أقلام فكرية
غالب المسعودي: تحالف الميتافيزيقيا والسلطة.. الرأسمالية وإعادة تشيؤ الإنسان
استراتيجيات الاستلاب الوجودي في الفضاء المشرقي
في مأزق الكينونة المستلبة: تتبدى إشكالية الكينونة الإنسانية المعاصرة في تأرجحها القلق بين درك "التشيؤ" وأفق "المعنى"؛ وهي معضلة لم تعد ترفاً فكرياً يقتصر على أروقة الفلسفة، بل غدت صرخة وجودية مدوية في وجه تحولات الحداثة التقنية والمادية المشوهة. إن الأزمة الراهنة للإنسان في الفضاء المشرقي لا تنبع فقط من غياب التنمية، بل من عملية "نزع القداسة" عن الكائن البشري وتحويله إلى عنصر وظيفي ضمن تروس الماكينة الرأسمالية.
إن تحليل الدور المحوري الذي تلعبه التصورات الميتافيزيقية التقليدية، حين تتحالف مع المنظومة الرأسمالية، يكشف عن عملية "هندسة أنطولوجية" تهدف إلى صياغة هوية الإنسان بوصفه كائناً مرتهناً للماديات لا حاملاً للقيم. هذا الاستلاب الوجودي يُفرغ الكائن من جوهره الروحي والعقلاني ليلقي به في سجون "الموضعة"، حيث يتم تهميش الرؤى العقلانية لصالح قوى الجمود الفكري ضماناً لديمومة هذا التشيؤ. إننا بصدد تفكيك "مثلث الهيمنة" المتمثل في: رأس المال، السلطة القمعية، والميتافيزيقيا الجامدة، وكيف يشتغل هذا المثلث على وأد الإرادة الحرة.
المرتكزات الأنطولوجية لجوهر التكوين الإنساني
يبدأ فهم الفارق الجوهري بين "الإنسان المعنى" و"الإنسان الشيء" من التمييز الفلسفي الكلاسيكي بين الوجود والماهية. في الفلسفة الوجودية (سارتر وهيدغر نموذجاً)، تُعتبر الكينونة هي فعل الوجود المحض الذي يتسم بالانفتاح والديمومة، بينما تعبر الماهية عن الخصائص التي تجعل الشيء هو ما هو عليه. بالنسبة للجمادات أو "الأشياء في ذاتها"، فإن الماهية تسبق الوجود؛ فالمطرقة محددة بخصائصها الفيزيائية ووظيفتها سلفاً قبل أن توجد في الواقع.
أما بالنسبة للإنسان، فإن جوهر التكوين يتسم بـ "السيولة الوجودية" والقدرة الدائمة على التجاوز؛ حيث "يوجد" الإنسان أولاً كإمكانية محضة، ثم "يصنع" ماهيته عبر اختياراته الواعية وأفعاله الحرة. وهنا تكمن عظمة الكائن البشري: في أنه مشروع دائم الصيرورة.
بيد أن "التشيؤ" يحدث تحديداً حين تُنتهك هذه القيمة الوجودية وتُفرض "ماهية قسرية" مغلقة على الإنسان. في الشرق الأوسط، يواجه الفرد ضغطاً مزدوجاً: ضغط الحاجة المادية الذي يختزله في وظيفة "البقاء"، وضغط الأطر السلطوية التي تعامله كـ "رقم إحصائي" أو "وحدة إنتاجية". هنا، يتم استدعاء التصورات الميتافيزيقية، لا بوصفها أفقاً للسمو الروحي، بل كأدوات "ضبط وتطويع". يُقنع الإنسان بأن فقره أو تهميشه أو حتى "شيئيته" هي قدرٌ مسبق الصنع في لوح الميتافيزيقيا، مما يقتله وجودياً عبر إلغاء قدرته على التجاوز والفعل، ليتحول من "ذات فاعلة" إلى "موضوع منفعل".
الرأسمالية كقوة لتسليع الكينونة واغتراب الذات
لا يمكن فهم سيرورة التشيؤ في المنطقة بمعزل عن تغلغل الرأسمالية الاستهلاكية في بنيتها الاجتماعية. الرأسمالية في جوهرها الفلسفي هي وهذا التي ترى ان العالم كله بما فيه الإنسان كمادة خام قابل للاستغلال، في هذا النظام، يفقد العمل صبغته كفعل خلاق لتحقيق الذات، ليصبح وسيلة للاستلاب.
يتحول الفرد في بيئة العمل الرأسمالية المشرقية إلى "قوة عمل" مجردة، قابلة للقياس الكمي والمبادلة المالية. هذا التشيؤ لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يمتد لينتج ما نسميه "التشيؤ الذاتي". يبدأ الإنسان بتقييم كينونته بناءً على معايير السوق: مظهره، قدرته الشرائية، ومدى رضى المنظومة الاستهلاكية عنه. هذا الضغط يولد "ذاتاً زيفية" منفصلة عن جذورها الأصيلة، مما يسبب فصلاً مؤلماً بين الفرد وجوهره الإنساني.
إن الانتقال من "نمط الكينونة" (أن تكون عبر المعنى والقيمة) إلى "نمط التملك" (أن توجد بقدر ما تملك) هو ذروة الاغتراب الوجودي. الرأسمالية هنا لا تبيع السلع فحسب، بل تبيع "هويات جاهزة" ومعلبة، تحرم الفرد من عناء ولذة البحث عن معناه الخاص، محولةً إياه إلى مستهلك مستلب يعيش في وهم الحرية بينما هو مكبل بسلاسل الرغبات المصطنعة.
التحالف النفعي بين الرأسمالية وقوى التقليد
في قراءة نقدية معمقة، نجد مفارقة مدهشة في سياق الشرق الأوسط؛ فالرأسمالية العالمية حين دخلت المنطقة لم تأتِ كحاملة لقيم الأنوار أو العقلانية التحريرية، بل دخلت كقوة وظيفية تهدف إلى الاستحواذ على الموارد وضمان تدفق الأسواق. لهذا السبب، وجد رأس المال في "قوى التخلف" والمنظومات التقليدية الجامدة حليفاً استراتيجياً مثالياً.
هذا التحالف يقوم على مقايضة ضمنية: الرأسمالية توفر الأدوات التقنية والسلعية التي تضمن الرفاه المادي الشكلي للطبقات المهيمنة، وفي المقابل تقوم قوى التقليد بتوفير "الغطاء الروحي" الذي يضمن امتثال الجماهير. إن هذا التواطؤ يهدف إلى خلق إنسان "مستلب مزدوج":
عبداً لاحتياجاته المادية التي تفرضها السوق الرأسمالية
أسيراً لرؤى غيبية جامدة تعطل قدرته على المساءلة والنقد
إن تغييب الرؤية العقلانية (بمعناها الشامل الذي يضع الإنسان كمركز للقيم) هو مصلحة مشتركة لهذا التحالف. فالعقلانية تشكل خطراً داهماً لأنها تعيد تعريف الفرد بوصفه "ذاتاً حرة" تمتلك حق النقد والاعتراض. لذا، يتم إسناد خطاب "الجمود الفكري" عمداً؛ لأن التخلف الذهني هو التربة الخصبة التي ينمو فيها "الاستلاب الوجودي"، حيث يسهل قياد الشعوب حين يتم تغليف استغلالها بمسوح الميتافيزيقيا المشوهة.
دور السلطة في هندسة "الإنسان الوظيفي"
تظهر السلطة في هذا السياق كقوة هيكلية قادرة على تحويل الكينونة الحية إلى "موضوع للإدارة". في الفكر السياسي السائد في المنطقة، غدا مفهوم السلطة مرتبطاً بـ "الغنيمة" والاستحواذ بدلاً من كونه عقداً اجتماعياً لخدمة الإنسان. عندما تتضخم السلطة وتتغول، تبدأ بممارسة عملية "تشيء" ممنهجة للمواطنين.
يتم ذلك عبر إلغاء مفهوم "المواطنة الفاعلة" واستبداله بـ "الرعية الممتثلة". هنا، يُختزل وجود الإنسان في وظائف محددة سلفاً (جندي، موظف، مستهلك)، ويتم تجريده من كرامته بوصفها قيمة مطلقة لا تقبل المقايضة. تستخدم السلطة تقنيات "التزييف الواعي" لإلهاء الشعوب بمعارك جانبية أو هويات صراعية، لضمان بقائهم في حالة من "الغفلة الأنطولوجية". إن الهدف النهائي هو إنتاج "إنسان مفرغ" من الهم العام، محصور في دائرة البحث عن الأمان المادي الضيق، مما يجعله مادة خام سهلة التشكيل في يد المهيمنين.
سيكولوجية المستهلك المستلب وتفكيك الروابط
يؤدي هذا التحالف إلى تفكيك الروابط الاجتماعية العقلانية لصالح علاقات "السوق" و"المصلحة الأدائية". تتحول سيكولوجية الفرد في هذا الفضاء إلى حالة من القلق الوجودي الدائم؛ حيث يُدفع المرء للشعور بأن قيمته مستمدة حصراً من قدرته على "الاستحواذ".
وبينما تحث الرأسمالية الفرد على التخلي عن أصالته لصالح "النمطية العالمية"، تأتي قوى التقليد لملأ الفراغ الروحي بخطابات عاطفية تعزله عن واقعه العملي. والنتيجة هي ظهور "إنسان مشتت": يستهلك بشراهة ليعوض فقره المعنوي، ويتشبث بالماضي ليعوض ضياع حاضره، لكنه في الحالتين يظل "شيئاً" يتم التلاعب به، عاجزاً عن صياغة مشروع تحرري حقيقي. هذا التشتت هو الضمانة الأكيدة لبقاء المنظومة بعيدة عن أي مساءلة أو تغيير جذري.
نقد الحداثة الرثة والتبعية المعرفية
يعاني الفضاء المشرقي مما يمكن تسميته "الحداثة الرثة"؛ وهي حالة استيراد المنجز التقني والقشري للرأسمالية (الهواتف، السيارات، مراكز التسوق) مع فرض حظر صارم على "روح الحداثة" (النقد، التفكير العلمي، الحرية الفردية). إن الرأسمالية العالمية تفضل هذا النموذج الهجين؛ لأن استيراد "روح الحداثة" يعني المطالبة بالعدالة واستقلال الإرادة، وهي أمور تتعارض مع منطق النهب والهيمنة.
التشيؤ يبلغ ذروته حين يصبح الإنسان في منطقتنا مجرد "مختبر لتجارب الهيمنة" وسوقاً لتصريف الفائض المعرفي والمادي، تحت غطاء من الخطابات التي تزعم الحفاظ على "الأصالة" بينما هي في جوهرها تكرس التبعية العمياء. إن المجتمع الذي يهمش المنطق الفلسفي هو مجتمع يسهل تحويل أفراده إلى "أدوات" في صراعات لا تخدم وجودهم الحقيقي.
البحث عن المعنى كفعل مقاومة وجودية
أمام هذا التغول المادي والسلطوي، يمثل "البحث عن المعنى" المصل الواقي وفعل المقاومة الأخير. إن إرادة المعنى ليست رغبة ثانوية، بل هي القوة الدافعة التي تميز الإنسان عن "الأشياء". إن استعادة الكرامة الإنسانية تبدأ من رفض التحديد المسبق والتحرر من "سجون" التشيؤ الأربعة:
سجن الطبيعة: بالارتقاء فوق الغرائز البيولوجية المحضة
سجن التاريخ: برفض الجمود عند قوالب الماضي التي لا تخدم الحاضر
سجن المجتمع: بمقاومة التنميط القسري والقطيعية
سجن الأنا: بالخروج من التمركز حول الذات الاستهلاكية نحو آفاق القيم الإنسانية الكونية
إن استعادة المعنى تتطلب "نباهة إنسانية" تعيد للفرد قدرته على الاختيار المسؤول، وإدراك أن قيمته لا تُقاس بما يملك، بل بما "يكون" وما يقدمه من أجل الحرية والعدالة.
نحو أفق إنساني متحرر
إن تحليل تعاضد الميتافيزيقيا والسلطة والرأسمالية يكشف عن صراع وجودي عميق يهدف إلى إلغاء "الإنسان الفاعل". ويمكن تلخيص الموقف في ضرورة تبني عقلانية نقدية ترى في "الإنسان" و"كرامته" غاية الغايات، لا مجرد وسيلة لتحقيق أرباح أو تثبيت عروش.
إن العقلانية في سياقنا المشرقي ليست مجرد ترتيب سياسي أو علمانية إجرائية، بل هي "فعل تحرر وجودي" يعيد للإنسان حقه في امتلاك معناه الخاص. في الختام، يظل الإنسان هو "المعنى" الذي يعطي للعالم قيمته؛ والرحلة من "التشيؤ" إلى "الكينونة" هي المهمة الحضارية الكبرى لاستعادة إنسانية الإنسان في عصر التشيؤ الشامل. إننا مدعوون اليوم لنكون "ذواتاً" لا "أشياء"، وفاعلين لا مجرد صدى لإرادات الآخرين.
***
غالب المسعودي







