أقلام فكرية
غالب المسعودي: أزمة المثقف في مختبر الشرق الأوسط
تحت هيمنة الخطاب الرأسمالي وصراعات القوى العظمى
يمثل الشرق الأوسط في اللحظة التاريخية الراهنة مختبراً جيوسياسياً ومعرفياً فريداً لتجليات الرأسمالية المتأخرة، حيث لم تعد المنطقة مجرد ساحة للصراعات العسكرية التقليدية، بل تحولت إلى بؤرة تتكثف فيها التناقضات الفلسفية والوجودية للعالم المعاصر. إن التداخل المعقد بين الهويات المتصارعة والتدفقات المالية العالمية يخلق بيئة تتسم بـ "السيولة" المطلقة، وهي الحالة التي وصفتها أدبيات ما بعد الحداثة، لكن الواقع المعاصر في المنطقة تجاوزها نحو تعقيدات أعمق تتطلب أدوات تحليلية تنتمي لما يُصطلح عليه بـ "ما بعد ما بعد الحداثة" أو "الميتا حداثة". إن التحدي المعرفي الراهن لا يكمن فقط في نقد السياسات الاقتصادية، بل في فهم الكيفية التي استطاع بها النظام الرأسمالي العالمي تحويل "الأزمات" و"الفشل المؤسساتي" و"التطرف" من عوائق أمام التوسع الرأسمالي إلى أدوات وظيفية تضمن استدامة الهيمنة وتدفق الأرباح بعيداً عن الاستقرار المجتمعي.
التأصيل الفلسفي للمصطلح النقدي وتحولات الميتا حداثة
دخل العالم، وفي قلبه منطقة الشرق الأوسط، مرحلة ثقافية وفلسفية جديدة تتجاوز حالة "التعب" التي خلفتها مدرسة ما بعد الحداثة بمصطلحاتها التفكيكية وتشكيكها الدائم في اليقينيات. فإذا كانت ما بعد الحداثة قد قامت على تقويض السرديات الكبرى مثل التقدم والعقلانية الكونية، فإن مرحلة "الميتا حداثة" تبرز كرد فعل على حالة "اليأس" والعدمية والنسبية المطلقة التي تركت الإنسان المعاصر بلا بوصلة. وتتميز هذه المرحلة بمحاولة الجمع بين "سخرية" ما بعد الحداثة و"صدق" الحداثة، حيث يتم استبدال التهكم الساخر برغبة واعية في بناء "حقائق" شخصية ومجتمعية تمكن الأفراد من العيش في عالم يكتنفه الغموض والسيولة.
في السياق الشرق أوسطي، يتجلى هذا التوجه الفلسفي في الحركات التي تسعى لاستعادة الهوية والأصالة لا كعودة للماضي، بل كفعل مقاومة ضد "التسليع" الرأسمالي الذي حول كل شيء، بما في ذلك الدين والقيم الروحية، إلى منتجات استهلاكية خاضعة لمنطق السوق. إن الانتقال من (ما بعد الحداثة) إلى (الميتا حداثة) ليس مجرد تتابع زمني، بل هو تحول في "مزاج" التفكير العالمي تأثر بشكل حاد بالحروب في الشرق الأوسط والأزمات المالية العالمية، وهي الأحداث التي كشفت عقم النسبية في مواجهة العنف المادي والفقر والتهميش.
التشكيك والعداء...! الواقعية النقدية بين اليقظة
تشير التحليلات إلى أن الممارسة المعرفية النقدية في عصر الميتا حداثة ترفض "التصالح الساذج مع الواقع" الذي تروج له الخطابات النيوليبرالية تحت مسمى "الواقعية". بدلاً من ذلك، تسعى هذه الممارسة لإيجاد "تركيبة" تجمع بين الرؤية الكلية للسرديات الكبرى وبين التفاصيل الدقيقة للتجارب المحلية، وهو ما يمنح الثقة في دراسة النصوص والظواهر السياسية بعيداً عن الشك المرضي، مما يمكن من بناء استراتيجيات مقاومة فعالة ضد الهيمنة الرأسمالية.
السياسة الرأسمالية في الشرق الأوسط
لا يمكن استيعاب السياسة الرأسمالية في الشرق الأوسط بمعزل عن الفشل البنيوي لنموذج "الدولة القومية" الذي فُرض قسراً على المنطقة، وهو نموذج اصطدم بحقائق جغرافية وتاريخية مغايرة للسياق الغربي. الرأسمالية في نسختها المعاصرة (المتأخرة) لم تعد تسعى بالضرورة لإنشاء دول قوية ومستقرة؛ بل وجدت في "الدولة الرخوة" بيئة مثالية لتعظيم الأرباح وضمان التدفق الحر لرأس المال بعيداً عن قيود القانون والسيادة الوطنية.
آليات الهيمنة وتوظيف الفشل المؤسساتي
تعتمد الرأسمالية المتأخرة على استراتيجية تحويل الأزمات إلى أدوات وظيفية، حيث يتم استثمار "الفشل" لضمان التبعية المستمرة للمركز الإمبريالي. وتتجلى هذه الآليات في:
خصخصة الأزمات: تحويل المشاكل الاجتماعية (مثل الفقر والبطالة) من مسؤولية الدولة إلى مشكلات فردية يحلها الفرد عبر القروض أو العمل غير المهيكل.
إضعاف البنى التحتية: سياسات التقشف التي تفرضها المؤسسات المالية العالمية تؤدي إلى تآكل الخدمات العامة، مما يفسح المجال للشركات الكبرى للسيطرة على قطاعات الصحة والتعليم.
عولمة التطرف: استخدام الجماعات المتطرفة كذريعة للتدخل العسكري الدائم وتبرير بقاء القوى العظمى كضامن للأمن، بينما يتم استنزاف الموارد المحلية.
توضح الأدبيات النقدية أن تقدم "المركز" الرأسمالي يحتم تخلّف "المحيط" (مثل دول الشرق الأوسط)، وأن هذا النظام يقوم على التبادل غير المتكافئ الذي يؤمن نقل الفائض الاقتصادي من المناطق التابعة إلى المراكز العالمية. هذا المسار يجعل من المستحيل على الدول الطرفية أن تكرر إنجازات الرأسمالية المركزية، بل تظل محصورة في نموذج "الرأسمالية الطرفية" التي لا تنتج تنمية حقيقية، بل تعمق التبعية.
أزمة المثقف في إطار هيمنة الخطاب الرأسمالي
يعيش المثقف العربي اليوم أزمة مزدوجة؛ فهو من جهة يواجه تهميشاً سياسياً قسرياً، ومن جهة أخرى يجد نفسه محاصراً بآليات الخطاب الرأسمالي الرقمي الذي حول المنتج الثقافي إلى "بضاعة" سريعة الاستهلاك. لقد أعادت التكنولوجيا تشكيل دور المثقف، حيث بات مطالباً بإتقان الأدوات الرقمية للمنافسة في فضاء تسيطر عليه الخوارزميات التي تمنح الأولوية للمحتوى السطحي والترفيهي على حساب النقد الرصين.
تتجلى أزمة المثقف في عدة أبعاد جوهرية:
الانفصال عن الواقع: عدم قدرة النخبة المثقفة على توقع أو توجيه التحولات الكبرى مما أدى إلى فقدان الثقة الشعبية بالخطاب النخبوي.
الاستقطاب الإيديولوجي: الوقوع في فخ الثنائيات القديمة (علمانية مقابل إسلام سياسي)، مما جعل المثقف عاجزاً عن قراءة التناقضات الطبقية والاقتصادية العميقة التي تفرضها الرأسمالية المتأخرة.
الارتهان للسلطة أو السوق: غياب المنصات الثقافية المستقلة دفع الكثيرين للتبعية إما للأنظمة السياسية أو للمؤسسات الممولة خارجياً، مما أفقد الخطاب الثقافي أصالته وقدرته على المواجهة.
التزييف العميق واقتصاد الانتباه: تحديات 2026-2025
مع دخولنا عام 2025، تبرز تحديات جديدة ترتبط بـ "التزييف العميق بمقاييس صناعية"، حيث يتم إنتاج وسائط مفبركة لخلق ما يسمى "عائد الكذاب"، وهو إرباك القدرة المجتمعية على التمييز بين الحقيقي والمزيف. هذا الوضع يضع المثقف أمام مسؤولية استعادة "الحقيقة" في عصر "البنائية الرقمية"، حيث لم يعد الكهف الذي وصفه أفلاطون حجرياً، بل رقمياً تضيئه الشاشات وتتحكم في ظلاله خوارزميات غير مرئية.
إن كشف آليات الهيمنة في هذا السياق ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لتحرير الوعي الجمعي من "النسبية المطلقة" التي تجعل كل شيء ممكناً وبالتالي تجعل التغيير مستحيلاً.
انعكاس صراع القوى العظمى على ساحة الشرق الأوسط
يمثل عام 2025 لحظة تاريخية فارقة، حيث تعيد القوى الدولية (الولايات المتحدة، الصين، وروسيا) رسم خرائط النفوذ والتحالفات في المنطقة. هذا التنافس الجيوسياسي لا ينعكس فقط على المستويات العسكرية والاقتصادية، بل يمتد ليشمل "البنية الثقافية" و"الخطاب المعرفي" في المنطقة، حيث يتم استثمار الصراعات المحلية لخدمة الأهداف الاستراتيجية للقوى الكبرى.
تتميز السياسة الدولية الراهنة بـ "عجز القيادة العالمية" وانكفاء الولايات المتحدة المتزايد نحو التصرف المنفرد، بينما تبرز الصين كلاعب اقتصادي مهيمن عبر مبادرات مثل "الحزام والطريق" التي تربط المنطقة بكتلة اقتصادية آسيوية ضخمة. هذا التحول يخلق حالة من "عدم اليقين" المزمن في الشرق الأوسط، حيث تتداخل الأزمات المحلية مع التنافس على التكنولوجيا والموارد.
البعد الاقتصادي والاجتماعي للهيمنة الرأسمالية المتأخرة: السيولة والاستهلاك
تعتمد الرأسمالية المتأخرة في الشرق الأوسط على تحويل المجتمع من مجتمع "إنتاجي" إلى مجتمع "مدني استهلاكي" سائل. هذا التحول ليس مجرد تغيير في الأنشطة الاقتصادية، بل هو إعادة صياغة للهوية الاجتماعية لتصبح مرتبطة باستهلاك السلع وما ترمز إليه من مكانة، بدلاً من الارتباط بالطبقة الاجتماعية أو الحرفة أو الموقع من الإنتاج.
أثر الرأسمالية الرقمية على البنى الاجتماعية
تتميز الرأسمالية الرقمية (الطور المتأخر) بقدرتها على إعادة تشكيل الفعل الاجتماعي ليصبح شبيهاً بـ "البضاعة الرقمية" التي تتسم بالتدفق والحركة السائلة في المادة والزمن والمكان. في الشرق الأوسط، أدى هذا إلى "سيولة الحدود" وتآكل السيادة الوطنية، حيث يتحرك رأس المال والهجرة والشركات العابرة للحدود بعيداً عن أي رقابة قانونية، مما يضعف الدولة ويحولها إلى "دولة رخوة" بامتياز.
الممارسة النقدية كفعل مقاومة واستعادة للفاعلية
يجب أن تبتعد الممارسة المعرفية النقدية عن "التهكم الساخر" الذي أصبح أداة للنظام، وتتجه نحو "الصدق الجديد" الذي يشتبك مع قضايا الإيمان والمسؤولية الأخلاقية والسياسة والمجتمع بجدية بالغة. إن كشف آليات الهيمنة ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لتحرير الوعي الجمعي من "النسبية المطلقة" التي تجعل كل شيء ممكناً وبالتالي تجعل التغيير مستحيلاً.
في عالم يزداد تعقيداً وانقساماً، تقدم "الميتا حداثة" رؤية عالمية تسعى للجمع بين التفاؤل والجرأة الحداثية وبين التأمل الذاتي والعمق الما بعد حداثي. إنها دعوة لبناء بدائل عملية وفعالة وقابلة للتطبيق في الشرق الأوسط، تتجاوز مجرد "تفكيك ما بناه الآخرون" نحو "بناء ما يحتاجه الإنسان" من كرامة وعدالة وحرية حقيقية.
إن المواجهة مع الرأسمالية في منطقتنا هي، في جوهرها، معركة على "المعنى" وعلى القدرة على تمثيل الواقع وتغييره، وهي معركة لا يمكن كسبها إلا بممارسة نقدية يقظة لا تساوم على الحقيقة ولا تتصالح مع القهر. إن الشرق الأوسط ليس مجرد مختبر للفشل، بل هو ساحة محتملة لولادة "حداثة بديلة" تستعيد كرامة الإنسان وتضع حداً لسيولة الاستلاب الرأسمالي.
***
غالب المسعودي







