أقلام فكرية

الزهرة قني: العقل في مواجهة أزمته عند هابرماس

من العقل الأداتي إلى العقل التواصلي

مقدمة: شكّل العقل والعقلانية منذ البدايات الأولى للحداثة الأوروبية ركيزة مشروعها الفكري والحضاري إلى جانب الذات والفردية، حيث تأسس المشروع الحداثي الغربي على الإيمان بقدرة العقل الإنساني على تحرير الإنسان من الوصايات الميتافيزيقية واللاهوتية، وبناء عالم عقلاني قائم على التقدم العلمي والتنظيم الاجتماعي والسياسي. ولم تكن الحداثة معطى غيبيًا أو قدرًا مفروضًا، بل تشكّلت عبر أنساق فكرية وممارسات تاريخية استمدت مشروعيتها من العقل، بعد صراع طويل مع أنماط التفكير في العصور الوسطى، تُوِّج بانتصار العقلانية الديكارتية فلسفيًا، والمنهجية التجريبية مع فرانسيس بيكون علميًا، وانتصار قيم الأنوار سياسيًا واجتماعيًا.

غير أن هذا الانتصار لم يحقق الوعود التي بشّرت بها الحداثة، إذ اقترن بتنامي مظاهر الاستعمار والعنف والتشييء وهيمنة التقنية، ما أدى إلى انحراف العقل عن مقاصده التحررية وتحوله إلى عقل أداتي يوظَّف في خدمة السيطرة والهيمنة. وقد أفضى هذا التحول إلى أزمة عميقة وضعت العقل والحداثة موضع مساءلة جذرية، ودفعت بعديد الفلاسفة إلى إعلان إفلاس المشروع الحداثي برمته.

في مقابل هذا الخطاب النقدي الجذري، يبرز مشروع الفيلسوف الألماني "يورغن هابرماس"*، الذي دافع عن الحداثة بوصفها مشروعًا لم ينته بعد، مقترحًا نموذج «العقلانية التواصلية» أفقًا نقديًا بديلًا للعقلانية الأداتية، سعيًا إلى تجاوز الأزمة دون السقوط في نزعة عدميّة أو لا عقلانية.

على هذا الأساس، تتمحور إشكالية هذا المقال حول مدى قدرة مشروع العقلانية التواصلية، كما صاغه يورغن هابرماس، على تجاوز مأزق العقل الأداتي الذي أفضى بالحداثة إلى أزمتها. على هذا الأساس يمكننا طرحه على النحو التالي: إلى أي مدى يمكن اعتبار العقل التواصلي بديلاً عقلانيًا قادرًا على تصحيح انحرافات العقل الأداتي؟  وهل يمتلك هذا البديل القدرة على إخراج الحداثة من أزمتها الضيقة؟

أولًا: هابرماس ونقد أطروحة القول المضاد للحداثة

ظلّ العقل موضع اتهام واسع في الفلسفة المعاصرة، خاصة بعد الضربات العنيفة التي وجّهها إليه كل من "نيتشه" و"فرويد" و"هيدغر"...وغيرهم، الأمر الذي جعل العقل في عصرنا الراهن موضع شك أكثر من كونه أداة لمحو الشكوك. كما لعبت المدارس والتيارات الفكرية الحديثة دورًا كبيرًا في تعميق هذا التشكيك، مثل مدرسة فرانكفورت، وتيارات ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية...وغيرها[1]

في هذا السياق، ينصّب هابرماس نفسه مدافعًا عن العقل والحداثة، لا دفاعًا ساذجًا أو تبريريًا، بل دفاعًا نقديًا يسعى إلى إنقاذ العقل من انحرافاته. فهو يرفض السمة التشاؤمية التي طبعت خطاب فلاسفة ما بعد الحداثة، ويميّز بوضوح بين نوعين من النقد: نقد أداتي للحداثة، كما مارسه فلاسفة الجيل الأول لمدرسة فرانكفورت، ونقد جذري أو كلي يستهدف الأسس العقلانية للحداثة ذاتها، كما نجده لدى نيتشه، ثم عند هيدغر، وأُعيدت صياغته لدى فلاسفة الاختلاف الفرنسيين مثل "فوكو" و"دريدا" و"دولوز".

ولهذا السبب، وجّه هابرماس نقدًا لاذعًا لفلاسفة ما بعد الحداثة في كتابه "الخطاب الفلسفي للحداثة"، معتبرًا أن خطابهم ينتهي إلى نزعة لاعقلانية لأنه يستهدف مشروع الحداثة في كليته، ويعلن نهاية الأنوار. ومن هنا، نظر إلى تيار ما بعد الحداثة باعتباره مسلكًا فلسفيًا مغلوطًا، عاملا على صوغ مفهومه المعياري للحداثة اعتمادا على نظريته حول الفاعلية التواصلية[2]

وفي السياق ذاته لم يقتصر نقد هابرماس على فلاسفة ما بعد الحداثة، بل شمل أيضًا فلاسفة الجيل الأول من مدرسة فرانكفورت، وخاصة "هوركهايمر" و"أدورنو"، اللذين قدّما في كتابهما المشترك "جدل التنوير" نقدًا لاذعا للعقل الأنواري. ويرى هابرماس أن هذا النقد، رغم أهميته، ينتهي إلى رؤية بائسة لا تترك للعقل أي إمكانية للتحرر أو فتح أفق للخروج من الأزمة[3].

ثانيًا: هابرماس: العقل التواصلي بوصفه بديلاً عن العقل الأداتي

على الرغم من اعترافه بالجوانب السلبية التي رافقت المشروع الحداثي، لا ينزلق هابرماس نحو المواقف الراديكالية التي تدعو إلى التخلي عن العقل. بل على العكس، ينطلق من تشخيص دقيق لأزمة العقل الحديث، معتبرًا أن لا بديل عن العقل إلا العقل وبأن أصل الداء يكمن في هيمنة العقل الأداتي، أي ذلك العقل الذي اختُزل إلى أداة حسابية وتقنية لخدمة المصالح الاقتصادية والسياسية.

وفي مواجهة هذا النموذج، يقترح هابرماس تجاوز العقل الأداتي لصالح عقل تواصلي، عقل منفتح على الحوار والتفاهم بين الذوات، يقوم على الفعل التواصلي لا على السيطرة. فالعقل، في تصوره، لم يستنفد بعد كل طاقاته وإمكاناته، ولا يزال قادرًا على ممارسة نقد ذاتي يفتح له آفاقًا جديدة للخروج من حالة الأزمة والانغلاق.

الخلاصـة:

وفي الختام، بناءً على ما سبق تحليله، يمكن القول إن هابرماس يقدّم طرحًا وجيهًا حين يؤكد أن لا بديل عن العقل إلا العقل نفسه، فالمسألة لا تتعلق باستبدال العقل بشيء آخر، بل بإصلاح طريقة عمله ونقد انحرافاته. فكيف يمكن للبشرية أن تفكر أو أن تنتقد أو تؤسس قيمها خارج إطار العقل؟ وكيف يمكن مساءلة العقل باسم شيء آخر غيره؟

فالعقل، بوصفه ملكة تفكير ومفهومًا إنسانيًا كونيًا، يتجلى في ممارساتنا السياسية والاجتماعية، ولا يمكن تصور فلسفة خارج إطاره. وعليه، فإن ما ينبغي نقده وتفكيكه هو العقل الأداتي وانحرافاته، وهو ما كرّس له هابرماس مجمل مشروعه الفلسفي.

ومن هنا، يوجّه هابرماس جهده الفلسفي لإعادة الاعتبار لمشروع الحداثة وفتح آفاق جديدة تضمن له الاستمرار والتواصل. وهذا الجهد، الذي تمخّض عنه مفهوم العقلانية التواصلية، قد حقّق الانتقال الذي عجز عنه سابقوه من الفلاسفة، سواء من المدرسة النقدية أو من فلاسفة الاختلاف وما بعد الحداثة، من فلسفة الذات والوعي la philosophie sujet et de la conscience إلى فلسفة التواصل والتذاوت la philosophie de la communication et  l’intersubjectivité  ، فالعقلانية التواصلية لا تهدف إلى إلغاء العقل أو تقويضه، بل إلى إعادة توجيه عمله نحو الفضاء العمومي، حيث يصبح التفاهم، والاعتراف المتبادل، والنقاش العقلاني أساسًا لبناء علاقات اجتماعية وسياسية أكثر عدلًا وإنسانية.

ومع ذلك، لا يمكن القبول كليًا بتوصيف هابرماس لفلاسفة ما بعد الحداثة باعتبارهم رافضين للعقل على نحو مطلق. فقد أسهم فلاسفة مثل نيتشه، فوكو، هيدغر، دريدا، ودولوز في نقد الانحرافات العقلانية للحداثة، دون أن يعني ذلك خروجهم النهائي من أفق العقلانية الإنسانية. إذ إن اعتراضهم كان موجّهًا أساسًا إلى الأداء الأداتي والتقني للعقل، لا إلى العقل بوصفه قدرة إنسانية في حد ذاته.

وهو ما يجعل من العقلانية التواصلية، في النهاية ليس حلًا نهائيًا مغلقا، بل أفقًا نقديًا مفتوحًا، يُعيد للعقل قدرته على مساءلة ذاته، مع الحفاظ على إرثه واستثماره دون وهم تجاوزه.

***

 الزهرة قني - الجزائر- جامعة باتنة1

..........................

هوامش المقال:

* يورغن هابرماس (ولد سنة 1929 في دوسلدورف بألمانيا)، فيلسوف ألماني ومن أهمّ علماء الاجتماع والسياسة في عالمنا المعاصر، كما أنَّه يُعدُّ من أهمّ مُنظّري مدرسة فرانكفورت النقديَّة، اشتهر بمشروعه النقدي للحداثة ونظريته حول الفاعلية التواصلية، التي تهدف إلى تجاوز العقل الأداتي وإعادة بناء الحوار المجتمعي.

[1] - مجدي عبد الحافظ، موقع العقل في فلسفات ما بعد الحداثة، مجلة عالم الفكر، العدد 2، المجلد 41، ص 148

[2] - محمد نور الدين أفاية، في النقد الفلسفي المعاصر: مصادره الغربية وتجلياته العربية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2014م ص ص88، 89، 90.

[3] - يورغن هابرماس، القول الفلسفي للحداثة، ترجمة فاطمة الجيوشي، سوريا، دراسات فلسفية وفكرية، منشورات وزارة الثقافة، 1995 ص171

 

في المثقف اليوم