عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

عبد الجبار الرفاعي: في الفلسفة شيءٌ من ذات الفيلسوف

الفيلسوف يفكر بعقله، غير أن هذا العقل لا يعمل في فراغ، وإنما يسكن جسدًا، ويتفاعل مع المزاج والعاطفة، ويتأثر بالأوجاع، وما يختزنه اللاوعي من قلق وخوف وحرمان وجروح. لذلك لا يكتمل فهم بعض المواقف الفلسفية الكبرى من دون قراءة السيرة الذاتية للفيلسوف، وما عاشه من أمراض جسدية، أو أزمات نفسية، أو عزلة، أو إخفاق، أو شعور بالغربة عن العالم، وما أحاط به من أنماط عيش وثقافة وظروف عائلية تركت آثارًا عميقة في تكوينه النفسي.

مع ذلك، لا تتولد الأفكار الكبرى من هذه العوامل، وإنما من العقل وهو يعيد بناء خبرات الحياة، ويحولها إلى مفاهيم ورؤى وأسئلة كونية. العقل مرجعية الفيلسوف النهائية، هو الذي يصوغ فلسفته ويمنحها تماسكها ومنطقها الداخلي. للسيرة الذاتية أثر في إبداع الفيلسوف ومنح فلسفته فرادتها؛ فقد يتحول الجرح الشخصي إلى سؤال وجودي، والألم إلى تفكير عميق، والمعاناة إلى أفق لاكتشاف الذات والبحث عن معنى الحياة والمصير. أحيانًا يولد السؤال الفلسفي من لحظة انكسار داخلي، ثم يعيد العقل بناءه في رؤية فلسفية مبهرة، لذلك تحمل بعض الفلسفات في أعماقها سيرة خفية لفيلسوفها، وإن تجلت في صورة مفاهيم وتجريدات عقلية.

طالما وقع الفيلسوف في صراع بين قوة العقل ونداء العاطفة، ربما تستبد به حالة عاطفية مفرطة تخمد عقله في لحظة معينة. يقول الفيلسوف وليم جيمس (1842–1910): "إن تاريخ الفلسفة يمكن فهمه بوصفه صراعًا بين أمزجة كبرى، لا مجرد صراع بين حجج مجردة". الفيلسوف يفكر في إطار ذاكرة مثقلة، وطفولة مجروحة أو آمنة، وجسد موجوع أو معافى، وعلاقة معقدة أو منسجمة مع الأب والأم والعائلة والمجتمع. ينعكس في فلسفته أفق انتظاره، ومضمراته، وأحكامه المسبقة، وأحيانًا نصغي إلى صدى جراحه في مفاهيمه، حتى يغدو المفهوم أثرًا لتجربة حية.

ففي ضوء معاناته الجسدية وتوتره بين العقل والإيمان يمكن أن نفهم شيئًا من هشاشة بليز باسكال (1623–1662). فقد نشأ في أسرة متدينة، وفقد أمه وهو في الثالثة من عمره، وعانى هشاشة صحية مزمنة لازمته طوال حياته. أورثته هذه الخبرات المبكرة شعورًا عميقًا بضعف الإنسان وقابليته للفناء، فصاغ رؤيته للإنسان بوصفه كائنًا يتأرجح بين العظمة والبؤس، لا يكتمل بذاته، ولا يعثر على طمأنينته إلا في الإيمان بالله. جاءت فلسفته مشدودة إلى هشاشة الوجود الإنساني، وإلى حاجة الإنسان إلى معنى يتجاوز العالم، فلم يكن الإيمان في رأيه يُنال بالبراهين العقلية الجافة، بل عبر "القلب" الذي يدرك ما لا يدركه العقل، استجابةً للقلق الوجودي المرير والبحث عن الخلاص.

ويمكن أن نفهم شيئًا من تشاؤم آرثر شوبنهاور (1788–1860) في ضوء معاناته وعلاقته المضطربة بأبيه وأمه، وانعكاس ذلك على تفكيره بما هو تفاعل بين الجرح الشخصي والفكر الفلسفي. فقد نشأ شوبنهاور في بيت مضطرب؛ كان أبوه تاجرًا صارمًا سوداوي المزاج، ويرجح عدد من الباحثين أنه أنهى حياته منتحرًا، فترك ذلك أثرًا عميقًا في ابنه، وجعل الموت والعبث واليأس حاضرًا في وعيه المبكر. أما أمه، فكانت أديبة لامعة، وسيدة مجتمع تميل إلى حياة الصالونات الأدبية والعلاقات الاجتماعية الواسعة، ولم تكن علاقتها بابنها مستقرة أو دافئة، وإنما غلب عليها التوتر والنفور المتبادل، حتى انتهت إلى القطيعة. عاش شوبنهاور شعورًا عميقًا بالعزلة، وفقد كثيرًا من ثقته بالناس، ونظر إلى العلاقات الإنسانية بعين الارتياب والتشاؤم. لم يرَ الحياة ميدانًا للسعادة، وإنما فضاءً للألم والرغبة العمياء والحرمان، في فلسفته يظهر العالم محكومًا بإرادة عمياء لا عقل لها ولا غاية أخلاقية، تدفع الإنسان إلى الرغبة، ثم تتركه نهبًا للشقاء؛ فإذا تحققت الرغبة وُلد الملل، وإذا لم تتحقق وُلد الألم، كما يرى. لا تخلو هذه الرؤية من أثر لمعاناته الشخصية، فقد رأى في الألم الحقيقة الأكثر رسوخًا في الوجود.

وهكذا يمكن أن نفهم شيئًا من قلق سورين كيركغورد (1813–1855) بوصفه مثالًا على تفاعل المزاج والجرح النفسي بالفكر الفلسفي. فقد عاش هذا الفيلسوف تحت ظل أبٍ سوداوي شديد التدين، كان يعيش شعورًا غريبًا بأن الأسرة واقعة تحت غضب إلهي بسبب خطيئة ارتكبها في شبابه. أورثه ذلك شعورًا عميقًا بالذنب والخوف والقلق الديني، حتى غدا القلق عند كيركغورد خبرة وجودية، لا مفهومًا ذهنيًا مجردًا. كما أن علاقته المعقدة بخطيبته ريجينا أولسن، وقراره الانفصال عنها رغم حبه لها، عمّقا إحساسه بالعزلة والتناقض الداخلي. يمكن أن تُقرأ فلسفته، إلى حد ما، في ضوء هذه الخبرات الوجودية؛ فقد انشغلت بالفرد القلق، والاختيار، واليأس، والإيمان بوصفه قفزة وجودية، ولم تظهر الحقيقة عنده في نسق عقلي منتظم، وإنما في تجربة وجود تقف بقلق أمام الله.

كذلك يمكن أن نفهم شيئًا من فلسفة فريدريك نيتشه (1844–1900) في ضوء معاناته الجسدية المزمنة وصراعه المرير مع المرض، وربما أمكن قراءة تمجيده "إرادة القوة" تعبيرًا عن توقه إلى التعالي على الضعف البيولوجي الذي لازم حياته. فقد نشأ نيتشه في عائلة عرفت المرض والموت المبكر، مات أبوه، وكان قسيسًا بروتستانتيًا، وهو ما يزال طفلًا، بعد معاناة مرضية قصيرة، ثم توفي أخوه الصغير بعد ذلك بوقت قصير، فعاش طفولة يخيّم عليها الحزن والغياب. تربّى بين أمه، وأخته، وجدته، وخالاته، في مناخ ديني محافظ، ثم انقلب لاحقًا على المسيحية التي رأى أن أخلاقها تمجّد الضعف والاستسلام. لازمته طوال حياته آلام جسدية قاسية؛ صداع مزمن، واضطرابات عصبية، وضعف شديد في البصر، وانهيارات صحية متكررة، اضطرته إلى ترك التدريس وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، وعاش سنوات طويلة في عزلة وارتحال بحثًا عن واقع يخفف آلامه. يمكن أن تُقرأ فلسفته، إلى حد ما، في ضوء هذه المعاناة؛ فقد انشغلت بالقوة، والصحة، والتغلب على الذات، وتمجيد الحياة في مواجهة الوهن والانطفاء.كان نيتشه يرى أن التسامح لا يكتسب قيمته إلا إذا صدر عن قوة وامتلاء داخلي، لا عن خوف أو عجز أو استسلام. انتقد الأخلاق المسيحية لأنها مجّدت الشفقة والتسامح والتواضع، ورأى أنها كثيرًا ما تعكس ما سماه "أخلاق العبيد". أما الإنسان القوي، في نظره، فيتجاوز الإساءة ويتسامح لأنه لا يشعر بالتهديد، ولا يبقى أسير الحقد والضغينة.

مع ذلك، لا يصح اختزال فلسفة أي فيلسوف في مرضه، أو طفولته، أو علاقته بعائلته، أو نمط عيشه، أو ثقافة مجتمعه وديانته، وإن كان لها أثر محدود. الفيلسوف نابغة لا يكرر ما تمليه عليه سيرته الشخصية، وإنما يعيد بناء خبراته بعبقرية مدهشة، وقدرة استثنائية على التأمل، وموهبة نادرة، وبراعة في إبتكار المفاهيم، وإعادة صياغة الأسئلة الكبرى، واقتراح أجوبة لها. فرادة الفيلسوف تتجلى في فرادة فلسفته، الفلسفة لا تتولد من المرض، أو العاهة، أو الجرح النفسي، غير أن هذه الخبرات تفتح للفيلسوف زاوية أخرى لرؤية الإنسان والمعنى والعالم. المادة الخام تأتي من الحياة، أما الفلسفة فتولد حين يعيد العقل المبدع تشكيل هذه المادة، ويحول التجربة الشخصية إلى رؤية للعالم تتجاوز صاحبها، وتغدو قادرة على مخاطبة الإنسان في كل زمان ومكان.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

في المثقف اليوم