أقلام فكرية
حاتم حميد محسن: لماذا تستمر الحاجة الى فلسفة جون ديوي؟
تمكّن فلسفة ديوي الناس من اكتساب المعرفة من خلال الفعل، والنمو عبر التجربة المُعاشة، وبناء عالم أكثر ديمقراطية. اثناء تخمة المعلومات، والاستقطاب السياسي، والتغير التكنلوجي السريع، ظلت أفكار جون ديوي يتردد صداها الآن كما كانت دائما. ديوي ليس فقط أعاد تعريف التعليم وانما هو أعاد تصور الديمقراطية والأخلاق ومفهوم التعليم ذاته. بالنسبة له، التعليم الصحيح هو حول العمل، الارتباط، والتطور بدلا من تذكّر الحقائق. هو شعر ان الديمقراطية لم تكن فقط مسألة تصويت، وانما هي كيف تعيش وتعمل في حياتك اليومية. لذا، كيف سيكون الحال لو عشنا هذا الوضع حاليا؟
منْ هو جون ديوي؟
وُلد جون ديوي عام 1859 وكان من بين أبرز الفلاسفة والتربويين في تاريخ أمريكا. هو لعب دورا هاما في إعادة صياغة الأفكار المعاصرة حول كل من التعليم والديمقراطية، بالإضافة الى فهمنا لما نعني بالإنسان. وكمناصر للبرجماتية (الفلسفة التي تؤمن بان قيمة الشيء يجب ان يُحكم عليها بنتائجها العملية)، اعتقد ديوي ان الناس يجب ان يتوقفوا عن مجرد مناقشة الأفكار بل عليهم بدلا من ذلك تجربتها. لا تسأل ما اذا كانت الفكرة صحيحة ام خاطئة، حسب قوله، وانما أي فرق تُحدث لو افترضنا انها صحيحة؟
عندما نأتي الى التعليم، اعتقد ديوي ان التعليم المدرسي يجب ان لا يكون محددا بفترة من الزمن اثناء الطفولة او المراهقة، بدلا من ذلك، هو اعتقد ان الحياة كلها تعليم مستمر. احد الأشياء التي ترك فيه بصمة له تتصل بنوع التعليم الذي يجري في المدارس والكليات. ديوي آمن أيضا في الديمقراطية لكنه لم يؤمن حول التصويت. هو اعتقد ان الديمقراطية الحقيقية تحدث عندما يستمع الناس الى بعضهم، ويعملوا مجتمعين، ويتعلموا من بعضهم البعض باستمرار ضمن جماعاتهم.
وهكذا، هو ربط التعليم بالتقدم الاجتماعي. أفكاره أثّرت في اصلاح التعليم، والسياسة، والأخلاق، وحتى علم النفس. باحثون مثل ريتشارد رورتي Richard Rorty أسس عمله على ديوي الذي لاتزال طرقه تُستعمل من جانب المدرسين حول العالم.
ببساطة، اعتقد ديوي بالنمو الجمعي من خلال الفعل التأملي، والتحقيق التعاوني، والايمان الراسخ في إمكانية الانسان، وهذا ما سوف نستطلعه في التفاصيل ادناه.
التعلم بواسطة العمل.. رؤية ديوي الثورية في التعليم:
اعتقد ديوي ان الناس يتعلمون بشكل أفضل عندما يمارسون الأشياء. هو لم يتفق مع الطريقة التقليدية في التعليم التي استلزمت الجلوس بهدوء في خطوط وتعلّم الحقائق عن ظهر قلب. اعتقد ديوي ان التعلم يجب ان يكون عمليا، مرحا ومرتكزا على التجربة اليومية. هذا الاتجاه يسمى التعليم التجريبي: اكتشاف الأشياء عبر تجربتها.
الفيلسوف ديوي شعر ايضا ان التعليم هو اكثر من مجرد وضع الأفكار في رؤوس الطلاب (رغم ان هذا كان هاما). هو أراد من الشباب ان يكونوا قادرين على التفكير بأنفسهم، يطرحون أسئلة، ويحلّون المشاكل – لا يتلقون فقط المعلومات من الكتب او المعلمين.
اعتقد ديوي ان الصف المدرسي يشبه الجاليات حيث الأطفال يعملون مع بعضهم في خطط تهم اوضاعهم حقا، فعاليات ربطت ما يحدث في المدرسة بالحياة اليومية. وبدلا من اختبارات نمطية، دعم ديوي تعليم مرتكزا على الخطة او المشروع. فمثلا، المتعلمون في كورس العلوم قد يقومون بإنشاء حديقة كجزء من دراستهم في البايولوجي. الطلاب في درس التربية المدنية ربما ينظّمون انتخابات لإدارة المدرسة. هذه الأنواع من المشاريع العملية تساعد الشباب في التعلم لأنهم يعملون اشياءً، ليس فقط يرون او يستمعون حولها في كل مرة. ديوي اعتقد ايضا ان المدارس يجب ان تعلّم الأطفال كيفية المشاركة في الديمقراطية. عندما يعمل الأطفال مع بعضهم في خطط، ويستمعون الى بعضهم، ويشاركون في الأفكار، ويتناوبون على الكلام – هذه هي أنواع الأشياء التي يقوم بها المواطنون الجيدون (والديمقراطيات تحتاجها اكثر من أي وقت مضى).
اليوم، أثّر ديوي في نطاق واسع من طرق التعليم الجديدة حول العالم. كل من مدارس مونتيسوري (نسبة للتربوية الإيطالية ماريا مونتيسوري) وبرامج "التفكير المصمم" لهما جذورهما في نظامه العقائدي، كما تفعل أي دروس تبدأ بطرح أسئلة (أحيانا الكثير منها). من الصحيح القول: عندما لا يبدو التعليم المدرسي ملائما لحياة الفرد، فهو عادة لا يعمل جيدا.
الديمقراطية كطريقة في الحياة
نظر الفيلسوف ديوي الى الديمقراطية اكثر من مجرد الإدلاء بصوت انتخابي كل بضع سنين. بالنسبة له، انها طريقة للعيش، والعمل، والتعلم مع الآخرين – ممارسة مستمرة تستلزم حوارا مفتوحا وحل لمشاكل مشتركة باحترام. انها حول أخلاق يومية بدلا من أنظمة حكومية بذاتها.
في العمل، المدرسة، او عند العمل الاجتماعي المحلي، اعتقد ديوي ان سلوكنا يجب ان يتقرر بقيم ديمقراطية. اذا شعر الافراد ان أصواتهم مسموعة، هم سوف يتطورون بطرق لا يمكنهم تحقيقها في حال عدم المشاركة. هو يرى ان الديمقراطية الحقيقية تحدث فقط عندما يشارك كل فرد بالتساوي في عملية صنع القرار الذي يؤثر على حياته. كذلك، هو جادل بضرورة المشاركة الفعالة من جانب المجموعات المستبعدة عادة.
رؤاه عكست تلك الأفكار التي وردت في حوارات افلاطون: تثير استقصاءات، تمارس استماعا عميقا، تبقى فضوليا. أيضا وفي شبه مع ارسطو، نظر ديوي للبشر باعتبارهم يزدهرون بشكل أفضل عندما يكونون ضمن جماعات متعاونة. كذلك، مثل هابرماس، هو اعتقد ان المنطق العام يمكن ان يصوغ مجتمعات عادلة. وفي وسط صراخ الاون لاين المستقطب اليوم وغرف الدردشة، تبدو رؤى ديوي رائعة. انها تذكّرنا ان الديمقراطية ليست فقط الفوز بالجدال وانما حول تعزيز العلاقات.
سواء كنا نناقش في صفوف الدراسة او في الاجتماعات مع الزملاء حول مشروع معين، تأتي ديمقراطية ديوي حية عندما نرى الآخرين ليس كأعداء وانما كمشاركين في ابتكار شيء ما ذو قيمة.
أخلاق النمو والتجربة
اعتقد جون ديوي ان الاخلاق يجب ان لا ترتكز على قواعد صارمة او الرغبة بمخرجات مثالية. هو اعتقد ان الاخلاق تستلزم "نموا" لأن الناس يخوضون تجارب من خلال التأمل فيها. ديوي لم يتفق مع عمانويل كانط الذي جادل ان هناك واجبات أخلاقية معينة يجب دائما اتباعها. هو أيضا خالف جيرمي بنثام وجون ستيوارت مل، عندما قالا ان اعظم شيء أخلاقي نفعله هو ان نجعل الناس سعداء بأقصى حد ممكن. بدلا من ذلك، اقترح ديوي ان تسأل نفسك هذه الأسئلة: ما الذي يساعد الشخص ليكون اكثر نضجا (يتطور بالكامل ككائن بشري) بمرور الزمن؟ أي نوع من السلوك يحسن العلاقات بين الافراد او الجماعات بما يقود الى مجتمع أفضل بشكل عام؟
اتجاهه ملائم لعالم اليوم المعقد والمترابط، الذي لا تكفي فيه وصفات أخلاقية صارمة. ديوي دعا الى أخلاق جمعية – العقيدة بان مختلف الناس والثقافات يمكن ان تصل الى استنتاجات أخلاقية مختلفة لكنها صالحة. ما يؤخذ بنظر الاعتبار هو كيف نفكر ونتعلم من تجاربنا وكيف نتكيف مع المواقف الجديدة. هذه الرؤية تشبه جدا رؤية ارسطو الذي اعتبر الاخلاق تتمحور حول تنمية الشخصية الجيدة من خلال العادة، وان كان ذلك بلمسة ديمقراطية حديثة. طبقا لكلا المفكرين، القيم لا تأتي جاهزة. انها يتم العمل بها في حوار مع الاخرين (في الماضي والحاضر) عندما نعيش ونتعلم مجتمعين. في عالم لم يتوقف ابدا في سكون، يذكّرنا ديوي ان التقدم الأخلاقي يتطلب اكثر من مجرد تغيير رأيك. انه يعني النمو عاطفيا وفكريا: ان نصبح اناسا افضل (اكثر فهما، مفيدين، عاطفيين) بمرور الزمن.
التعليم لعالم متغير.. ديوي والتعليم المستمر
جادل ديوي ان التعليم هام لكل شخص بصرف النظر عن العمر. وبسبب ان العالم يتغير دائما، فان الناس يجب أيضا ان يستمروا في التعليم. هو اعتقد ان التعليم لا يعدّك فقط للحياة، انه الحياة. هذا يعني اننا يجب ان نتعلم باستمرار كيف نفكر لأنفسنا ونبقى مهتمين ليس فقط بالعمل الجيد وانما في النمو. اليوم، مع الذكاء الصناعي، والتغير السريع في أتمتة الوظائف والمجتمع نتيجة للتكنلوجيا، تبقى أفكار ديوي حول التعليم مدى الحياة اكثر ملائمة من أي وقت مضى. عندما تتطلب الوظائف مختلف المهارات في عالم متغير، هو أكّد على أهمية التفكير النقدي، وان تكون متكيفا (مرنا)، وتأخذ بالاعتبار حاجات الآخرين (مسؤولية اجتماعية). هذه أشياء تساعد الناس في اختيار العمل، عندما يكون متوفرا، وتعيش بحكمة وتكون اخلاقي أيضا.
هذه المشاعر رددها مفكرون آخرون أيضا. كتب سقراط، ان "الحياة غير المختبرة لا تستحق العيش". باولو فريري Paul Freire أكّد ان التعليم يحفز الناس للتحقق والتفكير وتحويل العالم. وافق ديوي ان التعليم الأصيل يربط الافراد بالمجتمع ويخلق مجتمعا راقيا. بالنسبة له، التعليم مدى الحياة ليس مفيدا فقط،انه مسؤولية أخلاقية والتزام عام. في الديمقراطية، يجب ان يستمر المواطنون بالتفكير والاستماع والتعلم من بعضهم. تلك هي الطريقة التي يصبح بها المجتمع افضل. رسالته اننا لا نحتاج ابدا التوقف عن التعليم لأن العالم لا يتوقف ابدا عن التطور، ولن نتوقف نحن كذلك.
ديوي حول العلوم والتحقيق وحل المشكلة العامة
طبقا لديوي، التفكير الواقعي يتطلب اكثر من مجرد إيجاد حلول – انه يتركز حول التحقيق inquiry. هو يرى ان المرء يتعلم بشكل افضل عندما يحقق في قضايا ملائمة للحياة اليومية. ديوي أيضا شعر ان العلم يجب ان لا يُدار فقط في المختبرات. هو اعتقد ان العلماء يجب ان يعملوا مع المواطنين العاديين لمساعدة الجاليات على معالجة المشاكل باستخدام الدليل والمنطق والتأمل.
اليوم، يبقى منظور ديوي مقنعا. انظر الى تقلبات المناخ وحالات طوارئ الصحة العامة: مثل هذه المسائل لا يمكن تركها فقط للمختصين. بدلا من ذلك، الناس العاديين يجب أيضا ان يلعبوا دورا – يطرحوا أسئلة، يزنون الحقائق، ويضعون إستراتيجيات جنبا الى جنب. الموضوع ليس فقط حول امتلاك معلومات وانما حول الاستخدام الجمعي والجيد لها كجزء من اتخاذ الإجراءات اثناء المشاركة في النقاش طوال الوقت.
الفلاسفة الاخرون دعوا الى ايديولوجيات مشابهة. فرنسيس باكون دعا الى الطريقة العلمية كأساس لتعزيز الحياة. كارل بوبر أكّد على أهمية التجريبية وتطوير أفكار بدلا من التشبث بالدوغما. ديوي طور هذه المعتقدات في الميدان العام واعلن ان الديموقراطيات تزدهر عندما يكون المواطنون فضوليين، متعلمين، وتعاونيين. هو اعتقد ان العقل والحقيقة ضروريان لكن فقط عندما يُستكملان بالتعاطف والمحادثة. هو يأمل ان التساؤل قد يستبدل الصراخ بمحادثة بنّاءة، وان العلم يمكن ان يعمل كلغة مشتركة لخلق عالم أفضل. ديوي يرى ان الديمقراطية والتساؤل يسيران جنبا الى جنب.
اذن، لماذا لاتزال فلسفة جون ديوي هامة؟
ان فلسفة ديوي تبقى ملائمة اليوم لأنها تؤكد بان التعليم والأخلاق والديمقراطية هم عملية ديناميكية مستمرة. التعليم قُصد به غرس الفضول بدلا من تذكّر الحقائق. هو اعتبر الديمقراطية طريقة للحياة، تأسست على التعاطف والمشاركة والتطور المستمر. في البيئة الحالية من التطور السريع، يؤكد ديوي على التعليم مدى الحياة وحل المشكلات بطريقة تأملية باعتبارها هامة الان كما كانت دائما. وكما بالنسبة لسقراط، ديوي يتحدانا للانخراط في التحقيق. ومشابه أيضا لأرسطو، هو شعر ان الناس يزدهرون مع التجربة. لكن مع اتجاهه الحديث نحن نتعلم بفاعلية اكبر عبر ممارسة التعليم بأنفسنا، وبشكل مشترك مع الجماعة.
هو لم يقدم أجوبة محددة لكن يحثنا للاستمرار في طرح أسئلة محسنة. لهذا، اذا كنت تربويا او أبا او ناشطا او فقط مهتما بالحياة عموما، فان عمل ديوي يحفزك لتتأمل عميقا وتعيش بحكمة، لأن الحياة المدروسة ليست هي الوجهة النهائية، انها ممارسة مستمرة. ديوي اعتقد ان كل واحد منا هو قادر وراغب أيضا للقيام بها.
***
حاتم حميد محسن






