أقلام فكرية
حمزة مولخنيف: المعنى في عصر الغياب.. بين موت الإله وانكسار المرجعيات
في واقعنا المعاصر يبدو سؤال المعنى أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، وهو سؤال لم يعد يُطرح بمعزل عن ما عرفه التاريخ من تحولات كبرى في ميدان الفكر الإنساني. فالمعنى الذي كان يتشكل في الحضارات التقليدية تحت مظلة المرجعيات الدينية أو الأسس الميتافيزيقية، أصبح اليوم يتأرجح بين فقدان الإله كما أعلن نيتشه، وبين صرخة الإنسان الباحث عن ذاته في عالم يتسم باللايقين. نيتشه لم يقصد بالموت الإلهي انقراض العقائد الدينية فحسب، بل أشار إلى انهيار منظومة القيم المطلقة التي كانت تضمن للإنسان إحساسه بالاستقرار الأخلاقي والمعرفي. في هذا السياق، يصبح السؤال عن القيم وعن المعنى سؤالا عن قدرة الإنسان على تأويل ذاته والعالم دون الاستناد إلى مطلق خارجي، أو عن إمكانية استبدال المرجعيات الميتافيزيقية بأخرى ذاتية أو اجتماعية.
المعنى لم يعد اليوم ثابتا، بل صار نسبيا ومتغيرا بحسب التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تحيط بالإنسان الحديث. كما كانت القيم تقف على قواعد متينة، من الوحي إلى القانون الطبيعي، ومن التقاليد المجتمعية إلى الفلسفة الأخلاقية الكلاسيكية، غير أن الحداثة وما بعدها جلبت معها تقويضا منهجيا لكل هذه المرجعيات. فهايدغر في تأمله حول "الوجود والزمان"، يطرح الإنسان في كونه "كائنا نحو الموت"، كيانا مفتوحا على عدمية محتملة، حيث تتكشف قيمة الأشياء فقط في ضوء خبرة الفرد ومعايشته الخاصة للعالم. وهذا التحول يعيد النظر في القيم ليس كمجموع قواعد خارجية مفروضة، بل كحركة ديناميكية ترتبط بالوعي الإنساني وقدرته على التأمل والتساؤل.
الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر من جانبه، يذهب أبعد من ذلك في تأكيد أن الإنسان "محكوم بالحرية"، أي أنه مسؤول عن خلق القيم والمعنى بنفسه، إذ ليس هناك أي أساس مسبق يمنحه شرعية الأخلاق أو الغاية للوجود. في هذا السياق، يصبح السؤال عن المعنى سؤالا وجوديا قبل أن يكون أخلاقيا أو اجتماعيا، لأن أي محاولة لفرض قيم خارجية تُعَدّ تزييفا للحرية الذاتية. ويظهر الصراع الوجودي بين عبء الحرية الإنسانية وبين الرغبة العميقة في الاستقرار والاطمئنان الذي كانت توفره القيم التقليدية.
لكن هل يعني موت الإله بالضرورة فراغ المعنى؟ وهل يضطر الإنسان إلى الانغماس في الاغتراب أو اليأس؟ فلسفيو ما بعد الحداثة يقدمون رؤية أكثر تعددية ومرونة. فميشيل فوكو على سبيل المثال، يسلط الضوء على أن القيم ليست مطلقة ولا فطرية، بل هي نتاج تاريخي، محكوم بالسلطة والمعرفة. إنما القيم هنا ليست مجرد قواعد أخلاقية، بل هي أدوات تصنع الهوية وتحدد العلاقات الاجتماعية والسياسية. هذه الرؤية تقود إلى فهم المعنى كشبكة من العلاقات المؤقتة والاشتراطات التاريخية، وليس كحقيقة ثابتة تنتظر من الإنسان اكتشافها.
وفي مقابل هذا النهج، تأتي فلسفات التحليل القيمي الغربية، مثل أعمال هيربرت ماركوز في نقد الحداثة الرأسمالية، لتطرح سؤال العدالة والقيم في سياق اجتماعي وسياسي، حيث يصبح المعنى مرتبطا بالمقاومة والتحرير، لا بالوجود الفردي فقط. فالإنسان الحديث في هذه الرؤية، لا يسعى فقط إلى تأويل ذاته، بل إلى بناء عالمٍ يُمكّن القيم من التحقق في حياة اجتماعية وعملية. وهذا المعنى لا ينحصر في التجربة الفردية للوعي، بل يمتد إلى تفاعل الإنسان مع محيطه ومع جماعاته، مما يجعل السؤال عن القيم سؤالا عن إمكان التغيير وعن حدود الحرية في مجتمع مُهيمن على قواعد السلطة والمعرفة.
أما في الفلسفات الأخلاقية المعاصرة، مثل فلسفة ألبير كامو فنجد أن العبث كما يصفه، يصبح محورا لفهم المعنى. العبث يولد من التناقض بين رغبة الإنسان في إيجاد معنى مطلق للعالم وبين عالم يفتقر إلى أي غاية محددة. لكن من هنا أيضا تنبع حرية الإنسان، أي حرية قبول العبث والعمل به رغم غياب المطلق. فالمعنى في هذا الإطار، لا يُنتَزع من الخارج، بل يُصنع من الداخل، من التجربة الفردية ومن القدرة على مواجهة الفوضى دون الانكسار.
في هذا السياق، يصبح السؤال عن القيم سؤالا عن القدرة على الاجتهاد الإنساني، أي القدرة على إعادة تأويل المعايير الأخلاقية والاجتماعية بطريقة تتيح للإنسان العيش في عالم متعدد الأبعاد. فالفلسفة المعاصرة لا تقدم وصفا نهائيا للقيم، بل تحفز على التفكير النقدي في كل قيمة، وتطرح التساؤل الدائم عن شرعيتها، ومدى قابليتها للتطبيق في سياق متغير ومتسارع. إن القيم ليست عابرة فقط لأنها قابلة للتغيير، بل لأنها تتأسس على وعي الإنسان بذاته وعلاقته بالعالم وبالآخرين.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال إسهامات الفكر النسوي في إعادة طرح سؤال القيم والمعنى، حيث تشير الفلسفات النسوية المعاصرة، مثل أعمال جوليا كريستيفا وسيمون دي بوفوار، إلى أن القيم التقليدية غالبا ما تعكس بنية السلطة الأبوية وتفرض قيودا على حرية الإنسان، وخصوصا المرأة. إن إعادة التفكير في القيم الأخلاقية والاجتماعية لا تهدف فقط إلى التحرر من القيود، بل تهدف أيضا إلى توسيع أفق المعنى وإعادة توزيع القوة بما يجعل الحياة أكثر عدالة وشمولية.
إن قراءة هذه الاتجاهات الفلسفية المختلفة توضح أن المعنى بعد الإله أو بعد الإنسان لم يعد مفهوما ثابتا أو موضوعا يمكن تحديده بمعزل عن التاريخ والثقافة والسياق الاجتماعي. المعنى أصبح عملية مستمرة، تتشكل في الحوار بين الإنسان والعالم والذات والآخر، وبين الحرية والقيود والفعل والمعرفة. وهكذا تتلاقى تساؤلات الوجود والحرية والعدالة والعبث لتشكل نسيجا معقدا، يجعل كل محاولة لتحديد القيم نهائيا مجرد خيال مؤقت.
في هذا الفضاء الفكري، يظهر التحدي الأكبر للإنسان المعاصر، كيف يمكن أن يعيش معنى حقيقيا في عالم غاب فيه الإله أو تقلصت المرجعيات المطلقة، وكيف يمكن للقيم أن تستمر في توفير إطار للتوجيه الأخلاقي والاجتماعي دون أن تتحول إلى قيود على الحرية الفردية؟ هنا تتجلى الحاجة إلى فلسفة قادرة على استيعاب التوتر بين الحرية والالتزام والوعي الفردي والتحولات التاريخية، وبين الفعل والمرجعية، وهو التحدي الذي يشغل معظم الفلاسفة والمفكرين المعاصرين.
في السياق نفسه، تصبح مسألة المعنى مرتبطة أيضا بالتحولات الثقافية والتقنية التي عرفها العالم المعاصر. فالعولمة والانفتاح المعلوماتي والهيمنة الرقمية على مجالات الحياة، أعادت تشكيل طريقة فهم الإنسان لعلاقته بالعالم وبقيمه. وهكذا لم يعد الإنسان المعاصر يعيش فقط في إطار الواقع المادي، بل في فضاء مركب من الرموز والصور والشبكات الافتراضية التي تفرض عليها قيما جديدة، أحيانا غير مألوفة وأحيانا متناقضة. هذا التحول يجعل السؤال عن المعنى سؤالا عن التكيف مع بيئة لا تعرف الثبات، وعن القدرة على إعادة تأسيس القيم بما يتلاءم مع متغيرات هذه البيئة، دون الوقوع في الفوضى أو اليأس.
هنا يظهر الفرق الجوهري بين الفلسفات التي تبحث عن المعنى في الخارج، مثل التقاليد الدينية أو الميتافيزيقية، والفلسفات التي تعتبر المعنى إنتاجا إنسانيا، يتم إنشاؤه في عملية مستمرة من التفاعل بين الفرد والمجتمع. فكانط على سبيل المثال، قدّم مفهوم العقل العملي الذي يتيح للإنسان وضع قوانينه الأخلاقية المستقلة، بينما سارتر لاحقا جعل هذا الفعل الخلاق للمعنى أمرا مطلق الحرية. هكذا يصبح الإنسان ليس مجرد كائن يبحث عن معنى، بل كائن مسؤول عن خلقه. ومع ذلك فإن المسؤولية المصاحبة لهذه الحرية ليست سهلة، لأنها تصطدم دوما بالتناقض بين رغبة الفرد في اليقين وبين الطبيعة الغامضة وغير النهائية للوجود.
وفي هذا الإطار، تقدم الفلسفة التحليلية للأخلاق، كما عند روس وروي هارت، نوعا من التفصيل النقدي للمعنى والقيم، بحيث يتم تقييم القيم وفقا لقدرتها على توجيه السلوك في سياقات محددة، وليس وفقا لمطلقات أخلاقية غائبة عن التجربة الواقعية. إن هذه الرؤية تعزز من فكرة أن المعنى ليس كائنا في العالم بذاته، بل هو عملية مستمرة من التفسير والتأويل، تتطلب وعيا نقديا مستمرا واستعدادا لقبول تعددية القيم وتناقضاتها.
في مقابل هذا، يبرز السؤال النسوي كعامل موازن في إعادة بناء القيم. حيث تشير الدراسات النسوية إلى أن العديد من القيم التقليدية تعكس بنية السلطة وتهميش الفئات الأكثر ضعفا، وهو ما دفع نساء وفلاسفة نسويون إلى إعادة النظر في كل القيم، لتصبح أكثر شمولية وعدالة. جوليا كريستيفا وسيمون دي بوفوار على حد سواء أبرزتا أن حرية الفرد وبخاصة حرية المرأة، لا تتحقق إلا إذا تمت إعادة تشكيل القيم بما يضمن المساواة والاعتراف بالتجربة الإنسانية الكاملة، وليس فقط بتجارب النخب أو الذكور.
الفلسفات ما بعد الحداثة تسهم كذلك في فهم المعنى بوصفه عملية ديناميكية لا يمكن حصرها في منظور واحد. دراسات ميشيل فوكو حول السلطة والمعرفة تكشف أن القيم ليست مجرد أدوات أخلاقية، بل هي أدوات قوة تعكس العلاقات الاجتماعية، وبالتالي فإن إعادة التفكير في القيم يجب أن تأخذ بعين الاعتبار التوازن بين الفرد والمجتمع، وبين الحرية والقيود المفروضة من قبل الهياكل السياسية والثقافية. وهذه الرؤية تجعل من السؤال عن المعنى مشروعا مستمرا من النقد والمراجعة، يتطلب وعيا بالتحولات التاريخية والثقافية دون الانغماس في النسبية المفرطة التي تلغي أي أساس للتمييز بين الصواب والخطأ.
وبالانتقال إلى سياق أكثر وجودية، يقدم ألبير كامو نموذجا للإنسان الذي يواجه عبث العالم، لكنه لا يرضخ له، بل يسعى إلى خلق معنى في مواجهة الفراغ المطلق. إن ما يميز رؤية كامو هو أنها تقر بأن المعنى ليس مسبقا أو مفروضا، بل إنه نتيجة فعل الإنسان، وهو فعل شجاع يتطلب مواجهة القلق والاغتراب، وبالتالي تحويل العبث إلى مصدر للإبداع والمعرفة الذاتية. هكذا، يظهر المعنى بعد الإله أو بعد الإنسان كعملية مستمرة من المواجهة، وليس كحقيقة جاهزة يمكن اكتشافها.
إضافة إلى ذلك، تقدم الفلسفات التحليلية النقدية كما عند هابرماس، منظور العقل التواصلي، حيث يربط المعنى بالقيم الاجتماعية المشتركة التي يتم إنتاجها من خلال الحوار. فبدلاً من البحث عن مرجعية مطلقة خارج التجربة الإنسانية، يتم بناء المعنى والقيم عبر العملية التواصلية والتفاعل بين الأفراد والجماعات، بحيث يصبح التوافق على القيم شرطًا لإمكانية وجود حياة اجتماعية متماسكة. وهذا المنهج يعزز فكرة أن المعنى ليس مسألة ذاتية فحسب، بل مسألة اجتماعية تتطلب مشاركة واعية ومسؤولية جماعية، وهو ما يوفر بدوره أسسا للتعايش في عالم متعدد الثقافات والمرجعيات.
إن المعنى بعد الإله أو بعد الإنسان لم يعد مجرد مسألة فلسفية نظرية، بل أصبح ضرورة عملية لحياة الإنسان في عالم معولم ومتغير. فالإنسان المعاصر مضطر إلى بناء قيمه ومعناه بنفسه، مع مراعاة السياق الاجتماعي والتاريخي، واستيعاب الاختلاف والتعددية وتقبل العبث واللاإكتمال، مع السعي في الوقت نفسه للحفاظ على أساس للتعايش العادل والمستدام. وهكذا، تظهر الحاجة إلى فلسفة قادرة على الجمع بين الحرية الفردية والمسؤولية الاجتماعية، بين الإبداع الذاتي والاعتراف بالتاريخ والثقافة، والفكر النقدي والقدرة على اتخاذ القرارات الأخلاقية العملية.
إن هذه العملية المعقدة تجعل من القيم ليس مجرد قواعد ثابتة، بل أدوات للتوجيه والتفاعل، تتشكل وتتغير بحسب خبرة الإنسان وتفاعله مع العالم، وهي بذلك تمنح الإنسان القدرة على إعادة تأويل حياته ومعايشة معناه في كل لحظة. يظل السؤال عن المعنى بعد الإله أو بعد الإنسان سؤالا مفتوحا، يتطلب حضور العقل النقدي ووعي الإنسان بذاته، وقدرته على مواجهة التحديات المعاصرة دون فقدان الإحساس بالقيمة والغاية.
إن ما قد نصل إليه بعد هذا التأمل الفكري هو أن المعنى بعد الإله أو بعد الإنسان ليس حالة سلبية من الفراغ أو اليأس، بل هو فرصة لإعادة تصور العلاقة بين الإنسان والقيم والفرد والمجتمع، وبين الحرية والمسؤولية. فالحقيقة التي يسلط الضوء عليها الفلاسفة المعاصرون هي أن أي محاولة لإعادة فرض قيم خارجية أو مطلقة، سواء كانت دينية أو ميتافيزيقية، لن تحقق الهدف المنشود من حيث الإشباع الوجودي، بل قد تؤدي إلى صدام مع الحرية الفردية، وغياب الاعتراف بالاختلاف والتنوع. وهذا ما يؤكده سارتر حين يقول بأن الإنسان "محكوم بالحرية" ولكنه أيضا "محكوم بالمسؤولية"، أي أن حرية خلق القيم والمعنى مرتبطة دوما بعبء الاعتراف بالآخر واحترام تاريخه وخبرته وسياقه.
إذا عدنا إلى هيدغر، نجد أن الإنسان "كائن نحو الموت"، وهذا التذكير المستمر بالحدود النهائية للوجود هو ما يتيح للمعنى أن يتحقق في كل فعل واعٍ. المعنى هنا ليس مطلقا أو جاهزا، بل هو نتيجة التفاعل بين الإنسان وحالته الوجودية ووعيه بذاته وبالعالم، وبين قراره المستمر في مواجهة الفراغ واللاإكتمال. وهذا ما يجعل عملية بناء المعنى عملية نقدية دائمة، تتطلب التأمل والمواجهة والقدرة على إعادة تقييم القيم بحسب التغيرات التاريخية والثقافية.
إحدى القضايا الجوهرية التي تبرز في هذا السياق هي قضية العدالة والقيم الأخلاقية في المجتمعات المعاصرة. فكما يرى هابرماس، لا يمكن للمعنى أن يتحقق خارج الفضاء التواصلي الذي يسمح بالحوار العقلاني والنقدي بين الأفراد. القيم هنا ليست مجرد أدوات للسيطرة أو التنظيم الاجتماعي، بل هي شروط لتكوين مجتمع قادر على التعايش والاعتراف بالاختلاف. هذه الفكرة تتلاقى مع نقد ميشيل فوكو للسلطة والمعرفة، حيث تتضح أن القيم والمعنى مرتبطان دوما بعلاقات القوة، وأن مهمة الفلسفة هي الكشف عن هذه الديناميات وتطوير وعي نقدي يمكن الإنسان من التحرر من القيود الظالمة، دون فقدان أي إمكانية للعيش المشترك.
وفي إطار الفلسفة النسوية، يصبح السؤال عن المعنى مرتبطا أيضا بتحرير الأفراد من القيود التقليدية التي تحدد دورهم في المجتمع. فالحرية هنا ليست مجرد حرية تفكير، بل حرية في إعادة صياغة القيم بما يتيح لكل فرد وخاصة المرأة، من حيث المشاركة الكاملة في بناء العالم وفهم المعنى وفق تجربة خاصة. وإعادة تفسير القيم بما يضمن الشمولية والعدالة التي قد تضيف بعدا أخلاقيا مهما لسؤال المعنى، فهو يربطه بالمسؤولية تجاه الآخر وبالإمكانية العملية للعيش المشترك.
من جهة أخرى، يعيدنا التفكير في المعنى بعد الإله أو بعد الإنسان إلى مسألة العبث التي طرحها ألبير كامو. العبث ليس نهاية الطريق، بل بداية لمشروع وجودي يمكن الإنسان من مواجهة الفراغ وإنتاج المعنى من داخله. القدرة على صناعة المعنى رغم غياب المطلق هي التي تمنح الحياة قيمتها، وليست الإشارات إلى الحقائق المطلقة أو العقائدية. هذا يتطلب وعيا بالذات وبالعالم، وقبولا بعدم اكتمال أي نظام قيمي، مع التمسك في الوقت نفسه بقدرة الإنسان على العمل والتغيير وعلى الإبداع.
إن هذا الجمع بين الحرية الفردية والمسؤولية الاجتماعية، والقدرة على إنتاج المعنى في سياق متعدد الأبعاد هو ما يجعل الفلسفة المعاصرة رصينة وعملية في آن واحد. فهي لا تهدف فقط إلى تفسير الواقع أو وصفه، بل تهدف إلى تطوير أدوات الإنسان لخلق معنى قابل للعيش فيه، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. وفي هذا الإطار، تصبح القيم ليست مجرد قواعد تقليدية، بل أدوات نقدية وعمليّة، تسمح للإنسان بمواجهة التحديات المعاصرة، من العولمة إلى التحولات الرقمية، ومن الصراعات الثقافية إلى التعددية الأخلاقية.
إن الخلاصة التي يمكن استخلاصها هي أن المعنى بعد الإله أو بعد الإنسان ليس غيابا للقيم، بل تحولا في فهمها وفي كيفية إنتاجها. القيم لم تعد خارجة عن الإنسان، بل هي نتاج وعيه وفاعليته، وهي مرتبطة بالقدرة على الاجتهاد والتأمل النقدي والاعتراف بالآخر حيث يمكن للإنسان أن يجد معنى لحياته حتى في عالم يفتقر إلى مطلقات ميتافيزيقية، وذلك من خلال فهمه للحرية والمسؤولية، من خلال مشاركته في الحياة الاجتماعية، ومن خلال تصوره للقيم كأدوات للإبداع والتغيير.
يظل السؤال عن المعنى سؤالا مفتوحا، يتطلب من الإنسان المعاصر حضور العقل النقدي ووعي الذات والتفاعل المسؤول مع العالم، مع القدرة على مواجهة التحديات المتجددة دون فقدان القدرة على الإبداع وعلى التغيير وعلى العيش بمعنى. فالمعنى بعد الإله أو بعد الإنسان، ليس مجرد اكتشاف بل هو صناعة مستمرة وتجربة متجددة، ومسار نقدي لا ينتهي، يجعل الإنسان مسؤولا عن ذاته وعن العالم الذي يعيش فيه، مع كل تعقيداته وتناقضاته، ومع كل الفرص التي يتيحها لتجاوز حدود اليقين التقليدي وإعادة صياغة القيم والمعنى في ضوء الحرية والعدالة والوعي الإنساني.
هكذا نصل إلى رؤية فلسفية قد تكون شاملة مجملها : أن المعنى بعد الإله أو بعد الإنسان ليس فراغا، بل فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والقيم، وفرصة لإعادة بناء تجربة الوجود بطريقة نقدية مسؤولة ومرنة، بحيث يكون الإنسان في كل لحظة صانعا للمعنى وفاعلا فيه، لا مجرد متلقي أو مقلد، وهو بذلك يعيش الوجود بحقيقة واعية متفاعلة ومبدعة، قادرة على مواجهة التحديات المعاصرة وإنتاج القيم والمعنى في كل تجربة حياتية.
***
د. حمزة مولخنيف






