أقلام فكرية
أسعد عبد الرزاق: من مجتمع الخطاب إلى مجتمع الترشيح
تحوّل السلطة المعرفية في العصر الخوارزمي
بعد الانتقال من الورق إلى الشاشة بفضل التحول الرقمي، ومن المنبر التقليدي إلى المنصة الرقمية، أصبحنا نعيش تحوّل في البنية العميقة لتنظيم المجال العام، والسؤال تحول من : (من يتكلم؟)، إلى: (من يُرى؟)، ومن الذي يقرر ما الذي يُرى؟
لقد عاش العالم الحديث، منذ الطباعة إلى التلفزيون، ضمن ما يمكن تسميته بـ مجتمع الخطاب، إذ كانت السلطة المعرفية تتمحور حول الكلمة، (الكاتب، العالم، الخطيب، المفكر، المؤسسة الإعلامية)، وكان الصراع ظاهرا، يدور بين أطروحات متقابلة، تواجه فيها الحجة بالحجة، ويقاس الانتشار بمدى الإقناع أو النفاذ إلى الجمهور عبر منابر محددة.
ولكن هذا البناء بدأ يتصدع مع صعود المنصات الرقمية، فلم يعد توزيع الأفكار يتم بواسطة محرر أو هيئة تحرير، بل عبر نماذج تنبؤية وخوارزميات ترشيح.. وفي منصات مثل YouTube وFacebook وTikTok، انتقل السؤال المركزي من: (ما الفكرة الأقوى؟)، إلى: (ما الفكرة الأكثر احتمالًا للظهور أمام هذا المستخدم تحديدًا؟).
هنا ننتقل إلى ما يمكن تسميته بـ (مجتمع الترشيح).
وبعبارة أدق (من سلطة المحتوى إلى سلطة الاحتمال).
في مجتمع الخطاب، كانت السلطة أيديولوجية أو معرفية، تتجلى في من يمتلك الحجة أو المنبر، أما في مجتمع الترشيح، فالسلطة حسابية، لأن الخوارزمية لا تناقش الفكرة، ولا تفحص صدقها، بل تحسب احتمالية التفاعل معها، هي لا تسأل: هل هذه الفكرة صحيحة؟ بل: هل ستبقي المستخدم مدة أطول؟ هل ستثير استجابة أسرع؟
بهذا المعنى، انتقلت السلطة من مستوى المحتوى إلى مستوى التوزيع، ولم يعد الإقصاء يتم عبر المنع الصريح، بل عبر تقليل الظهور.. الفكرة قد تكون موجودة، لكنها لا تُعرض.. وهي صورة من صور التهميش الصامت، أخطر من المنع المعلن، لأنه لا يُدرَك بوصفه إقصاء.
إذن إننا أمام انتقال من (صراع بين أفكار) إلى (صراع بين خوارزميات)، إذ الفكرة لا تنتشر لأنها أقوى برهانيًا، بل لأنها أكثر قابلية للانتشار حسابيا حسب عمل الخوارزمية.
تفكك المجال العام:
كان المجال العام في مجتمع الخطاب — رغم اختلافاته — مجالًا مشتركًا نسبيًا، الصحيفة ذاتها يقرأها آلاف، والقناة ذاتها يشاهدها ملايين، أما اليوم، فكل مستخدم يعيش في نسخة مخصصة من العالم، فالخوارزمية تصمم له بيئة معرفية تناسب تاريخه السلوكي.
والنتيجة تتلخص بما يمكن وصفه بـ (تفكك الإدراك الجمعي)، إذ لم يعد الناس يختلفون فقط في آرائهم، بل في المعطيات التي يتلقونها أصلًا، فينشأ وهم الإجماع داخل كل فقاعة معرفية، ويتعزز الاستقطاب، لأن المحتوى الانفعالي أكثر قدرة على توليد التفاعل الذي تكافئه الخوارزمية، فيتحول المجال العام من ساحة تداول إلى سوق انتباه.
معيار الانتباه بدل معيار الحقيقة:
في مجتمع الخطاب، كانت القيمة العليا هي الإقناع، حتى وإن لم يتحقق دائمًا، أما في مجتمع الترشيح، فالمعيار هو جذب الانتباه، فالانتباه سلعة، والخوارزمية تعمل على تعظيمه.
هذا التحول يعيد انتاج بنية الخطاب نفسه، إذ تميل البيانات إلى الاختزال، والمبالغة، والإثارة، لأنها أكثر قدرة على التفاعل السريع، فلا تتغير آلية التوزيع فقط، بل يتغير شكل الفكرة ذاتها، فالخطاب يصبح خاضعا لمنطق تحكم الخوارزمية، لا العكس.
تحوّل مفهوم السلطة
في هذا السياق، لم تعد السلطة المعرفية حكرا على منتج المعنى، بل صارت موزعة بين منتج المحتوى ومهندس الخوارزمية، ومن يمتلك آلية الترشيح يمتلك قدرة هائلة على تشكيل المجال الإدراكي، حتى من دون أن ينتج خطابا مباشرا.
فنحن اليوم أمام انتقال من سلطة الكلمة إلى سلطة المعادلة، ومن مركزية (من يتكلم) إلى مركزية (من يقرر ما يُرى)، وهذه السلطة لا تمارس نفسها عبر الإقناع، بل عبر إعادة ترتيب مجال الإمكان.
وليس الخطر هنا في وجود الخوارزميات ذاتها، بل في لا مرئيتها، فحين لا يُدرك المستخدم أن ما يراه هو نتيجة ترشيح، يظنه تمثيلًا طبيعيا للواقع.
هل انتهى مجتمع الخطاب؟
ليس تمامًا، فالخطاب ما زال قائمًا، لكن داخل بيئة ترشيحية، (المفكر، أو الباحث، أو المؤسسة العلمية)، لم يعد كافيا في أن ينتج معرفة رصينة، بل عليه أن يفهم منطق المنصة التي ستوزعها، أي أن الصراع لم يعد على المعنى فقط، بل على شروط ظهوره.
من هنا يتضح أن التحول ليس تقنيًا فحسب، بل حضاري، إنه يمس مفهوم الحرية، والمسؤولية، والحقيقة ذاتها، ففي مجتمع الترشيح، لا يُقمع الرأي المخالف بالمنع، بل يُضعف احتماله في الظهور، ولا يفرض اتجاه بعينه، بل يُعاد ترتيب البيئة بحيث يصبح اتجاه ما أكثر حضورا من غيره.
إن الانتقال من مجتمع الخطاب إلى مجتمع الترشيح يمثل أحد أعمق تحولات السلطة المعرفية في العصر الحديث، فبعد أن كان الصراع يدور فقط حول ما يُقال، أصبح يدور حول ما يُرى، وبعد أن كانت الهيمنة تتجلى في السيطرة على المنابر، أصبحت في السيطرة على الخوارزميات التي تحدد مسارات الوصول إلى تلك المنابر.
وهذا التحول يفرض علينا إعادة التفكير في مفهوم المجال العام، وفي شروط الحرية الفكرية، وفي مسؤولية المنصات الرقمية بوصفها فاعلا بنيويا في تشكيل الوعي الجمعي، فالوعي في العصر الخوارزمي يتشكل عبر ما يُتاح لنا أن نراه.
السلطة الخوارزمية، في تحوّل مركز القوة المعرفية من الكلمة إلى الكود
السلطة الخوارزمية لا تحتاج أن تتكلم، وتخطب، وتصدر بيانا، لكن يمكنها أن تقرر من يتكلم، ومن يُسمَع، ومن يُدفَع إلى الهامش.
الخوارزمية في أصلها صيغة حسابية لتنظيم البيانات واتخاذ قرارات آلية، لكن الأمر يتجاوز الوظيفة التقنية البحتة عندما تتحول هذه الصيغ إلى أدوات تنظيم المجال العام.
في منصات مثل YouTube وFacebook وTikTok، تقوم الخوارزميات بـ: ترتيب المحتوى، تحديد أولوية الظهور، اقتراح العلاقات، توجيه التفاعل..
بهذا المعنى، تتجكم الخوارزمية في مسارات تداوله، وهنا يكمن جوهر السلطة، فالسلطة الخوارزمية سلطة توزيع، تعمل على تحديد احتمالات ظهوره.
وفي النماذج التقليدية للسلطة، كان المنع ظاهرًا: حجب كتاب، إغلاق صحيفة، منع خطاب، أما في السلطة الخوارزمية، فلا حاجة إلى المنع بل يكفي تقليل الظهور.
فالرأي قد يكون موجودًا، لكنه لا يُعرَض، والفكرة قد تكون متاحة، لكنها لا تصل.
والإقصاء هنا لايحتاج الى الحذف، بل إعادة ترتيب المشهد بحيث يصبح رأي ما أقل احتمالا في الوصول إلى المستخدم، فهي سلطة تعمل عبر الاحتمال لا عبر الحظر.
وهذا النوع من السلطة أكثر تعقيدًا، لأنه لا يثير مقاومة مباشرة، إذ يصعب إدراكه.
والسلطة الخوارزمية لا تسأل عن صدق الفكرة أو قيمتها المعرفية، بل عن قابليتها للتفاعل، معيارها هو الانتباه، والانتباه سلعة في الاقتصاد الرقمي، وهذا التحول يعيد تشكيل طبيعة الخطاب ذاته، إذ تميل البيانات إلى: الاختزال، الإثارة، الاستقطاب، الانفعال، لأنها أكثر قدرة على جذب التفاعل.
وهنا تنتقل القوة من المحتوى العميق إلى المحتوى الجاذب، وتنتقل الهيمنة من من يملك البرهان الأقوى، إلى من يملك القدرة على جذب الانتباه في بيئة مشبعة.
ففي الفضاء التقليدي، كان المجال العام مشتركًا نسبيًا، أما في الفضاء الخوارزمي، فكل مستخدم يعيش في بيئة معرفية مخصصة، فالخوارزمية تبني لكل فرد نسخته من العالم، استنادًا إلى:
سلوكه السابق، شبكة علاقاته، أنماط تفاعله..
والنتيجة هي تفكك المجال العام إلى مجالات موازية، تتعايش دون أن تتقاطع بالضرورة، ينشأ وهم الإجماع داخل كل فقاعة معرفية، ويتصاعد الاستقطاب، لأن الخوارزمية تكافئ المحتوى الأعلى إثارة.
والسلطة هنا تعيد هندسة البيئة بحيث يصبح رأي ما أكثر حضورا من غيره.
تحوّل مفهوم الحرية
في ظاهر الأمر، يبدو المستخدم حرًا؛ فهو يختار ما يشاهده، لكن اختياره يتم داخل نطاق مُسبق التشكيل، فالخوارزمية تحدد له ساحة الإمكان، وهو يختار ضمنها، وهذا لا يعني غياب الإرادة، بل إعادة تنظيم مجالها.
فالحرية لم تُلغَ تماما، لكنها أصبحت مشروطة ببنية ترشيحية غير مرئية، ومن هنا، فإن الوعي ببنية السلطة الخوارزمية يصبح شرطًا لممارسة حرية واعية، لا تلقائية.
وإذا كان العصر الحديث قد أسس لسلطة النص والخطاب، فإن العصر الرقمي يؤسس لسلطة الكود، الكود لا يناقش، ولا يجادل، لكنه يقرر، والتحول العميق يكمن في انتقال مركز القوة من المنتج إلى الموزع، ومن الحجة إلى المعادلة، ومن المنبر إلى المنصة.
وهذا يفرض إعادة التفكير في مفاهيم: المجال العام، المسؤولية الأخلاقية، حرية التعبير، العدالة المعلوماتية..
فالسلطة الخوارزمية ليست محايدة لأنها انعكاس لأهداف اقتصادية، ونماذج عمل، ومعايير تصميم.
والسلطة الخوارزمية ليست طارئة، بل هي البنية التنظيمية للعصر الرقمي، إذ لا تمارس سيطرتها عبر القمع، بل عبر الترشيح، ولا تُقصي بالحذف، بل بتقليل احتمال الظهور للمستخدمين، ولا تفرض الحقيقة، بل تعيد ترتيب المشهد بحيث تبدو بعض الحقائق أكثر حضورا من غيرها.
وفي هذا التحول تتغير طبيعة الصراع المعرفي، وتعاد صياغة العلاقة بين الإنسان والتقنية، بين الحرية والبنية، بين المعنى وآليات ظهوره.
***
د. أسعد عبد الرزاق الاسدي






