عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

فؤاد ميرزا: في البدء كان السيرك.. المثقف أمام كلماته القديمة

في آخر أكتوبر، تضيء وجوه اليقطين أمام البيوت الأمريكية. يلمع سنّ في فم يقطينة، ويقترب طفل، يتردد، ثم يمدّ كيس الحلوى. أستعيد معه ليالي بغداد الرمضانية، والمحيّة في منتصف الشهر، وأصوات الصغار: «ماجينة يا ماجينة، حلّ الچيس وانطينة». أتذكر الباب حين ينفتح، واليد التي تمدّ الحلوى، ثم الركض إلى البيت التالي. كانت للّيل ألفة خاصة، تمتدّ في بعض البيوت إلى السحور.

للهالوين تاريخ تتداخل فيه احتفالات أوروبية قديمة بانتهاء الحصاد ومجيء الشتاء، وتقاليد مسيحية لتذكّر الموتى. وللماجينة مكانها في عاداتنا الرمضانية الشعبية. تجمع ذاكرتي بين أطفال يطرقون الأبواب وجيران ينتظرونهم، ثم يتقدم من إحدى الشرفات شبح. يصرخ الطفل، يتراجع، ويضحك حين يلمح حذاء الرجل تحت الرداء. تظل الرجفة في كتفيه قليلاً. يعرف الآن صاحب الشبح، وربما طلب أن يلمس قناعه.

في «القلب الواشي» لأدغار ألن بو، نسمع مع الراوي دقات تشتدّ حتى تدفعه إلى الاعتراف. وعلى الخشبة تكفي خطوة في الظلام لكي نحسّ أن أحداً يقترب. وفي «الصرخة» لمونك يتموّج القلق حول الوجه ويمتدّ في السماء. يأخذ الخوف وقتاً أطول حين ندخل هذه الأعمال، وقد يبقى معنا بعد إغلاق الكتاب أو مغادرة المسرح. ومن فم اليقطينة المضاء، مروراً بتلك الصرخة، أصل إلى أفواه فرانسيس بيكون. أمامها أشعر بانقباض خفيف في فكّي.

ثمة رجل على كرسي. أبحث عن عينه، فتقودني لطخة إلى ناحية أخرى من الرأس. الخدّ ممسوح، والأنف يكاد يضيع، والفم أوضح مما ينبغي. أتراجع قليلاً لكي أجمع الوجه، ثم أقترب. ما زالت فيه بقية من شخص يمكن أن نلقاه في ممر، أو نراه من نافذة حافلة. هذه البقية تستبقيني. لو اكتملت غرابته لربما انصرفت عنه، لكنه يردّني إلى وجوه أعرفها.

ولد بيكون في دبلن عام 1909، وعاش حتى 1992. في المسافة بين التاريخين، عرف القرن كيف يحرق مدناً ويترك الناجين يقلبون صور أهلهم. أنظر إلى أجساده وفي ذهني تلك الحروب، مع أن عزلة الغرف في لوحاته تتسع لخوف أقدم من القصف. رجل وحده مع جسده، يشعر بوجع في ناحية منه ويترقب ما سيحدث. قد يبقى الشارع هادئاً، ويظل هذا الرجل عاجزاً عن النوم.3423 mirza

وكان بيكون في أوائل الثلاثينات حين تطوّع في الدفاع المدني بلندن، بعدما أعفاه الربو من الخدمة العسكرية. عمل ضمن فرق الوقاية من الغارات الجوية، بين إطفاء الحرائق وإنقاذ المدنيين وانتشال الموتى. هناك صار الجسد الذي سيشغله طويلاً في الرسم جسداً يُرفع من الركام. وفي الشوارع المهدّمة اشتدّ عليه الربو، حتى اضطر إلى ترك الخدمة عام 1943. أتوقف عند هذا التفصيل: غبار البيوت يدخل صدره، فيما تعمل يداه قرب ما خلّفه القصف. وحين أعود إلى وجوهه الممسوحة وأفواهها المكشوفة، يصعب عليّ أن أبعد تلك الشوارع عن ذهني.

ثم أنظر إلى صور مرسمه: أوراق وصور ممزقة، وعلب ألوان وفُرش، وأكوام تضيق بينها مساحة القدم. تبدو الغرفة كأن انفجاراً مرّ بها وترك على الجدران لطخاته. أتخيل يده تبحث بين ذلك الهشيم عن صورة، ترفع وجهاً من تحت الأوراق، وتحمله إلى القماش. هناك تتبدّل ملامحه مرة أخرى.

في «ثلاث دراسات لشخصيات عند قاعدة صلب» عام 1944، يلسع البرتقالي العين. على امتداده تظهر كائنات رمادية، بأعناق ملتوية وأطراف يصعب الاطمئنان إلى وظائفها. يمتد عنق إلى فم مكشوف، كأن الجسد كله دُفع إلى تلك الفتحة. لكل كائن لوحه ومساحته، والقرب بين الثلاثة يزيد وحدتها. أتخيل أن يلتفت أحدها إلى الآخر، لكن الالتفات نفسه يبدو مؤلماً. عنوان الصلب يحمل إلى المشهد ذاكرة العذاب، ثم تتركنا الأجساد أمام ألم تعذّر عليه الاحتفاظ بهيئته البشرية.

رُسمت الثلاثية والحرب العالمية الثانية لم تنتهِ بعد. أتوقف عند الرقبة التي طالت أكثر مما يحتملها رأس. أقرأ فيها أثر ذلك الزمن، وأفكر أيضاً في الذاكرة حين تعجز عن إعادة وجه غائب. تعرفه جيداً، ثم تخونك ملامحه في اللحظة التي تحتاج إليه فيها. تصبح محاولة التعرف جزءاً من وجع اللوحة.

في «لوحة 1946»، تجذبني أولاً الثياب الداكنة، ثم المظلة المفتوحة فوق الرجل. تحت حافتها يظهر فم بأسنان مكشوفة. وراءه لحم معلق، وامتداد الذبيحة يستدعي هيئة الصلب. تكاد رائحة المسلخ تدخل المشهد، مع أن كل ما أمامنا لون جاف على قماش. يرى متحف الفن الحديث بنيويورك في اللوحة صلات بصور السلطة والحرب، ويشير إلى احتمال أن تذكّر المظلة بتشمبرلين. تظل هوية الرجل غامضة، وتظل بدلته صالحة للظهور أمام الناس. اللحم المعلق وراءه يفسد استعدادنا للإصغاء.

الحرب قادرة على صنع هذا التجاور. رجل يعدّل ثيابه، وفي مكان آخر يُرفع جسد عن الأرض. تصلنا الجثة في خبر قصير، وربما عبر رقم بين أرقام. كان لصاحبها موضع على مائدة، وحذاء يخلعه عند الباب، وأحد ينتظر عودته. من هذه التفاصيل الصغيرة أفهم قذارة الحرب، من قدرتها على اقتلاع الإنسان ثم اختصاره. أحمل هذه القراءة إلى بيكون، فأجد في بقاء آثار الوجه ما يقاوم اكتمال المحو. ولا أنسب إليه خطاباً سياسياً محدداً، فالأجساد في لوحاته تظل أوسع من الحادثة التي نستدعيها لتفسيرها.

***

فؤاد مرزا البغدادي

 

في المثقف اليوم