تحوّل نموذج الإنسان في الفلسفة الحديثة
ما إن نُمعن النظر في تاريخ الفلسفة الغربية حتى يلوح لنا أن مسألة الإنسان لم تكن قطّ مسألةً هامشية أو فرعية بل كانت تلك النقطة العمياء التي تدور في فلكها كلّ الأسئلة الكبرى عن الوجود والمعرفة والأخلاق والجمال. غير أنّ ما يميّز العصر الحديث منذ ذلك المنعطف الديكارتي الذي فتح شهية العقل على نفسه، هو ذلك التحوّل الجذري في مقاربة السؤال الأنثروبولوجي، ذلك التحوّل الذي انتقل بالإنسان من كونه كائناً منكشفاً على حقيقة سابقة له إلى كونه فاعلاً في تشييد تلك الحقيقة ذاتها بل إلى كونه في نهاية المطاف كائناً لا ينفصل معناه عن فعله المستمر في إنتاج هذا المعنى. وإذا كانت الفلسفة القديمة قد أقامت تصوّرها للإنسان على أساس من علاقة التطابق بين الذهن والعالم واعتبرت المعرفة مرآة تعكس موضوعاتها بانعكاسية كلّية وإذا كانت الفلسفة الوسيطة قد دانت للإنسان بتبعيّته لنظام غيبي يسبقه ويحدّد جوهره فإنّ الحداثة الفلسفية في مجمل خطابها لم تلبث أن اكتشفت شيئاً فشيئاً أنّ هذه المرايا ليست سوى أبنية لغوية واجتماعية وتاريخية وأنّ تلك التبعيّة ليست سوى ستار يخفي حركة الذات وهي تخلق وجودها في الآن الذي تخلق فيه وعيها بذاك الوجود. ولم يعد السؤال الجوهري ما هو الإنسان؟ بل صار السؤال الأكثر إلحاحاً كيف يصير الإنسان إنساناً وكيف ينتج في كلّ لحظة هويّته وقيمه ومعانيه وهو يمارس هذه العملية في ظلّ غياب أيّ مرجعية ثابتة أو أساس متين؟
وإنّ هذا الانتقال من الذات العارفة إلى الذات المُنتِجة للمعنى ليعدّ بحقّ أحد أخطر التحوّلات التي شهدتها العقلية الأوروبية ذلك أنّه لا يمسّ فقط نظريات المعرفة ومناهج البحث بل يمتدّ إلى صميم التجربة الإنسانية ذاتها فيعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والعالم وبين الإنسان والآخر وبين الإنسان ونفسه ويفتح الباب أمام تصوّرات جديدة للحرية والالتزام والمسؤولية. ولعلّ ما يزيد هذا التحوّل تعقيداً هو أنّه لم يحدث دفعة واحدة ولا على يد فيلسوف واحد بل تراكم عبر سلسلة من النقضات والاستدراكات والتجاوزات، بدأت مع ديكارت وكانط وتمرّدت مع نيتشه وهايدغر وتفكّكت مع فوكو ودريدا وانتهت أو لم تنته عند ذلك التقاطع الذي تحاول فيه الذات أن تجد موقعها بين إكراهات اللغة والسلطة وبين نداء الأخلاق والغير وبين شهوة البقاء ويقين الموت. وغايتنا في هذا المقال أن نتتبّع هذه المحطّات المفاهيمية في سياقها الفلسفي العميق لا من باب التأريخ العقيم بل من باب الحاجة الماسّة إلى فهم كيف صرنا نحن معشر الإنسان المعاصر، كائناتٍ لا تستقرّ على حال وكائناتٍ تجد هويّتها في الحركة ذاتها وكائناتٍ لا تنتج معناها إلّا وهي تدرك هشاشته ومع ذلك تواصل إنتاجه بإلحاح شبه بيولوجي. فما هذه الذات التي تتوهّم المعرفة ثمّ تتوهّم الإنتاج ثمّ تكتشف أنها هي ذاتها نتاج، وما معنى أن تكون إنساناً في عالم فقد نهائيّاته ويبحث عن معانيه في متاهة لا مخارج لها، وما السبيل إلى التوفيق بين هذه النزعة الحداثية في البناء وتلك النزعة ما بعد الحداثية في التفكيك؟ هذا ما سنحاول أن نرسم أطيافه آخذين بأهداب النصوص الفلسفية الشاهقة ومتّكلين على ما تتيحه لنا القراءة المتأنّية من قدرة على تمييز الخيوط الخفيّة التي تربط بين تلك الذات العارفة في مهدها، وتلك الذات المنتجة في اكتمالها المأساوي، وتلك الذات المسؤولة في نهاية الرحلة أو في بدايتها الدائمة.
لم يكن البتّ في ماهية الإنسان في ما يجعل الكائن البشري كائناً بشرياً سوى ذلك السؤال الأوحد الذي ظلّ يلحّ على الفلسفة منذ ولادتها، لكنه في العصر الحديث لم يعد مجرد تساؤل أنطولوجي عن الجوهر بل تحوّل إلى محكّ إبستمولوجي يختبر حدود العقل وقدراته ثم إلى أزمة تأويلية تتصارع فيها صور الذات وتتشظّى مراياها. وإذا كان القدماء قد عاشوا طمأنينة التعريفات الجامعة وإذا كان وسيط القرون قد آوى إلى ظلّ الغيبيات المستقرة فإن الإنسان الحديث وجد نفسه ملقى في فراغ المعنى مضطراً إلى أن يخترع ذاته من جديد في كلّ لحظة وإلى أن ينتج من شظايا الوجود ما يعوّض به غياب اليقين الأول. إن الانتقال الذي نعنيه هنا من الذات العارفة إلى الذات المنتجة للمعنى ليس مجرّد تحوّل في نظريات المعرفة بل هو زلزال هزّ أركان الوجود الإنساني برمّته وأعاد صوغ العلاقة بين الإنسان والعالم وبين الإنسان ونفسه وبين الإنسان والآخر حتى صار القول عن "الإنسان" ذاته ضرباً من المغامرة الفكرية التي لا تضمن السلامة والتي تفضي بنا إلى سؤال أكثر إزعاجاً هل ثمّة إنسان أصلاً أم أنّ هناك فقط إنسانيات متعدّدة كلّ منها تنتج معناها الخاصّ على نحو يجعله غير قابل للقياس بغيره؟
لكي نستوعب هذا التحوّل في عمقه ينبغي لنا أن نعود إلى اللحظة الديكارتية تلك اللحظة الفارقة التي وضعت فيها الفلسفة الحديثة حجر الأساس لصنم جديد هو "الذات العارفة". لقد كان ديكارت في تأمّلاته يبحث عن يقين لا يتزعزع وعن أرض صلبة يقيم عليها صرح المعرفة فلم يجد غير الوعي المطوي على نفسه غير تلك الذات التي لا يمكنها أن تشكّ في شكّها والتي تدرك وجودها من خلال فعل التفكير نفسه. "أنا أفكر، إذن أنا موجود" لم تكن مجرّد قضية منطقية بل كانت بياناً تأسيسياً عن أولوية الذات الواعية على كلّ ما عداها وعن جعل هذه الذات هي المعيار الذي تُوزن به حقيقة العالم. لقد تحوّلت الذات في هذا السياق إلى مرآة صافية تعكس موضوعاتها بانعكاسية محايدة وإلى عين تطلّ على الوجود من برجها العاجي المنعزل، وإلى حكم يقسم بصواب ما يراه وفساد ما لا يراه. بيد أنّ هذه الذات في وثبتها الأولى كانت ذاتاً عارفة بالمعنى الكلاسيكي أي ذاتاً تتصوّر المعرفة على أنها تمثّل وعلى أنها إعادة إنتاج لما هو كائن في الواقع من غير أن تتدخّل في تكوين ذلك الواقع أو أن تنتج شيئاً منه. إنها ذات تشبه الناظر في المرآة الذي يظنّ أنّ الصورة هي الأصل وأنه ليس له فيها إلّا موقع النظر من غير أن يدرك أنّ مرآته نفسها قد تكون مشوّهة وأنّ نظره قد يكون محدوداً وأنّ الأصل نفسه قد لا يكون سوى انعكاس لرغبته في رؤيته على تلك الهيئة.
وإذا كان ديكارت قد أسس الذات العارفة فإن كانط هو الذي جاء ليكشف عن الشروط القبلية التي تجعل هذه المعرفة ممكنة وهو بذلك يكون قد قلب موازين الفلسفة الحديثة رأساً على عقب، ليس لأنه شكّك في قدرة الذات على المعرفة بل لأنه أنجز ثورة كوبرنيكية حقيقية حين جعل الأشياء تتطابق مع تصوّراتنا لا العكس. في نقد العقل المحض لم يعد السؤال هو كيف نعرف ما هو كائن؟ بل السؤال هو كيف يكون الشيء معروفاً لنا على النحو الذي يظهر به؟ أي كيف تشكّل الذات موضوعها وفق مقولاتها الفطرية وأشكالها الحسّية البديهية؟ وهنا تبرز الذات بوصفها لا مجرد عارفة سلبية بل فاعلة مشاركة في بناء المعرفة وإن كانت هذه المشاركة لا تزال محكومة بثبات القوانين القبلية التي لا تتغيّر والتي تضمن للذات نوعاً من الاستقرار المعرفي والوجودي معاً. لكن ما فعله كانط وإن كان قد خطا بالذات خطوة هائلة نحو الفاعلية فإنه ظلّ في دائرة المغلق، في دائرة العقل النظري الذي يعرف من دون أن يخلق وفي دائرة الذات المتعالية التي هي شرط كلّ معرفة ممكنة ولكنها ليست منتجة للمعنى بمعنى الإبداع أو الخلق الجذري. فالمعنى في فلسفة كانط لا يزال محكوماً بحدود الاحتمال وبتلك الحدود التي رسمتها العقول الكلية لنا والتي لا يمكننا تخطّيها دون أن نقع في متاهة الميتافيزيقا أو في وحل التناقضات. الذات الكانطية هي ذات تعرف ولكنها لا تبتكر هي ذات تنظّم المحسوسات وفق قوانينها لكنها لا تنتج المعنى من عدم ولا تغيّر في العالم شيئاً سوى إضاءته تحت ضوء مفاهيمها الثابتة.
غير أن رياح الفلسفة بعد كانط لم تهدأ بل هبت أكثر اضطراباً حين أطلّ هيغل بعقلانيته المطلقة وحين جعل الروح هي ذلك المسار الصاعد الذي يتعرّف على نفسه عبر التاريخ وحين حوّل الذات العارفة إلى ذات متحقّقة أي إلى روح موضوعية لا تعرف العالم الخارجي فقط بل تعرف نفسها من خلال ذلك العالم وتنتج وجودها في مجرى الزمن. الذات الهيغلية ليست تلك الذات المنعزلة التي تتأمّل الأفكار في هدوء المكاتب بل هي ذات تاريخية، ذات صيرورة، ذات تتحقّق في لحظة الآن وتكون نفسها بفعل تضادّها مع غيرها. هنا بدأ المعنى يأخذ منحى جديداً إذ لم يعد المعنى شيئاً يُعثر عليه في ثنايا العالم ولا شيئاً مفروضاً مسبقاً بل أصبح شيئاً يُنتج، يُصنع، يُناضل من أجله، يُستخلص من رحم التناقضات والصراعات التي تمس نسيج الواقع. لكن هيغل رغم عبقريته الهائلة ظلّ يكرّس نوعاً من العقلانية الشاملة ونوعاً من الثقة المفرطة في قدرة الروح على بلوغ المعرفة المطلقة، تلك المعرفة التي تذيب كلّ غموض وتنهي كلّ صراع وتوفّي المعنى كلّ حقّه في النهاية. وكأنّ الذات الهيغلية وهي تنتج معناها إنما تنتجه لكي تسلمه إلى نهاية التاريخ لكي تذوب في الكلّ المطلق، لكي تفقد فرديتها في سبيل الحقيقة الكبرى. ورغم أنّ هيغل قد أخرج الذات من عزلتها الديكارتية وأدخلها إلى قلب العالم التاريخي فإنّه ظلّ أسيراً لفكرة أن ثمّة معنى نهائياً، ثمّة حقيقة تنتظر الذات في نهاية الطريق، ثمّة اكتمال يبرّر كلّ معاناة ويغفر كلّ انحراف.
ولكن ما إن حلّ القرن التاسع عشر حتى بدأت أصوات التمرّد تتعالى على هذا العقلانية الشاملة وعلى تلك الذات المتعالية التي تتوهّم أنها تستطيع إمساك زمام المعنى إلى الأبد. كان نيتشه هو ذاك الرائد الذي وضع المنجل في جذور الشجرة حين أعلن موت الإله، موت كلّ مرجعية متعالية، موت كلّ يقين موضوعي وموت الإيمان بأي معنى نهائي أو حقيقة مطلقة. لقد كان نيتشه في فلسفته المشظّاة يرى أنّ الذات العارفة التقليدية ليست سوى وهم وأنّ العقل ليس أداة للكشف عن الحقيقة بل هو أداة للخداع وللبقاء وأنّ المعرفة ليست انعكاساً للواقع بل هي إرادة قوّة تتخفّى في ثياب الموضوعية. حين قال نيتشه: "ليس هناك حقائق، بل تأويلات"، كان يعلن عن ميلاد مفهوم جديد للذات، ذات لم تعد عارفة ولا فاعلة بمقدار ما هي قوة تخلق وتفرض معانيها على الواقع، ذات تنتج المعنى ليس لكي تطابق شيئاً خارجها، بل لكي تعبّر عن إرادتها في الهيمنة والسيطرة والتجاوز. الإنسان النيتشوي بكلّ ما يحمله من مأساوية وجبروت، هو إنسان يخلق قيمه بنفسه، يبتكر معياره الخاصّ، يرفض الخضوع لأيّ قانون خارجي ويعلن أن العالم ليس له معنى سوى المعنى الذي نمنحه إيّاه نحن وذلك أننا نموت ثمّ لا يعود لأيّ معنى معنى. لكن هذه الحرية المطلقة في إنتاج المعنى، هذا التمرّد الكامل على كلّ سلطة معرفية أو أخلاقية كان له ثمنه الباهظ فقد ألقى بالذات في هاوية العدمية وجعلها تواجه الفراغ بلا شبكة أمان واضطرها إلى أن تخلق معناها وهي تدرك أنّ كلّ خلق سيكون زائفاً وأنّ كلّ تأويل سيكون تعسفاً وأنّ كلّ قيمة ستُنقض بعد حين كأنّها لم تكن. ومن هنا كانت مأساة الإنسان الحديث مأساة من يعرف أنّه مخترع معانيه، لكنّه لا يستطيع أن يعيش من دونها، مأساة من يبني على الرمال ويغامر بالانهيار في كلّ لحظة، مأساة من يدرك أنّ ملء الفراغ بحشو المعاني لا يلبث أن يفضي إلى فراغ أكبر لأنّ الذات حين تنتج معناها في غياب أيّ مرجعية فإنّها تنتجه لكي تنسى نفسها، لكي تشغل نفسها، لكي لا تنظر إلى الهاوية التي تحتها.
وفي مطلع القرن العشرين جاء هوسرل ليوقف هذا المدّ العدمي ويؤسّس الظاهريات كمنهج صارم للعودة إلى الأشياء نفسها وإلى الذات في تجربتها المباشرة للعالم. كانت الظاهريات الهوسرلية محاولة أخيرة لإنقاذ الذات العارفة لكن من طريق آخر غير طريق العقلانية الموضوعية وذلك بأن نضع بين قوسين كلّ ما هو مفروض مسبقاً وكلّ ما هو خارج عن التجربة المحضة ونتوجّه إلى الشعور الخالص إلى الوعي المقصدي الذي هو دائماً وعي بشيء ما. الذات الهوسرلية هي ذات تعرف ولكن معرفتها ليست معرفة تمثّل أو انعكاس بل هي معرفة حضور وتجلٍّ، هي أن نشهد العالم وهو يظهر لنا بكلّ غناه وتنوّعه من غير أن نضيف إليه شيئاً من تصوّراتنا السابقة أو ننقص منه شيئاً بسبب جمود مفاهيمنا. إنها ذات تسعى إلى أن تكون مرآة صافية ولكن مرآة لا تعكس فقط بل هي التي تتيح للظهور أن يحدث، هي الأفق الذي تبرز فيه الأشياء، هي الشرط الذي يجعل العالم معنىً قبل أن يصير موضوعاً. لكن هوسرل في ولعه بالدقّة والصرامة وفي سعيه لجعل الظاهريات علماً يقينياً، ظلّ أسيراً لنموذج الذات العارفة في نسقها الكلاسيكي وإن كان قد صقلها ونقّاها من شوائب النفسية والطبيعية فإنه لم يستطع أن يحرّرها من وهْم الحضور الكامل ومن وهم أنّ المعنى يمكن أن يُعاش في حالة من النقاء والفورية من غير تشويه أو تحريف. ولم يكن تلميذه هايدغر ليكتفي بهذا المسار إذ سرعان ما قلب الظاهريات رأساً على عقب وأعلن أنّ السؤال الأساسي ليس عن الوعي أو عن المقصودية بل عن الوجود نفسه وعن دلالة الوجود وعن الإنسان بوصفه ذلك الكائن الذي يطرح سؤال الوجود والذي هو في جوهره فهمٌ للوجود أي أن يكون وجوده نفسه مشكلة ومهمة وحيرة.
مع هايدغر نصل إلى محطة حاسمة في مسيرة الانتقال من الذات العارفة إلى الذات المنتجة للمعنى لأن هايدغر لا يتحدّث عن "ذات" بالمعنى الديكارتي أو الكانطي بل يتحدّث عن "الكائن هناك"، عن الدازاين، عن ذلك الوجود الذي ينفتح على العالم والذي لا يُفهم من خلال وعيه المنغلق بل من خلال كونه في العالم ومن خلال انغماسه في شبكة العلاقات والممارسات والأدوات والمواقف. الدازاين الهايدغري ليس ذاتاً تتعرف على موضوعات بل هو كائن يمارس، يهتمّ، يقلق، يموت، يُسقط معانيه على الأشياء، يُضفي عليها حمولات وجودية تجعلها أدوات في يديه تجعل العالم عالماً مألوفاً أو غريباً، مهدداً أو آمناً، واضحاً أو غامضاً. هنا يصبح إنتاج المعنى ليس فعلاً إرادياً أو واعياً بل هو نمط وجود، هو كيف يكون الإنسان في علاقته بالكائنات وبالكائن نفسه. لكن ما يزيد الأمر تعقيداً في فلسفة هايدغر هو أنّه يرتبط بفكرة الزمان وأنّ الإنسان لا ينتج معناه في لحظة واحدة بل في امتداد وجودي من الولادة إلى الموت وأنّ المعنى يتشكّل في أفق الموت أي في ذلك الأفق الذي يكشف عن هشاشة كلّ المعاني وعن زيف كلّ اليقينيات التي لا تعترف بأنها معلّقة على فراغ. ومن هنا كانت هذه المقولة الهايدغرية المهيبة: الإنسان كائن للموت أي كائن لا يجد معنى وجوده خارج إدراك نهاية هذا الوجود، كائن ينتج معناه من وعيه بفنائه، كائن لا قيمة لأيّ معنى ينتجه ما لم يكن محمّلاً بهذا الشعور المأساوي بالزوال، وهذا الشعور بدوره هو الذي يمنحه القوة لكي يختار، لكي يقرّر، لكي يكون ذاته أصالةً، لا بأن يعرفها، بل بأن ينتجها عبر القلق والعزيمة والانفتاح على الاحتمالات اللامتناهية. إنّ هايدغر بكلّ هذه الأفكار يكون قد أسّس لذات لا تستند إلى أيّ يقين قبلي ولا إلى أيّ نظام أخلاقي أو معرفي ثابت بل إلى فعل الوجود نفسه، إلى الحركة المستمرة نحو المعنى وإلى التخلّص من كلّ ما هو مفروض، من كلّ ما هو زائف، من كلّ ما هو "هم"، من كلّ ما يمنع الإنسان من أن يكون صانع معناه الخاصّ، صانع مصيره، صانع موته.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن بعد هذا المسير الفلسفي الطويل هو هل الذات المنتجة للمعنى بهذا المعنى الوجودي العميق قادرة حقّاً على تحمّل هذه الحرية المطلقة؟ وهل هي قادرة على تجنّب الانزلاق إلى العبثية والسخافة كما حدث مع كثير من فلاسفة الوجودية اللاحقين أم أنّ إنتاج المعنى في غياب أيّ معيار موضوعي هو نفسه أشدّ أشكال العدمية خطراً؟ هنا نجد أنفسنا أمام مفارقة لا حلّ لها، فبقدر ما تحرّرت الذات من سلطة العقلانية الموضوعية ومن إكراهات الميتافيزيقا التقليدية ومن وصاية المراجع الغيبية بقدر ما وقعت في شرك الوحدة والقلق وبقدر ما أصبحت كلّ معانيها قابلة للانقلاب على نفسها في أيّ لحظة وبقدر ما صار إنتاج المعنى أشبه بجهد سيزيفي لا ينتهي ولا يؤدي إلى أيّ نتيجة ولا يمنح أيّ طمأنينة. وربما كان ألبير كامو في أسطورته الخالدة قد عبّر عن هذا الوضع أحسن تعبير حين صوّر سيزيف وهو يصعد الصخرة مراراً وتكراراً عالمّاً بأنها ستهوي في كلّ مرّة ومتسائلاً عن معنى هذا الجهد وعن السرور الذي يمكن أن نجده فيه رغم كلّ شيء. وكأنّ كامو يقول لنا إنّ إنتاج المعنى ليس غاية تُدرك بل هو فعل يُمارس، هو وقفة احتجاج على العبث، هو إعلان تحدٍّ، هو خلق لقيمة في مواجهة اللامعنى، هو أن تجد متعة في الصخرة وأنت تدفعها، وأن تجد جمالاً في جبينك المتصبّب عرقاً وأن تعرف أنّك لن تبلغ القمّة لكنّك مصمّم على الصعود. وتظلّ الذات الحديثة معلّقة بين نفي المعنى وتأكيده، بين العدمية والالتزام، بين أن تكون عارفة لا تنتج شيئاً وبين أن تكون منتجة لا تعرف شيئاً وبين أن تنظر إلى العالم بعين المتأمّل الهادئ وأن تغوص في العالم بجسد المكافح المتعب وأن تسعى إلى الحقيقة وهي تعلم أنّ الحقيقة لا تُعرف بل تُصنع وأنّ كلّ صناعة لها ما يبرّرها وأنّ كلّ تأويل له وزنه وأنّ الإنسان هو ذلك الكائن الذي ليس له طبيعة محدّدة بل هو تاريخ من الاختيارات والمواقف والإنتاجات المتعاقبة، كلّ منها يحمل في طيّاته بذرة انهياره وكلّ منها يفتح الباب أمام تأويلات جديدة وكلّ منها لا يمكنه أن يدّعي التمثيل الكامل أو الإحاطة الشاملة. هذا هو الإنسان الحديث أو لنقل هذا هو ما آلت إليه فكرة الإنسان بعد هذه القرون من التفلسف، كائن لا يستقرّ على حال ولا يطمئن إلى معنى ولا يسكن في ذات ولا يرضى بأن يكون مجرّد مرآة للوجود بل هو ذلك الكائن الذي يخلق وجوده وهو يخلق معناه والذي يعيش هذا الخلق بكلّ ما فيه من بهجة وألم، من أمل ويأس، من يقين وشك، من حضور وغياب، وكأنّه يكتب على الماء كلمات لا تلبث أن تزول لكنّها في لحظة كتابتها كانت الحقيقة الوحيدة التي يستحقّ أن يعيش من أجلها.
فإذا كان ما سبق وتطرقنا إليه قد انتهى بنا إلى تلك الصورة السيزيفية للذات التي تدفع صخرتها في وعي تامّ بعدم جدوى الوصول فإنّ الأمر هنا لا يتعلّق بإنهاء الحكاية بل بافتتاح هاوية أخرى أشدّ عمقاً، تلك التي تنتظرنا في اللحظة التي نكتشف فيها أن الذات المنتجة للمعنى بكلّ ما أوتيت من جبروت وجودي ليست هي المحطّة الأخيرة بل ربّما هي مجرّد وهم آخر وهم أكثر دهاءً من سابقه لأنّه يوهمنا بأنّنا أحرار حين نكون في الحقيقة خاضعين لقوى لا نراها ولا نعترف بها ولا نستطيع الفكاك من شباكها. فقد أفضى بنا الإصرار على جعل الذات مصدر المعنى إلى مفارقة كبرى هي أنّ هذه الذات حين تنزع عنها كلّ غطاء موضوعي وحين تتحرّر من كلّ إكراه خارجي لا تجد نفسها في النهاية إلّا وليدة اللغة التي تتكلّمها ورهينة البنى التي تشكّلها وأسيرة الخطابات التي تسبقها وتتجاوزها حتى ليكاد يخيّل إلينا أنّ "الذات" ذاتها ليست سوى اختراع حديث، اختراعٌ لن يلبث أن يتبدّد كالدخان حين نقرّب منه عدسة التفكيك.
ويبرز الاسم الأكثر إزعاجاً في هذا السياق، ذلك المفكّر الذي أعلن بجرأة لم يسبق لها مثيل أن "الإنسان قد مات" وأنّ عصر الذات بكلّ ما حمله من أحلام العقلانية والوعي والحرية قد ولّى إلى غير رجعة. إنّه ميشيل فوكو ذلك المؤرّخ الأثري للأنساق الفكرية الذي قلب السؤال عن الذات رأساً على عقب فبدلاً من أن يسأل كيف تعرف الذات العالم؟ أو كيف تنتج الذات معناها؟ سأل كيف تم اختراع الذات وكيف تم تشكيلها عبر التاريخ بوصفها موضوعاً للمعرفة وهدفاً للسلطة؟ ولم يعد الإنسان في تحليلات فوكو هو الفاعل التاريخي الذي يمسك بزمام الأمور بل أصبح أثراً سطحياً لترتيبات خطابية عميقة وأصبح نقطة تقاطع لتشابكات معرفية (إبستميه) تتغيّر من عصر إلى عصر بحيث لا يتعلّق الأمر بالذات التي تعرف بل بالحقب التاريخية التي تنتج شروط إمكانية المعرفة ذاتها وتحدّد ما يمكن قوله وما يمكن رؤيته وما يمكن تصنيفه وما يمكن أن يوجد كذات عارفة في المقام الأول. إنّ فوكو في كتبه الكبرى مثل "الكلمات والأشياء" يسعى إلى تقويض الأساس الذي قامت عليه الفلسفة الحديثة كلّها أي ذلك الأساس الذي يجعل من الإنسان مركزاً ومنطلقاً ويكشف عن أنّ الإنسان بصفته كائناً يعرف وينتج معنى ليس سوى شخصية بالية على شاطئ المعرفة الحديثة، شخصية ستمحوها الأمواج كما تمحو وجهاً مرسوماً على الرمال. وهذا القول الفوكوي ليس تشاؤماً عابراً بل هو نتيجة حتمية لمنهج أثري يرى أن كلّ حقبة معرفية تتمتّع بترتيبها الداخلي الخاصّ وأنّ ظهور الإنسان كموضوع للمعرفة هو حدث حديث جداً يعود إلى أواخر القرن الثامن عشر، وأنّه لن يدوم طويلاً لأنّ شروط إمكانية المعرفة تتغيّر مرّة أخرى فتزول معها تلك الصورة الأنثروبولوجية التي كانت الفلسفة تغذّيها بكلّ ما تملك من أمل.
فإذا كانت الذات عند فوكو ليست مصدراً للمعنى، بل هي أثر خطابي، فإنّ جاك دريدا يذهب إلى أبعد من ذلك حين ينزع من المعنى نفسه أيّ إمكانية للاستقرار أو للاكتمال. دريدا بتفكيكه للميتافيزيقا الغربيّة يفضح تلك الرغبة العمياء في التمركز حول حضورٍ ما وحول معنى نهائيّ يتّخذ شكل الأصالة أو الجوهر أو الحقيقة أو الذات الواعية ويُرينا أنّ كلّ خطاب وكلّ كتابة وكلّ محاولة لإنتاج المعنى هي في الحقيقة لعبة إحالات لا نهائية، سلسلة من الاختلافات والتأجيلات لا يمكنها أبداً أن تنتهي إلى نقطة ثابتة. فمفهوم "الاختلاف" عنده لا يشير فقط إلى التباعد المكاني بين الدالّات بل إلى التأجيل الزمني الذي يمنع المعنى من أن يحضر حضوراً كاملاً في أيّ لحظة بحيث تصبح الذات المنتجة للمعنى ذاتاً لا تنتج في الحقيقة شيئاً سوى أطياف معانٍ، إشارات تتبخّر بمجرّد أن نحاول الإمساك بها ونصوصاً تنفتح على نصوص أخرى وهوامش تفضي إلى هوامش أخرى من غير أن يكون هناك نصّ أمّ أو معنى أوّل. ولئن كان نيتشه قد أعلن موت الإله وهايدغر قد أعلن نسيان الوجود فإنّ دريدا يعلن أن كلّ حضور هو غياب وكلّ معنى هو تأجيل وكلّ ذات هي محو وأنّ الكتابة هي الصورة الأمثل لهذا الوجود المتشظّي، وجود لا تمركز له ولا استقرار فيه، وجود يتيه بين رمال النصوص التي لا تؤدّي إلى أيّ ينبوع بل تعيدنا في كلّ مرّة إلى صحرائنا الأولى. وهكذا فإنّ الذات التي كانت تحلم بأن تنتج معناها الخاصّ والتي ظنّت أنّها بذلك تحرّرت من قيود الموضوعية الميتة تجد نفسها الآن أسيرةً لحركة لا نهائية من الإرجاء، تُسحب فيها كلّ معانيها إلى متاهة التشابه والتباين والتراسل اللامتناهي، فلا هي عارفة لأنّ المعرفة قد انحلّت ولا هي منتجة لأنّ الإنتاج قد تأجل ولا هي موجودة لأنّ وجودها أصبح مرادفاً لقلق الدلالة على شيء لا يحضر أبداً. ويصدق في هذا السياق القول بأنّ المعنى لم يعد يُنتج، بل يُسرّب، لم يعد يُبنى، بل يُفكّك، لم يعد يقيناً نعيش في كنفه بل هو أشبه بومضة خاطفة نراها في لحظة ثمّ تخبو تاركة إيّانا في ظلمة أشدّ قتامة من ظلمة الجهل الأوّل.
لكن هذه النهاية التفكيكية التي قد تبدو في ظاهرها وهماً آخر من أوهام الحداثة المتأخّرة لا ينبغي لها أن تخفي عنّا البعد الأخلاقي الذي لا يقلّ أهمية عن البعد المعرفي الوجودي في مسيرة هذا التحوّل. لأنّ السؤال عن الذات وعن المعرفة وعن المعنى لم يكن يوماً سؤالاً أكاديمياً محايداً بل كان دائماً سؤالاً أخلاقياً بالدرجة الأولى، سؤالاً عن كيف ينبغي أن يعيش الإنسان وعن التزاماته تجاه الآخرين وعن مسؤوليته في عالم لم يعد يقبل الأعذار المتعالية. وهنا نجد أنفسنا مضطرين إلى استحضار صوت آخر، صوت ربما يكون الأكثر إنسانية في هذا المشهد الفلسفي المزدحم، صوت إيمانويل ليفيناس ذلك المفكّر الذي استعاد الأخلاق من تحت أنقاض الأنطولوجيا وأعاد الاعتبار للغير بوصفه ذلك المدخل الحقيقي إلى المعنى، ليس معنىً نعرفه أو ننتجه بأنفسنا بل معنىً يأتينا من الخارج، من وجه الآخر، من تلك الدعوة إلى المسؤولية التي تسبق كلّ وعي وكلّ اختيار. ففي حين كانت الفلسفة الغربيّة من أفلاطون إلى هايدغر، تركز على الوجود وعلى الذات وعلى الفهم، جاء ليفيناس ليقلب المعادلة ويصرّح بأنّ الأخلاق هي الفلسفة الأولى وأنّ العلاقة مع الآخر هي التي تشكّل الحدث الأساسي للوجود، حدثاً لا يمكن اختزاله إلى معرفة أو إلى إنتاج معنى بل هو استقبال، هو انكشاف، هو استجابة لدعوة لا تنتظر ردّنا. فالذات عند ليفيناس ليست كائناً يختار معناه ولا كائناً يعرف نفسه ويعرف العالم بل هي كائن مسؤول، مسؤول مسؤولية لا نهائية، مسؤول حتى عن مسؤولية الآخر، أي أنّها كائن يُستدعى إلى وجوده من خلال نداء الغير فلا هي حرة بالمعنى الوجودي التام ولا هي عارفة بالمعنى الإبستمولوجي المحض بل هي أسيرة للأخلاق التي تفرض نفسها عليها من خارجها وتجعل منها رهينة للآخر قبل أن تكون مالكة لنفسها. وهذا التحوّل الليفيناسي وإن بدا وكأنّه يعيد للذات نوعاً من الثبات من خلال إلزامها الأخلاقي فإنّه في الحقيقة يعمّق أزمة إنتاج المعنى لأنّه يعلن أنّ المعنى الحقيقي ليس ما نصنعه بل ما نستقبله في وجه الآخر ليس ما نعرفه بل ما نتحمّل تبعته، ليس ما يريح ضمائرنا، بل ما يزعجها ويقلقها ويجعلها في حالة من الاستنفار الأبدي. ومن ثمّ فإنّ الانتقال من الذات العارفة إلى الذات المنتجة للمعنى لا يكتمل إلّا بهذه القفزة النهائية إلى الذات المسؤولة أي الذات التي تدرك أن إنتاج المعنى دون أخلاق هو مجرّد تمرين على التمركز حول الذات وهو في نهاية المطاف إعادة إنتاج للعنف ذاته الذي كانت تحاول التخلّص منه حين نبذت الموضوعية الباردة والميتافيزيقا القاسية.
أمّا الآن وقد استوفينا هذه الرحلة المضنية عبر مراتب التحوّل الفلسفي من يقين ديكارت عبر تركيب كانط وصيرورة هيغل، مروراً بنقد نيتشه ووجود هايدغر وانتهاءً بتفكيك فوكو ودريدا ومسؤولية ليفيناس، فما الذي نستطيع أن نستنتجه عن مصير الإنسان في هذا الأفق الجديد؟ ما هي صورة الإنسان التي تخرج من هذه المعمعة الفكرية بعد أن تطايرت عنها أقنعة العرفان والإنتاج والتفكيك؟ ربّما كان الخلاصة الأعمق هي أن الفلسفة الحديثة بكلّ تحوّلاتها لم تكن في النهاية إلّا محاولة متواصلة لقول شيء واحد، إنّ الإنسان ليس كائناً يتّسم بأيّ صفة ثابتة ولا حتّى صفة عدم الثبات ذاتها بل هو حدث، حدثٌ يتحقّق في تلك الفجوة بين ما يعرفه وما لا يعرفه، بين ما ينتجه وما ينفلت من إنتاجه، بين ما يريده وما يُفرض عليه، بين ما يحلم به وما يخونه الواقع. الإنسان في فلسفة اليوم هو ذلك الكائن الذي اكتشف أنه يعيش في عالم لا معنى له إلا المعاني التي يخترعها ولكنه اكتشف أيضاً أن اختراع المعاني ليس فعلاً إرادياً بحتاً بل هو استجابة لظروف تاريخية ولغوية واجتماعية ونفسية لا يتحكّم فيها وأنّه حين يخترع معناه فهو في الحقيقة يعيد إنتاج تلك الظروف ويؤكّد تبعيّته لها وكأنّه يرقص في قفص لا يراه ويغنّي بكلمات ليست له ويتوهّم أنّه حرّ لأنه يحرّك قدميه على إيقاعٍ هو الذي اختاره متناسياً أنّ الإيقاع نفسه قد اختير له من قبل قوى لا يراها.
عند هذه النقطة بالذات حيث تتراكم الأنفاس وتتقطّر المعاني نكتشف أنّ ثمّة باباً آخر يطرق نفسه بنفسه، يدعونا إلى ولادةٍ دائمةٍ للدهشة ويمدّ في عمر الحيرة ما يجعله أبديّاً. لأنّ الفلسفة حين بلغت هذه المرحلة من التواضع والوعي بحدودها لم تعد تمنحنا مذاهب جامدة نستريح إليها ولا حقائق محكمَة نستند عليها بل صارت تمنحنا تلك الشجاعة النادرة لأن نعيش في قلب السؤال، لأن نتحمّل وطأة الغموض، لأن نكتب معنى حياتنا ونحن نعلم أن الريح ستمحوه ولكنّنا نكتبه برغم ذلك، لأنّ في الكتابة ذاتها وفي فعل الإصرار على المعنى رغم العبث، قيمة لا تضاهيها أيّ قيمة أخرى. إنّ الإنسان الذي ولد من رحم هذه الفلسفة المضطربة هو إنسان يعرف أنّه لا يعرف ولكنه لا يكتفي بهذا الجهل بل يحوّله إلى محرّك للبحث وإلى دافع للخلق وإلى مصدر للدهشة التي تبقيه حيّاً. وهو يدرك أيضاً أنّ هذا الخلق ليس منفرداً بل هو خلق مشترك، خلق يتحقّق في الآخر ومع الآخر ومن أجل الآخر لأنّ المعنى الذي لا يتّصل بالآخر هو معنىً أصمّ لا يسمع نفسه ومعنى لا يكون معنىً إلّا حين يلقى من يتلقّاه ويحوّله من جديد. ولعلّ هذه هي أعظم هديّة قدّمتها الفلسفة الحديثة للإنسان، لقد حرّرته من ديكتاتورية الحقيقة المطلقة ومن طغيان اليقين الأعمى ومن هيمنة النماذج الجامدة، ولكنها في المقابل كلّفته ثمناً باهظاً، هو ثمن الحرية نفسها أي ثمن القلق الأبدي والشك الدائم والمسؤولية الثقيلة والعزلة التي لا تستكين إلى أحد والتي لا تجد عزاءها إلّا في فعل البحث المتواصل عن المعنى، ليس لكي تجده بل لكي تبقى في حالة بحث دائمة لأنّ البحث ذاته بل لأنّ الرحلة ذاتها هي الآن صارت هي المعنى.
وحين نقف على شاطئ الفلسفة الحديثة متأمّلين هذا التحوّل العميق الذي انتقل بنا من الذات التي تظنّ أنّها تعرف إلى الذات التي تظنّ أنّها تنتج ثمّ إلى الذات التي تكتشف أنّها تُنتج ثمّ إلى الذات التي تكتشف أنها ليست ذاتاً بالمعنى التقليدي بل هي محطّة ترحال وعقدة علاقات ونقطة التباس بين أصداء الماضي وانفتاح المستقبل فإنّنا لا نقف على نهاية بل نقف على ما يشبه المنحدر الذي منه تنطلق كلّ البدايات. الإنسان في هذه الصورة الجديدة ليس إلهاً مخلوقاً على صورته ولا حيواناً عاقلاً ولا كائناً يبحث عن المعنى بل هو ذلك الوجود الذي يعيش في رحم التناقض بين رغبته في الاستقرار ووضعه في عدم الاستقرار، بين حاجته إلى المعنى وقدرته على تشكيله، بين انتمائه إلى الماضي وتطلّعه إلى المجهول. وهو في هذا كله يظلّ سؤالاً مفتوحاً لا جواب له ولعلّ سرّ جماله وسرّ مأساته وسرّ عظمته كلّها تكمن في هذا العجز عن أن يحصر نفسه وفي هذا الإصرار على أن يكون أكثر من كلّ تعريف وفي هذه المغامرة العظيمة التي يخوضها حين يقرّر أن يعيش من دون أمان وأن يكتب على الماء كلماته التي لن تدوم ولكنّها في كلّ مرّة تعيد تشكيل ملامح الماء نفسه. ومن هنا فإنّ القول الأخير الذي يمكننا أن ننطق به بعد كلّ هذه الرحلة هو أنّ الإنسان الحديث ذلك الإنسان المحكوم عليه أن يكون منتجاً لمعناه في أفق العبث والموت هو في الوقت نفسه الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يحوّل هذا العبث إلى أغنية وهذا الموت إلى حافز للحياة وهذا الفراغ إلى لوحة تتسع كلّ يوم لمعنى جديد، معنى لا يدّعي الخلود ولا يسعى إلى النهاية بل يكتفي بأن يكون في لحظته العابرة حقيقة مضيئة كافية لإضاءة طريق عابر في ليل فلسفي طويل لا نهاية له.
***
د. حمزة مولخنيف







