول: «غلبتني»، وإنما «تلاشيتُ في خطوها»، وكأن الحب لا يمحو الذات بقدر ما يعيد صياغة حدودها، وهنا يتحول الآخر من موضوع للحب إلى قوة تدخل في تكوين الأنا نفسها.

ومن خلال النصين يتضح أن الشاعر يستثمر انقلاب الأدوار بوصفه استراتيجية لكشف هشاشة القوة. فالذات التي تقدم نفسها صيادًا وسهمًا سماويًا تنتهي صيدًا ليمامة، والذات التي تبدأ معلمةً للآخر تنتهي متلاشية في خطاه. وبهذا يصبح الانقلاب وسيلة لتعرية التصور التقليدي للبطولة والسيطرة، وإحلال تجربة عاطفية أكثر تركيبًا مكانه.

إن المفارقة في هذه الحالة لا تقول إن القوي أصبح ضعيفًا فحسب، وإنما تقول إن القوة نفسها تتغير عندما تدخل مجال الحب؛ فما كان قوة في عالم الصيد لا يبقى قوة في عالم العشق، وما كان امتلاكًا للآخر قد يتحول إلى ذوبان فيه. ومن هنا يتخذ انقلاب الأدوار بعدًا دلاليًا يتجاوز الغزل، ليصبح وسيلة لفهم الذات وهي تواجه حدودها.

ثالثًا: الحب بوصفه اختبارًا للذات وتحولاتها

إذا كانت المفارقة تكشف هشاشة القوة وتقلب مواقع الذات والآخر، فإن الحب في هذه التجربة يمثل المجال الأوسع الذي تتكشف فيه هذه التحولات. فالعاشق لا يدخل الحب وهو يحمل صورة مستقرة عن نفسه، وإنما يعيد اكتشاف ذاته من خلال ما يفرضه الحب من فقد وانتظار وغيرة وثقة وخوف. لذلك لا يظهر الحب بوصفه حالة وجدانية ساكنة، بل بوصفه تجربة اختبار تكشف ما تخفيه الذات عن نفسها.

وتتجلى هذه الفكرة في قصيدة "خبرة"، التي تقوم منذ عنوانها على مفارقة بين التجربة والألم، يقول فيها:

"لم تدرِ

أني عندما فارقتُها

يومينِ، قد فارقتُ عُمْري كلَّهْ"(9)

يُقيم الشاعر هنا علاقة غير متناسبة بين زمن الفراق وزمن الحياة؛ فـ«يومان» من الناحية الزمنية مدة قصيرة، لكنهما يتحولان نفسيًا إلى «العمر كله». والمفارقة لا تكمن في المبالغة العاطفية وحدها، وإنما في تحويل الزمن من مقدار خارجي إلى تجربة داخلية؛ فالعمر لا يُقاس بعدد الأيام، وإنما بما تتركه التجربة في الذات. ثم تأتي عبارة:

"لكنَّ

فرقي أنني ذو خبرةٍ،

رغمَ اللهيبِ بدتْ أُموري سهلةْ"(10)

لتضيف طبقة أخرى من المفارقة. فـ«اللهيب» يوحي بالاحتراق والألم، بينما «سهولة الأمور» توحي بالتماسك والسيطرة. ويبدو الشاعر، من الخارج، أكثر خبرة وقدرة على التعامل مع الألم، لكن هذا التماسك لا يلغي عمق التجربة السابقة. ومن هنا تصبح «الخبرة» نفسها نتيجة للمعاناة؛ فالذات لا تصل إلى القوة إلا بعد أن تمر بالاحتراق. وهذا يكشف أن الحب يؤدي وظيفة معرفية في التجربة الشعرية؛ فهو يختبر قدرة الذات على تحمل الفقد، ويجعلها أكثر وعيًا بحدودها. فالخبرة ليست معرفة نظرية، وإنما معرفة تُكتسب من الألم، ولذلك ترتبط في النص ارتباطًا مباشرًا بـ"اللهيب".

وفي قصيدة "حبيبتي"، يقول الشاعر:

"هذي التي تتصيدون زمانكم في مقلتيها

هذي التي تتساءلون عن الذي سكب الوثوق براحتيها

هذي التي ما خفتُ من غزلٍ عليها

ما خفتُ من عطرٍ عليها

ما خفتُ من بلدٍ عليها

ما خفتُ من رجلٍ عليها"(11)

تقوم المفارقة في هذا المقطع على وجود جماعة من المنافسين تحيط بالمحبوبة، في مقابل ذات عاشقة لا تظهر عليها الغيرة أو الخوف، فالأفعال التي تتكرر في النص: «تتصيدون»، «تتساءلون»، «تتقربوا»، و«تشهروا أسماءكم» تؤسس فضاءً مزدحمًا بالراغبين في الوصول إلى المحبوبة، بينما يواجه الشاعر هذا الازدحام بسلسلة من النفي، وهنا تتولد المفارقة من أن كثرة المنافسين لا تنتج خوفًا، وإنما تنتج ثقة، فالشاعر يقلب النتيجة؛ فكلما ازدحم الآخرون حول المحبوبة، ازداد يقينه بموقعه الخاص، وتبلغ المفارقة ذروتها في قوله:

"قد تنعمون بعطفها وبنظرةٍ من عرشها

لكنّها لم ترضَ إلا أن تكون حبيبتي

وسوايَ ظلٌّ يقتفيها"(12)

فالمفارقة هنا أن الآخرين يحضرون بكثرة، لكن حضورهم يظل هامشيًا؛ في حين أن الشاعر، رغم عدم انشغاله بمنافستهم، يحتفظ بالمكانة المركزية، واللافت أن الشاعر لا يبني انتصاره على إقصاء المنافسين، بل على التفوق الرمزي؛ فهو لا يمنعهم من الوقوف عند باب المحبوبة، بل يقول:

"من حقِّكم هذي الإطالةُ في الوقوفِ

فزهرةُ التفاح لن تجدوا لها أبداً شبيها"(13)

وهذا موقف مفارق؛ إذ يتحول وجود المنافسين من مصدر تهديد إلى مناسبة لإظهار تفرد المحبوبة، ومن ثم تفرد مكانته عندها، فالمحبوبة محاطة بآلاف المشاعر والعاشقين، لكن الشاعر يرى أن هذا الازدحام كله لا يمس علاقته بها، ولذلك تأتي العبارة الختامية:

"وهي الحبيبةُ

آخرُ العنقودِ من كل النساء"(14)

لتؤكد أن التجربة لا تنتهي عند مجرد امتلاك المحبوبة، بل عند تحويلها إلى خاتمة لسلسلة طويلة من التجارب.

رابعًا: فاعلية التراث والفنون في إنتاج المفارقة

 لا يتعامل الشاعر مع التراث بوصفه مادة جاهزة يستعيدها للتزيين أو لإظهار سعة المعرفة، بل يدخله في نسيج التجربة الشعرية، ثم يعيد توجيهه بما يخدم رؤيته المعاصرة، ومن هنا تتولد المفارقة من المسافة بين المعنى التراثي المألوف والمعنى الذي يمنحه الشاعر له داخل سياقه الجديد، فالتراث لا يبقى ثابتًا، وإنما يدخل في حوار مع الذات والحب والكتابة، وقد ينقلب أحيانًا على دلالته الأصلية، وتتضح هذه الآلية في قصيدة "بدر الأغاني"، التي يقول فيها:

"ببدرٍ بينَ قافيةٍ وبحرِ

مشى شرفُ الأوائل نحوَ شعري

وسلسلةٌ من الذهبِ انتقتني

كمالاً بعدَ أحمدَ والمَعرّي"(15)

يستدعي الشاعر أسماء ذات مكانة مركزية في تاريخ الشعر العربي، ولا سيما أحمد شوقي والمعرّي، ليضع تجربته ضمن سلسلة شعرية ممتدة، ويبدو في ظاهر النص أن الشاعر يرفع من شأن ذاته إلى مستوى هؤلاء الشعراء، لكن المفارقة تتشكل من الطريقة التي يمزج بها هذا الادعاء الكبير بنبرة ساخرة من الذات، فبعد هذا البناء الذي يوحي بالعظمة الشعرية يقول:

"فأضحكني - أنا بدرُ الأغاني -

وقوفُ النايِ ليلاً عندَ غيري

وأجملُ ما سمعتُ من التَّجَنّي

مقالُ الناسِ: أشعرُ من هُزَبْرِ"(16)

هنا يتدخل الضحك ليقلب النبرة السابقة، فالشاعر الذي يقدّم نفسه باعتباره «بدر الأغاني» لا يستسلم تمامًا لصورة الشاعر العظيم، بل يسخر من المبالغة التي تحيط به، والمفارقة أن التعظيم يتحول إلى مادة للسخرية، والمديح يصبح قريبًا من "التجني".

وهذا النوع من المفارقة مهم؛ لأنه يكشف أن الأنا الشعرية، حتى عندما تعلن اعتزازها بموهبتها، تمتلك وعيًا ساخرًا تجاه هذا الاعتزاز، فالشاعر يمدح نفسه، لكنه في الوقت نفسه يضحك من صورة الممدوح التي صنعها، وهكذا لا تأتي المفارقة من التناقض بين الشاعر وموقف خارجي فحسب، وإنما تنشأ داخل الذات نفسها: أنا تعتز بشاعريتها، وأنا أخرى تراقب هذا الاعتزاز وتسخر منه، وهذا ما يجعل استدعاء التراث جزءًا من استراتيجية الشاعر في بناء صوته الخاص؛ فهو لا يقطع صلته بالماضي، ولا يذوب فيه، وإنما يدخل معه في علاقة حوارية تعيد إنتاج دلالاته داخل تجربة شعرية معاصرة.

الخاتمة

تكشف قراءة هذه النصوص أن المفارقة ليست مجرد تقنية بلاغية عابرة، وإنما تمثل آلية أساسية في بناء التجربة الشعرية وتشكيل رؤيتها إلى الذات والحب والكتابة والعالم. فالشاعر لا يقدم المعنى في صورته المباشرة، بل يتركه يتولد من التوتر بين الأشياء ونقائضها؛ بين القوة والهزيمة، والحضور والغياب، والامتلاك والفقد، كما أظهرت القراءة أن المفارقة تبدأ من بناء الذات الشعرية؛ فالذات التي تبدو قوية سرعان ما تكتشف حدود قوتها، من خلال الحب الذي يصبح قوة قادرة على إعادة ترتيب مواقع الذات، لا مجرد موضوع للغزل.

أما في المجال العاطفي، فقد ظهر الحب بوصفه اختبارًا للذات؛ فهو يحوّل اليومين إلى عمر، والخبرة إلى نتيجة للألم، ومن هنا لا تبدو الذات العاشقة ثابتة، بل ذاتًا تتعلم وتتغير وتعيد اكتشاف نفسها من خلال التجربة. وعليه، فإن القيمة الجمالية للمفارقة في هذه التجربة لا تنحصر في إحداث الدهشة أو المفاجأة، وإنما تكمن في قدرتها على إنتاج معنى مركب لا يستقر على دلالة واحدة. ومن هنا يمكن القول إن الشاعر يبني جزءًا مهمًا من خصوصيته الشعرية على منطق المفارقة والانقلاب؛ إذ لا يواجه العالم من خلال إجابات نهائية، وإنما من خلال علاقات متوترة تظل مفتوحة على أكثر من احتمال.

وفي النهاية، فإن ما يمنح هذه التجربة فرادتها هو أن المفارقة لا تأتي منفصلة عن جماليات الحب واللغة والوعي بالتراث، بل تتشابك معها جميعًا لتنتج صوتًا شعريًا قادرًا تحويل هذا التناقض إلى جمال ومعنى.

***

عذراء محمد صبحي

...................

الهوامش

1)  ينظر: تجليات المفارقة في شعر دريد بن الصمة الجشمي، دراسة تحليلية، جابر خميس عباس، مجلة لارك للفلسفة واللسانيات والعلوم الاجتماعية، المجلد:18، العدد:2، 2026.

2)  ينظر: المفارقة، نبيلة ابراهيم، مجلة فصول، المجلد:7، العدد: 3-4 ، 1987: 132. و المفارقة في الشعر العربي الحديث، قاسم شبانة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ، 2002: 30، والمفارقة في القص العربي المعاصر، سيزا قاسم، مجلة فصول، المجلد:2 ، العدد:2، 1982: 143.

3)  ديوان "قبل أن تُفلتني اليمامة"، هزبر محمود، ط:1، منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق،2024: 74.

4)  المصدر نفسه: 46.

5)  المصدر نفسه: 117.

6)  المصدر نفسه:  117.

7)  المصدر نفسه:  117.

8)  المصدر نفسه: 65.

9)  المصدر نفسه: 34.

10) المصدر نفسه: 34.

11)  المصدر نفسه: 32.

12) المصدر نفسه:32.

13) المصدر نفسه:33.

14)  المصدر نفسه:33.

15) المصدر نفسه: 30.

16) المصدر نفسه: 30.

في المثقف اليوم