أقلام فكرية
غالب المسعودي: فضاءات القطيع في ظل سلطة الشكلانية
التحدي الجوهري لإثبات المعنى
التحول الأنطولوجي: تشهد البنية الوجودية للإنسان المعاصر تحولاً جذرياً يمسُّ ماهية الانتماء وآليات الوعي؛ حيث تبرز "فضاءات القطيع" كظاهرة سوسيولوجية وفلسفية مهيمنة تتغذى على سلطة الشكلانية التقنية والمعرفية. إن الهدف الجوهري لهذا البحث هو تفكيك الآليات التي تحول الفرد من كائن ذي جوهر ومعنى إلى مجرد وحدة رقمية أو اجتماعية تائهة في حالة من "الجمود النمطي". تستعرض هذه الدراسة الجذور الفلسفية لأخلاق القطيع عند نيتشه، ومفهوم الوجود الزائف عند مارتن هايدغر، وصولاً إلى تشريح أزمة المعنى في الفكر العربي المعاصر ومشاريع نقد العقل الإسلامي التي حاولت تقويض هذا الانسداد المعرفي.
التأصيل الأنطولوجي لفضاءات القطيع
تبدأ المقاربة الفلسفية الرصينة لفهم "القطيع" من خلال التمييز الجوهري بين الذاتية الفردية الأصيلة وبين المسار القسري الذي يكرسه العقل الجمعي على الصعد الاجتماعية والسياسية والدينية.
الرؤية النيتشوية وأخلاق الوسطية: إن أبرز ما يميز القطيع، وفق المنظور النيتشوي، هو ميله الفطري والقهري نحو "الوسطية" أو "القدرات المتوسطة". فالقطيع، بطبيعته البنيوية، لا يستطيع تحمل العظمة أو الاستثناء؛ بل يسعى دوماً لتبسيط الأشياء وجعلها مستوية ومألوفة لضمان عدم الضرر وتحقيق الأمان الجمعي. هذا التبسيط يمثل نوعاً من "السياسة الانتقائية" التي تهدف إلى الإبقاء على نموذج بشري واحد: النموذج الذي يتخلى عن تفرده لصالح الاندماج الكامل في الجماعة، وهو ما أسماه نيتشه "تدجين الإنسان".
هايدغر والوجود الزائف في المقابل، يقدم مارتن هايدغر مقاربة وجودية لنسبية الوجود والاغتراب، تراوح بين "الوجود الحقيقي" للفرد بصفاته وجوهره الروحي، وبين "الوجود الزائف" الذي تتلاشى فيه السمات الجوهرية تحت وطأة الهوية الجماعية المجهولة (الهم/الناس). إن الوجود الزائف مع الآخرين هو ما يفرض على الفرد نوعاً من التجانس القهري، متعللاً بمبدأ المساواة لطمس الاختلاف والتميز لصالح السطحية والثرثرة مما يفقد الإنسان قدرته على مواجهة قدره بوعي أصيل.
التحليل السيميولوجي لوعي القطيع: يكشف التحليل السيميولوجي لهذه الظواهر عن تغيرات بنيوية في الوعي الاجتماعي؛ فثقافة القطيع ليست مجرد سلوك جماعي عفوي، بل هي نتاج عملية معقدة لـ "صناعة الذات" داخل قالب أيديولوجي يحول الوهم الفكري إلى واقع ممارس. هذا الوهم يخلق فجوة أيديولوجية في الانتماء، حيث تصبح الممارسة اليومية هي المفهوم البديل عن الأيديولوجيا الواعية، مما يعزز حالة الجمود داخل نمطية "المجتمع القطيعي".
سلطة الشكلانية وتهميش المضمون
تعد الشكلانية إحدى أخطر السلطات المعرفية التي واجهت الفكر الفلسفي والنقدي في العصر الحديث، حيث أدت إلى إزاحة الجوهر لصالح الإطار.
النشأة والتحول: ظهرت الشكلانية الروسية في بداياتها كاستجابة لهيمنة المقاربات النفسية والسوسيولوجية على النقد الأدبي، محاولةً دراسة الأدب كبنية جمالية مستقلة أو "نسق بنيوي" يتضمن عناصر تتفاعل فيما بينها.
علمانية الأدب: ومع ذلك، انحرفت هذه النزعة العلمية الموضوعية لتتحول إلى أداة لـ "شكلنة الأدب"، حيث أصبح المعيار هو "شكل المضمون" لا المضمون ذاته. ومن ثم، تم استبعاد التصورات الأخلاقية والفلسفية والثقافية لصالح مفهوم "الأدبية"، مما أدى إلى قطيعة بين النص ومرجعياته الوجودية.
الانقلاب بين الوسيلة والرسالة
في المجتمعات المعاصرة، لم تعد الشكلانية تقتصر على النقد الأدبي، بل امتدت لتصبح سلطة مهيمنة على الوعي الاجتماعي عبر ما يسمى "الحتمية التكنولوجية".
الشبكة كمرآة للأنا: استناداً إلى نظرية مارشال ماكلوهان "الوسيلة هي الرسالة"، أصبح التركيز ينصب على المنصة والأداة الساحرة بدلاً من القيمة الفكرية للمحتوى. هذا الانقلاب جعل الشبكة العنكبوتية امتداداً للأنا، حيث أصبحت القاعدة الوجودية الجديدة: "أنا على الشبكة، إذن أنا موجود". إن الحضور الرقمي صار هو "الشكل" الذي يمنح الفرد شرعية الوجود، بغض النظر عن مضمون هذا الحضور.
الخوارزميات وصناعة التبعية: أفرزت الثورة الرقمية فضاءات جديدة للسيطرة تتجاوز الأطر الجغرافية التقليدية. الفضاء السيبراني لا تحكمه حدود مادية، بل يقوم على تدفق البيانات وتلاعب الخوارزميات بالنقاش العام. في هذا الفضاء، تبرز ظاهرة "الترند" كمرآة لتحولات عميقة في الثقافة، حيث تتحول القضايا الوجودية المعقدة إلى شعارات مختزلة تفتقر إلى السياق والمعنى الجوهري.
آلية العدوى الاجتماعية والتحكم الرقمي: تقوم الخوارزميات بإبراز المحتوى بناءً على حجم التفاعل، مما يمنحها سلطة في توجيه الانتباه الجمعي. هذا المنطق يؤدي إلى "تآكل العمق" في النقاشات العامة، حيث يمثل الترند تشويهاً للفضاء العام من خلال غياب الحجج الرصينة. إن الأفراد داخل القطيع الرقمي يتحركون ككتلة واحدة تتبع الاتجاه السائد، فيما يُعرف بـ "العدوى الاجتماعية"، حيث ينتقل السلوك الرقمي (إعادة النشر، التعليق) آلياً لمجرد أنه شائع.
أزمة المعنى والعقل القطيعي في السياق العربي
تعيش المجتمعات العربية أزمة معنى حادة ناتجة عن التداخل المشوه بين الانتماءات القومية والدينية والطائفية، مما يجعل الفرد ممزقاً بين هويات متضاربة لا تجتمع على مشروع نهضوي واحد.
العقل الوثوقي واليقينيات الموروثة: يوصف العقل العربي غالباً بأنه "عقل وثوقي"؛ أي عقل مستسلم للإجابات المسبقة واليقينيات الموروثة. إن سيادة "روح القطيع" في الواقع العربي تسلب الفرد استقلاليته، حيث يظل مغموراً بتراث ثقافي متجمد يحول بينه وبين إدراك ذاته كفاعل تاريخي.
نقد العقل "الأرثوذكسي" عند أركون: يميز محمد أركون بين العقل المنفتح والعقل "الأرثوذكسي" أو "المغلق" الذي يرفض التساؤل ويقدس النصوص والتفسيرات البشرية القديمة بشكل يقطع سبل التفاعل النقدي. يرى أركون أن العقل الإسلامي عانى من حالة جمود منذ القرون الوسطى، حيث تم تحجيم التفكير الفلسفي لصالح تفسيرات فقهية قطعية خلقت جداراً من التقديس حولها، مما أنتج "فضاءً قطيعياً" يرفض الاجتهاد والتجديد.
استراتيجيات إثبات المعنى الأصيل
في مواجهة سلطة الشكلانية والقطيع، تقدم الفلسفة الوجودية والتفكيكية مسارات لاستعادة "الأصالة".
1. التفكيك كصيرورة للقبض على المعنى: يرى جاك دريدا أن التفكيك ليس هدماً، بل هو كشف للتشوهات الكامنة في النصوص والوجود. التفكيكية تسعى إلى "تعدد قرائي" ناتج عن التأويل، وتتجه نحو التعدد اللانهائي للمعنى بدلاً من القبض على تعريف مسور. إنها تهدف إلى "تحديث الفكر" من خلال زعزعة كل يقين زائف. ومع ذلك، يجب الحذر من تحول التفكيك في الفكر العربي إلى أداة إيديولوجية جديدة تكرر انغلاق ما تفتك به.
2. الالتزام الوجودي: تركز الوجودية على مفهوم "الالتزام" عند سارتر و"الأصالة" عند هايدغر كوسيلة للتحرر. الالتزام يعني أن الفرد هو صانع معناه الخاص عبر ممارسته العملية في العالم؛ هو مشروع مستمر لا ينتهي إلا بالموت. إن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تطوير ثقافة نقدية قادرة على التعامل مع "اللحظة الجماعية" بوعي، بما يحفظ حرية الفرد ويصون التماسك الاجتماعي.
نحو أفق جديد للمعنى
تتجلى الأزمة الكبرى في الانفصام بين الشكل والمضمون؛ حيث قد تكون المجتمعات هي الأكثر تديناً من حيث "الشكلانية الدينية"، ولكنها الأقل تمثلاً للقيم الأخلاقية والعلمية. إن بناء "الإنسان المواطن الحر" بدلاً من "الفرد التابع الخائف" هو المخرج الوحيد من أزمة المعنى.
في نهاية المطاف، يبقى المعنى هو "المضمون الجوهري" الذي لا يمكن للشكلانية، مهما بلغت سلطتها الرقمية أو الاجتماعية، أن تعوضه. إن إثبات المعنى هو فعل مقاومة مستمر ضد الذوبان في القطيع، وسعي دائم نحو "الأصالة" التي تجعل من حياة الفرد عملاً فنياً فريداً لا يتكرر. إن المجتمع القوي هو ذلك الذي يمنح أفراده القدرة على التوقف، التساؤل، والبحث عن الحقيقة خلف أقنعة الشكل الزائف.
***
غالب المسعودي
......................
المراجع
المسعودي، غالب. (2024). قراءة سيميولوجية في تمزق البنية الذاتية داخل المجتمعات.: asjp.cerist.dz.
مؤسسة هنداوي. نماذج من فلاسفة ما بعد الحداثة (رولان بارت – ميشال فوكو – جيل دولوز).: hindawi.org.
رايس، كمال. من الشكلانية إلى البنيوية؛ مسافة المفهوم والرؤية. مجلة كلية الآداب واللغات، جامعة العربي التبسي، الجزائر.
جريدة الرياض. عقول تائهة وسط الجموع الرقمية. (تحليل ثقافي).
Scribd. تطور المفاهيم الفلسفية من الحداثة إلى ما بعد الحداثة. مسترجع من: scribd.com.






