أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: شظايا المعنى في زمن التيه.. الفلسفة بين أنقاض اليقين وفتنة السؤال

حين نتأمل المسار الطويل للفكر الغربي من لحظاته التأسيسية الأولى إلى تخومه المعاصرة، يتكشف لنا أن الفلسفة لم تكن يوما مجرّد نشاط تجريدي أو لعبة ذهنية مع المفاهيم، بل كانت على الدوام محاولة لبناء أفق كليّ يمنح العالم قابلية للفهم، ويمنح الوجود الإنساني معنىً يمكن العيش في ظله. من أفلاطون الذي أقام الحقيقة في عالم المثل بوصفه مرجعا أعلى لكل ما هو زائل، إلى أرسطو الذي نظم الكينونة في شبكة من العلل والغايات، إلى ديكارت الذي بحث عن يقين لا تهزّه الشكوك، وصولا إلى هيغل الذي رأى في التاريخ تجلّيا للعقل المطلق، كانت الفلسفة في جوهرها فنّ تشييد السرديات الكبرى التي تفسّر العالم وتمنحه بنية ومعنى.

لم يكن المعنى في هذه الرؤية ناتجا عن التجربة الفردية أو عن صدف التاريخ، بل كان يُستمد من نظام يتجاوز الأفراد والوقائع، ويمنحها شرعيتها الأنطولوجية. والإنسان  من حيث هو لا يخلق معنى من فراغ، بل يكتشفه داخل قصة كونية أكبر منه، يجد فيها موقعه ودلالته. كان الوجود قابلاً للفهم لأن له مرجعا، وكان التاريخ معقولا لأن له اتجاها، وكانت الذات ممكنة لأن لها مكانا في بنية كلية.

غير أن القرن العشرين بما حمله من كوارث وتحولات جذرية، سيقلب هذه الصورة رأسا على عقب. فالحربان العالميتان ومعسكرات الإبادة والقنبلة النووية والبيروقراطيات الشمولية، والتقنيات التي حوّلت الإنسان إلى عنصر في منظومة آلية، كل ذلك زعزع الثقة في السرديات التي وعدت بالتقدم والعقلانية والتحرر. ولم يعد التاريخ يبدو مسارا عقلانيا نحو غاية أخلاقية، بل سلسلة من الانقطاعات والكوارث. لقد صار من الممكن بل من الضروري، أن نشك في كل خطاب يزعم امتلاك المعنى الكلي.

وقد كتب فالتر بنيامين، وهو يتأمل صورة “ملاك التاريخ” لبول كلي، أن التقدّم ليس إلا عاصفة تدفع الملاك إلى الأمام بينما تتراكم الأنقاض خلفه. لم يعد المستقبل وعدا بالخلاص، بل استمرارا لدمار يتخذ أشكالا جديدة. التاريخ لم يعد روايةً عن تحقيق العقل لذاته، بل أرشيفا مفتوحا للخراب. وهنا بدأت الفلسفة تفقد ثقتها في دورها القديم بوصفها حارسة للمعنى، لتتحول تدريجيا إلى شاهدة على انكساره.

هذا التحول هو ما صاغه جان فرانسوا ليوتار في عبارته الشهيرة عن “نهاية السرديات الكبرى”. لم يكن يقصد بذلك مجرد أفول الميتافيزيقا أو انهيار الأيديولوجيات الشاملة، بل تغيّرا أعمق في علاقة الإنسان بالحقيقة نفسها. فالحقيقة لم تعد تُفهم بوصفها انكشافا داخل نظام كلي، بل بوصفها بناءً محليا مؤقتا متعدّدا. المعنى لم يعد يتدفّق من مركز، بل يتشظّى في هوامش لا يجمعها إطار واحد.

وهكذا يغدو الشكّ لا مرحلةً عابرة في طريق اليقين، بل بنيةً دائمة للفكر. حيث لا نعود نشكّ لكي نصل إلى حقيقةٍ أكثر رسوخا، بل لأن الحقيقة نفسها لم تعد تمتلك أساسا نهائيا. لقد أصبح اللايقين قدرا إبستمولوجيا وأنطولوجيا في آنٍ واحد.

لكن هذا الانعطاف لم يبدأ مع ما بعد الحداثة. فقد كان نيتشه قبل ذلك بقرن تقريبا، قد أعلن “موت الإله”، لا بوصفه واقعة دينية، بل كحدث أنطولوجي يطال بنية القيم والمعنى. إن موت الإله عند نيتشه يعني انهيار المرجع الأعلى الذي كانت تستند إليه الحقيقة والأخلاق والتاريخ. وفي غياب هذا المرجع بحسبه لا يعود المعنى معطًى، بل يصبح شيئا يجب ابتكاره. غير أن هذا الابتكار لا يتم في فراغ مطمئن، بل على حافة العدم.

العدمية في هذا الطرح ليست مجرد موقف فكري متشائم، بل تجربة تاريخية يعيشها الوعي حين يكتشف أن القيم التي كان يتكئ عليها فقدت قدرتها على الإلزام. لم يعد العالم “يثقل” بالقيم، بل صار خفيفا قابلا لكل تأويل. وهذا ما سيجد صداه لاحقا في فلسفات التأويل والتفكيك، التي أكدت أن المعنى لا يقيم في الأشياء أو النصوص، بل يتولد داخل شبكة من الاختلافات والعلاقات.

غير أن هذا التفكك المعرفي كان له بعد وجودي عميق. فالإنسان الحديث وقد تحرر من السلطات التقليدية، وجد نفسه في عالم بلا يقين نهائي. كيركغارد وصف هذا الوضع بـ”دوار الحرية”، حيث تصبح الإمكانات مفتوحة إلى حد يجعل الاختيار ذاته مصدرا للقلق. وهايدغر رأى أن القلق ليس عارضا نفسيا، بل المزاج الأساسي الذي يكشف حقيقة الوجود بوصفه انفتاحا دائما على العدم. في عالم فقد سرده الكلي، يصير الوجود نفسه سؤالا مفتوحا بلا جواب نهائي.

هنا تظهر المفارقة الكبرى للحداثة المتأخرة، فبينما تحرر الإنسان من أنظمة ميتافيزيقية مغلقة، وجد نفسه في فراغ دلالي يهدد بتفريغ التجربة من معناها.

لقد أشار هابرماس إلى أن العقل الذي حرر الإنسان من الأسطورة انقلب إلى عقل أداتي، يحوّل كل شيء إلى مورد قابل للاستغلال، بما في ذلك الإنسان نفسه. وهكذا بدل أن يؤدي تفكك السرديات الكبرى إلى تعددية خلاقة، فكثيرا ما أفضى إلى هيمنة منطق السوق والتقنية، حيث يصبح المعنى نفسه سلعة.

في هذا المشهد تبدو الفلسفة واقفة بين أنقاض عالمين، عالم اليقين الميتافيزيقي الذي انهار، وعالم اللايقين المعاصر الذي لم ينجح بعد في إنتاج أفق بديل. حيث لم تعد قادرة على تقديم “قصة كبرى” جديدة، لكنها ترفض في الوقت نفسه الاستسلام للعبث. التفلسف اليوم ليس بناء أنظمة، بل ممارسة نقدية داخل فضاء هشّ، حيث كل معنى قابل للانكسار.

من هنا يمكن فهم التفكيك كما عند دريدا، لا بوصفه تدميرا للمعنى، بل بوصفه إنصاتا للاختلافات التي يسكتها الخطاب المهيمن. المعنى لا يُلغى، بل يُكشف في هشاشته وتعدده. الحقيقة لا تُفهم بوصفها حضورا مكتملا، بل بوصفها أثرا يتأجل باستمرار. اليقين ليس إلا وهما ميتافيزيقيا. لكن هل يعني ذلك أننا محكومون بالضياع؟ أم أن اللايقين نفسه يمكن أن يكون شرطا لإمكان معنى مختلف؟ هنا تتقاطع الهرمنيوطيقا مع التفكيك. فغادامير يرى أن الفهم ليس امتلاكا للحقيقة، بل حوارا دائما معها. الحقيقة ليست شيئا نضع يدنا عليه، بل أفقا ينفتح كلما انخرطنا في تأويل العالم. اللايقين هنا ليس نقصا، بل شرط إمكان للتاريخ وللتجربة.

غير أن هذا الأفق يضع الإنسان أمام مسؤولية ثقيلة، أن يصنع معناه دون ضمانات ميتافيزيقية. سارتر عبّر عن هذا حين قال إن الإنسان “محكوم عليه بالحرية”. في عالم بلا سردية كبرى، يصبح كل فعل تأويلاً، وكل حياة مشروعا مفتوحا. وهذه الحرية على الرغم من طابعها التحرري، تحمل في داخلها قلقا وجوديا لا يمكن تبديده.

هذا القلق هو ما يفسر جزئيا عودة الأصوليات والهويات المغلقة في زمن اللايقين. إنها محاولات لاستعادة سرديات تمنح الهوية معنى ثابتا. لكنها غالبا ما تنقلب إلى عنف، لأنها تقوم على إنكار التعدد الذي كشفته الحداثة. وهكذا يعيد التاريخ إنتاج الصراع بين الرغبة في المعنى الكلي والخوف من اللايقين.

ولا تستطيع الفلسفة أن تعود ببساطة إلى يقينيات الماضي، ولا أن تكتفي بالاحتفاء بالاختلاف. إنها مطالبة بتطوير تفكير قادر على العيش داخل الهشاشة دون أن يحولها إلى عبث. وهذا ما يجعل سؤال المعنى اليوم سؤالا أخلاقيا بقدر ما هو أنطولوجي.

ليفيناس على سبيل المثال، رأى أن المعنى لا ينبع من نظام كلي، بل من علاقة الوجه بالوجه ومن المسؤولية تجاه الآخر. في عالم بلا مركز، يمكن للأخلاق أن تكون أحد مواقع إعادة بناء الدلالة، لا بوصفها قانونا صارما، بل بوصفها استجابة لنداء لا يمكن رده إلى بنية.

وهنا يلتقي التفكيك مع الأخلاق، فالهشاشة ليست ضعفا، بل شرطا للمسؤولية. ولو كان العالم محكوما بقوانين مطلقة، لما كان للالتزام معنى، لأنه سيكون مجرد امتثال. أما في عالم بلا يقين نهائي، فإن كل التزام هو مخاطرة، وكل قيمة اختيار. وهذا ما يمنح الفعل الإنساني ثقله الوجودي.

غير أن هذه الروايات الصغيرة التي ننسج بها حياتنا لا تعيش في فراغ، بل في عالم تهيمن عليه قوى اقتصادية وتقنية تعيد إنتاج اللامعنى بطرق جديدة. الرأسمالية المتأخرة لا تكتفي بتسليع الأشياء، بل تسلّع الذوات والرموز. وتحول البحث عن المعنى إلى استهلاك دائم للهويات والصور.

وتبرز ضرورة البعد النقدي للفلسفة. حيث أن النقد ليس ترفا نظريا، بل مقاومة لتفريغ العالم من دلالته. أدورنو كان يرى أن التفكير النقدي هو تفكير لا يطمئن إلى مفاهيمه، بل يعيد مساءلتها باستمرار. وفي عالم اللايقين، تصبح هذه السلبية النقدية إحدى طرق الحفاظ على إمكان الحقيقة.

لكن الفلسفة لا تستطيع أن تكتفي بالنقد وحده، لأن ذلك قد ينزلق إلى تشاؤم عقيم. ما نحتاجه هو أمل بلا يقين، أمل لا يستند إلى سردية خلاصية، بل إلى الإمكانات الكامنة في الواقع ذاته. كما قال إرنست بلوخ، حتى في عالم بلا ضمانات، يظل هناك فائض من الإمكان، شيء لم يُقل بعد ولم يُعش بعد.

هذا الفائض هو ما يجعل اللايقين ليس فقط علامة على الانهيار، بل أفقا للخلق. حين تنهار البنى المغلقة، تنفتح مساحات جديدة للتجربة. الفن المعاصر أدرك هذا مبكرا، حين حوّل تفتت العالم إلى مادة للإبداع.

يمكن أن نفهم الفلسفة اليوم بوصفها فنّ التوجيه داخل المتاهة. لا تمنحنا خريطة كاملة، لكنها تعلّمنا قراءة العلامات. ولا تقدم معنى نهائيا، لكنها تفتح فضاء للمعاني الممكنة. وكما قال ميرلو-بونتي، الفلسفة ليست امتلاكا للحقيقة، بل إقامة في سؤالها.

من هنا لا يكون انهيار السرديات الكبرى نهاية للمعنى، بل نهاية لوهم امتلاكه النهائي. لقد تحررنا من الاعتقاد بوجود قصة واحدة تحتوي العالم كله، لكن هذا التحرر وضعنا أمام مهمة أصعب: أن نعيش بلا ضمانات، وأن نخلق معنى دون أن نحوله إلى صنم.

في هذا التوتر تستمر الفلسفة في دورها الإشكالي. ليست واعدة بالطمأنينة، بل تمرينا على اليقظة. وكما قال نيتشه، من يملك “لماذا” يعيش من أجله يستطيع أن يتحمل أي “كيف”، لكن في عالمنا لم يعد هذا “اللماذا” معطى، بل صار مهمة.

ومن المعنى إلى اللايقين لا نسير نحو الفراغ، بل نحو أفق جديد من التفكير، حيث لا يُقاس عمق الفلسفة بقدرتها على بناء أنظمة مغلقة، بل بقدرتها على مرافقة الإنسان في تيهه، دون أن تسلبه شجاعة السؤال.

ويتضح جليا أن الفلسفة في زمن التيه لم تعد مطالبة بأن تقدّم للعالم صورة مطمئنة عن ذاته، ولا أن تعيد الوجود إلى نظام مكتمل يبدّد قلقه، بل أن تُنصت إلى هذا القلق نفسه بوصفه أحد أشكال الحقيقة. فاللايقين لم يعد عرضا عابرا يمكن تجاوزه بالعودة إلى يقينيات قديمة، ولا خللا يحتاج إلى علاج بسرديات جديدة، بل صار البنية التي يتحرك داخلها الفكر بعدما فقد العالم براءته الميتافيزيقية. ولا يعود السؤال عن المعنى بحثا عن أساس ثابت، بل انفتاحا على ما يتكوّن في التجربة الحيّة في اللغة، وفي العلاقة مع الآخر.

وحين تتخلى الفلسفة عن وهم الامتلاك، لا تفقد قيمتها، بل تستعيد تواضعها الخلاق. فهي لا تعد بالخلاص، لكنها تمنح الإنسان قدرة أعمق على السكن في هشاشته دون أن يذوب فيها. أن نفكر اليوم هو أن نقيم في التوتر بين حاجتنا إلى المعنى واستحالة تثبيته، بين توقنا إلى اليقين وضرورة الشك. وفي هذا التوتر لا يولد العبث، بل تولد إمكانات جديدة للفهم، إمكانات لا تزعم الكمال، لكنها تحفظ للوجود كثافته وللتجربة معناها، وللسؤال حقه في أن يظل مفتوحا.

***

د. حمزة مولخنيف

في المثقف اليوم