عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

غالب المسعودي: جدليةُ الأخلاقِ من أعلى والأخلاقِ من أسفل

دور الغريزةِ والعدالةِ البدائيةِ في تأصيلُ التوتاليتارياتِ الحديثة

تُشكّلُ الأخلاقُ الإنسانيةُ نقطةَ التقاءٍ فريدةً بين قوانينِ الطبيعةِ الحتميةِ والإنشاءاتِ الثقافيةِ المتعالية. فالإنسانُ، في جوهرِهِ، كائنٌ ذو "وجودٍ مزدوج"؛ فهو عضويّةٌ ماديةٌ خاضعةٌ للتطور، وذاتٌ رمزيةٌ تُعيدُ صياغةَ محيطِها عبر الفكر. إنَّ هذا التداخلَ يفرضُ ضرورةَ إجراءِ مقاربةٍ تفكيكيةٍ تكشفُ التوترَ الكامنَ بين الأخلاقِ التطوريةِ والأخلاقِ الثقافية، وتستقصي الصراعَ الأزليَّ بين الغرائزِ البدائيةِ ومتطلباتِ الارتقاءِ الحضاري. إنَّ هذا المسارَ الجدليَّ ليس مجردَ تأريخٍ للسلوك، بل هو كشفٌ عن كيفيةِ توظيفِ هذه البُنى الأخلاقيةِ لتأسيسِ الأنظمةِ الشموليةِ المعاصرة، حيثُ يتمُّ استحضارُ "العدالةِ البدائية" لخدمةِ غاياتٍ سلطويةٍ مطلقة.

التوتر الأنطولوجي بين الأخلاق التطورية والأخلاق الثقافية

تتأسسُ "الأخلاقُ التطوريةُ" على حتميةٍ ماديةٍ تجعلُ من السلوكِ القيميِّ انعكاساً آلياً لعملياتِ الانتقاءِ الطبيعي؛ إذ يُنظرُ للفضائلِ -كالإيثارِ والتعاونِ- كاستراتيجياتٍ نفعيةٍ تهدفُ إلى تأمينِ ديمومةِ المادةِ الوراثية. وفي هذا النسقِ، يغدو الفردُ مجردَ "أداةٍ وظيفيةٍ" تنتهي قيمتُها بانقضاءِ مهمتِها التكاثرية. هذه الرؤيةُ ليست مجردَ تفسيرٍ علمي، بل هي انزياحٌ أيديولوجيٌّ يختزلُ الوجودَ الإنسانيَّ في حلبةِ صراعٍ حيويّ، حيثُ يُشرعنُ التطفلُ والاستحواذُ وإقصاءُ الضعيفِ كضروراتٍ وجوديةٍ لضمانِ "بقاءِ الأصلح". إنَّ الأخلاقَ هنا تفقدُ قدسيتَها لتصبحَ مجردَ "ميكانيكا للبقاء".

في مقابلِ هذا الحتمِ البيولوجيِّ المتوحش، تبرزُ "الأخلاقُ الثقافيةُ" بوصفِها الترياقَ الوجوديَّ الوحيد؛ فهي منظومةٌ تنبثقُ من التوريثِ الرمزيِّ والمعرفةِ العابرةِ للأجيال، مما يسمحُ للإنسانِ بتشييدِ "مكانةٍ بيئيةٍ ثقافيةٍ" تتسامى على غريزةِ البقاءِ المباشر. إنَّ الرعايةَ الإنسانيةَ للمُسِنِّ أو العاجزِ، والتي تفتقرُ لأيِّ منطقٍ بيولوجيٍ نفعيّ، تُعدُّ البرهانَ الساطعَ على أنَّ الإنسانَ كائنٌ "يخلقُ قيمتَهُ" ضدَّ تدفقِ الطبيعةِ الخام. ومع ذلك، فإنَّ هذا الصراعَ بين "البيولوجيِّ" كحتميةٍ صلبة، و"الثقافيِّ" كإرادةٍ متسامية، يظلُّ هو المولدَ الأولَ للاغترابِ الإنساني؛ إذ تظلُّ النفسُ البشريةُ ممزقةً بين نزوعِها الغريزيِّ نحو الاستحواذِ، وتوقِها الروحيِّ نحو العدالةِ المطلقة، وهو ما يخلقُ فجوةً تتسللُ منها السلطويةُ لتقديمِ حلولٍ زائفة.

قراءة في الأيديولوجيا السيكولوجية والبيولوجية

لا يمكنُ فهمُ نزوعِ المنظوماتِ السلطويةِ نحو الشموليةِ دون الغوصِ في أيديولوجيا "القمعِ السيكولوجي". ففي أطروحتِهِ "قلقٌ في الحضارة"، يضعُ سيجموند فرويد يدَهُ على الجرحِ الوجوديِّ الأول: إنَّ الحضارةَ لا تقومُ إلا على حسابِ غريزةِ الإنسان. هذا "الاغترابُ القسريُّ" الذي يُجبرُ الفردَ على التنازلِ عن إشباعِهِ الحرِّ مقابلَ الأمنِ الموعود، يُولّدُ توتراً نفسياً مزمناً. إنَّ الدولةَ الشموليةَ تستثمرُ في هذا التوتر؛ فهي لا تكتفي بكبحِ الغريزة، بل تُعيدُ توجيهَ طاقاتِ الفردِ لخدمةِ "صنمِ السلطة"، محولةً "الأنا الأعلى" من رقيبٍ أخلاقيٍّ داخليٍّ إلى سلطةٍ خارجيةٍ مطلقةٍ تتغلغلُ في أدقِّ تفاصيلِ الوجودِ الإنساني.

في هذا السياق، يطرح المفكر مالك بن نبي رؤية مكملة تبين أن التجديد الحضاري يصطدم دائماً بموانع ذات طابع حيوي ونفساني واجتماعي والذي يُشخِّصُ تعثرَ التجديدِ الحضاريِّ بكونِهِ ناشئاً عن عجزِ الفردِ عن التوفيقِ بين "الغرائزِ الحيويةِ" و"مستلزماتِ البناءِ الفكريّ"، وتلتقي هذه الرؤية مع نقد فريدريش نيتشه للأخلاق التقليدية، حيث هاجم القيم السائدة واعتبرها عوائق تقمع إرادة القوة وتمنع الإنسان من عيش تجربته الوجودية الكاملة والثرية. مع نقدِ نيتشه للأخلاقِ السائدةِ بوصفِها "أخلاقَ عبيدٍ" تئدُ إرادةَ القوة. إنَّ الشموليةَ هنا لم تأتِ من فراغ؛ بل استغلت هذا الفراغَ الروحيَّ والارتباك السيكولوجيَّ لتنصيبِ نفسِها بديلاً وجودياً، يمنحُ الفردَ شعوراً كاذباً بالانتماء، بينما تسلبهُ في الواقعِ جوهرَ إنسانيتِهِ وتُحيلُ وجودَهُ إلى مجردِ ترسٍ في آلةِ الدولةِ العظيمة التي لا تعترفُ بالفردِ إلا كقيمةٍ نفعيةٍ خاضعةٍ لرقابةِ المركز.

العدالة البدائية وتطور الأحكام

تُمثل "العدالةُ البدائيةُ" الطورَ الجنينيَّ لِما نسميه اليومَ بالقانون؛ حيثُ تماهت مع الانتقامِ الفرديِّ والثأرِ الدمويِّ وسيلةً وحيدةً لاستعادةِ "توازنِ الشرفِ" المفقود. كان العنفُ حينها هو المعيارَ الوحيدَ لفضِّ النزاعاتِ وحمايةِ الامتيازاتِ القبلية، تحركُها سيكولوجيةٌ بدائيةٌ تتغذى على وهمِ "العالمِ العادل"، حيثُ يُفترضُ أنَّ تدميرَ الخصمِ هو السبيلُ الوحيدُ لإعادةِ ضبطِ الميزانِ الكوني.

مع تعقّدِ البنى الاجتماعيةِ وتطورِ الحياةِ الحضرية، باتَ نظامُ الثأرِ المفتوحِ خطراً يهددُ المجتمعاتِ بالانحلال. هنا، حدثَ التحولُ النوعيُّ؛ إذ فوّضت القبائلُ سلطةَ العقابِ إلى زعماءَ وقضاة، لتتحولَ العقوبةُ من "فعلِ انتقامٍ ماضويّ" يرضي نزواتِ الضحيةِ إلى "إجراءٍ عقلانيّ" يستهدفُ الاستقرارَ العام. هذا الانتقالُ المفصليُّ يتجلى بوضوحٍ في "أوريستيا" إيسخيلوس؛ حيثُ استُبدلت "إيرينيات" الثأرِ بمحكمةٍ مدنيةٍ تُعلي صوتَ العقلِ على صوتِ الدم. إلا أنَّ هذا التطورَ -رغمَ طابعِهِ الحضاريِّ- حملَ في طياتِهِ بذورَ نكوصٍ جديد: فقد أعادت الأنظمةُ الشموليةُ لاحقاً استدعاءَ جوهرِ العدالةِ البدائية، لكنّها ألبستها رداءَ المؤسساتِ القانونيةِ لتكونَ أداةً طيعةً في يدِ السلطة، محولةً الدولةَ إلى "منتقمٍ مطلقٍ" لا يهدفُ للحقِّ بقدرِ ما يهدفُ إلى إخضاعِ الفردِ تحت طائلةِ قانونٍ وُضع أصلاً لتصفيةِ المخالفين وقمعِ كلِّ خروجٍ عن الرؤيةِ الرسمية.

استلابُ الحق: من "الداروينية الاجتماعية" إلى هندسةِ الشمولية

لقد انحدرتِ الرأسماليةُ الصناعيةُ في لحظةِ تأزمِها نحو "الداروينيةِ الاجتماعيةِ" لِهربرت سبنسر، باحثةً عن غطاءٍ علميٍّ زائفٍ لتبريرِ التفاوتِ الطبقيِّ الصارخ. لم تكن هذه الأطروحةُ مجردَ تفسيرٍ اقتصادي، بل كانت عقيدةً أخلاقيةً تُؤلّهُ "قانونَ الغابة"؛ حيثُ صارَ تركُ الفقراءِ والمستضعفين لمصيرِهم "ضرورةً طبيعيةً" لارتقاءِ النوع. هذا الإطارُ المعرفيُّ لم يكتفِ بتبريرِ الاستغلالِ الداخلي، بل وفّر المرجعيةَ الأخلاقيةَ الأبرزَ لحركاتِ التوسعِ الاستعماريِّ وإبادةِ الشعوب، بوصفِها "أعراقاً أدنى" لا تستحقُّ البقاءَ أمامَ سطوةِ "الأعراقِ المتفوقة".

هنا نصلُ إلى ذروةِ التفكيكِ السياسيّ؛ إذ لم تقفِ الشموليةُ عند حدودِ التبريرِ الرأسمالي، بل انتقلت مع الفاشيةِ والنازيةِ إلى مستوى "هندسةِ المجتمع". لقد استلهمت هذه الأنظمةُ الداروينيةَ الاجتماعيةَ لا لتبريرِ المنافسةِ الفردية، بل لصياغةِ "دولةٍ بيولوجيةٍ" تُمارسُ العنفَ باسمِ الطهارةِ العرقية. إنَّ تحويلَ المجتمعِ إلى مختبرٍ لـ "تحسينِ النسل" والقتلِ الممنهجِ للمرضى وأصحابِ الإعاقات، لم يكن مجردَ انحرافٍ أخلاقيّ، بل كان التجسيدَ الأقصى لـ "الأخلاقِ البدائية" التي استعادتها السلطةُ لتُشرعنَ تصفيةَ "العناصرِ غيرِ الصالحة". لقد دمجت الأنظمةُ الشموليةُ بين "عقلانيةِ المؤسسة" و"وحشيةِ الغريزة"، مستندةً إلى تنظيراتِ كارل شميت وجيوفاني جينتيلي، التي جعلت من الدولةِ "تجسيداً مطلقاً للحق". بهذا، أصبحتِ الدولةُ هي "المحتكرُ الحصريُّ للسيادة"، تمارسُ القمعَ ليس كفعلٍ إجراميّ، بل كـ "واجبٍ وجوديٍّ" لحمايةِ نقاءِ الجماعة.

 الخاتمة - النقد السياقي المنهجي

إنَّ هذا المسارَ الجدليَّ الذي تتبعناه؛ من فوضى العدالةِ البدائيةِ إلى مأسسةِ العنفِ في التوتاليتارياتِ الحديثة، يكشفُ عن حقيقةٍ مفزعة: إنَّ الشموليةَ ليست "عرضاً طارئاً" في مسارِ الحضارة، بل هي التعبيرُ الأكثرُ توحشاً عن نزوعِ السلطةِ لإعادةِ تفعيلِ الغريزةِ القمعيةِ تحتَ غطاءِ القانون. إنَّ الرأسماليةَ المعرفيةَ المعاصرةَ، التي تختزلُ الإنسانَ في "بياناتٍ رقميةٍ" وتخضعُ وجودَهُ لمنطقِ "الخوارزميةِ والربح"، لا تختلفُ في جوهرِها عن النازيةِ في نظرتِها للفردِ كمجردِ "مادةٍ خامٍ" قابلةٍ للاستبدالِ أو الإلغاء. إنَّنا نعيشُ اليومَ عصرَ "الشموليةِ الناعمة"؛ حيثُ لم تعدِ الدولةُ بحاجةٍ إلى معسكراتِ الاعتقالِ الماديةِ لفرضِ هيمنتِها، بل أصبحت تمارسُ الإخضاعَ عبرَ "برمجةِ الرغبة" وتدجينِ الوعي، حيثُ صارَ الإنسانُ مراقباً ومستلباً داخلَ فضاءٍ رقميٍ لا يرحم.

إنَّ نقدَنا هذا ليس مجردَ تمرينٍ فكريٍّ في الفلسفةِ السياسية، بل هو دعوةٌ ملحةٌ لفكِّ الاشتباكِ بين الإنسانِ كذاتٍ حرةٍ وبين النسقِ الذي يسعى لابتلاعه. إنَّ استعادةَ إنسانيةِ الإنسانِ تبدأُ من رفضِ اختزالِ الوجودِ في حتمياتٍ بيولوجيةٍ أو رقمية، ومن الإيمانِ بأنَّ العدالةَ الحقيقيةَ لا تولدُ من "توازنِ القوى" أو "قوانينِ الغابة"، بل تولدُ من لحظةِ اعترافِنا بأنَّ الآخرَ ليس عدواً بيولوجياً يجبُ استئصالُه، بل هو شريكٌ وجوديٌّ في حقلِ الحريةِ الذي نحاولُ، بكلِّ ما أوتينا من فكرٍ ومقاومة، أن نحميه من التآكلِ المستمر، ومن صقيعِ الشمولياتِ التي لا تكفُّ عن التجددِ تحتَ مسمياتٍ جديدة.

***

غالب المسعودي