عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

عبد الحكيم كشاد: ماذا يحدث للإنسان عندما يحس بأن المجتمع لم يعد بحاجة إليه؟

لا خيار آخر في الدراما الكورية

استطاعت السينما الكورية خلال السنوات اﻷخيرة أن تفرض حضورها بتنوع مواضيعها وأساليبها مع اهتمام واضح بالقضايا الاجتماعية واﻹنسانية، كما تميزت السينما الكورية بتقديم قصص تحمل أبعادا نفسية عميقة إلى جانب أسلوب بصري مميز. وقد ساهم عدد من اﻷفلام والمخرجين الكوريين في المهرجانات الدولية إلى انتشار السينما، ووصولها إلى قاعدة عريضة من المشاهدين في انحاء العالم، واهتمام النقاد والمهتمين بهذا الفن. في عام 2025 قدم المخرج " بارك تشان ووك " لاخيار آخر " دراما سينمائية اجتماعية مثيرة عن الحياة الكورية الجنوبية المعاصرة، تبدأ بأزمة تتجاوز فقدان الراتب لموظف ما إلى تهديد مباشر لمكانته داخل أسرته وللحياة التي بناها طوال سنوات. الفيلم مأخوذ عن رواية "الفأس" للكاتب اﻷمريكي "دونالد وستليك" الفكرة تم نقلها إلى واقع كوري معاصر تتداخل فيه المنافسة الاقتصادية، والضغط المهني، والخوف من المستقبل."مان سو" مدير مصنع يتم الاستغناء عنه بصورة مفاجئة، فيبدأ رحلته البائسة للبحث عن وظيفة في سوق عمل لايبدو مستعدا لمنحه فرصة أخرى. لكن ما يجعل الفيلم مهما اجتماعيا هو أن البطالة هنا ليست مشكلة فردية فمان سو لديه زوجة وأطفال، والتزمات مالية، وحياة اعتاد عليها، لذلك يصبح فقدان الوظيفة تهديدا شاملا لحياة بكاملها، يمر الوقت ويتحول البحث عن العمل إلى هاجس يسيطر على حياته، ويصبح المنافسون على الوظائف باعتبارهم عقبات يجب التخلص منهم. وهنا يتحول الفيلم من دراما اجتماعية إلى كوميدياء سوداء. الحبكة الذي عرف به المخرج "بارك تشان ووك "توليفة الصراع الاقتصادي والاجتماعي والذي اختلف كثيرا عن أفلامه السابقة، وجمع بين اﻷثنين في قلب الحكاية بطريقة مألوفة. السؤال العريض الذي يقدمه الفيلم. ماذا يحدث للإنسان عندما يعلم بأن المجتمع لم يعد بحاجة إليه؟ الجانب النفسي وأثاره تبدو أكثر دراماتيكية، حين تصبح نظرة الزوجة واﻷولاد كل خشية الرجل الذي فقد وظيفته، يخشى حتى احترامه لنفسه. أن تصبح شخصا زائدا في سوق عمل لا يرحم الكبار أو من فقدوا وظائفهم. كل هذه التفاصيل يجعلك الفيلم تعيشها خطوة بخطوة مع "مان سو" حتى نصل إلى نقطة تحول مفصلية في سؤال اجتماعي قاس عبر فرضية أن يتحول اﻹنسان إلى عدو للآخرين. هذا السؤال هو المحرك اﻷساسي للأحداث، وهنا يستخدم "بارك تشان ووك " السخرية المرة " الكوميديا السوداء " مع العنف للتخفيف من مشاهد الصعبة، فالمواقف التي تبدو مضحكة في ظاهرها تخفي خلفها مأساة إنسانية. ففي تتبعنا لحياة "مان تسو "وقد قضى سنوات من عمره في وظيفة يعتقد أنها ستوفر له الاستقرار، فانهيار حياته، يمكن قراءته بوصفه انعكاسا للطبقة الوسطى حيث يرتبط العمل بمكانة اﻹنسان داخل أسرته. في إجابة الفيلم: من المسؤول عن اﻷزمة ؟، يرسم منظومة اقتصادية واجتماعية تحيط بكل الجوانب، من الموظف الذي يخشى الفصل، إلى الشركات التي تبحث عن خفض التكاليف، والعائلات التي تعتمد على راتب واحد من ذوي الدخل المحدود، وأولئك المتنافسون على الوظائف، كل ذلك تحت ضغط هذه التفاصيل مجتمعة، الخوف على فقدان الوظيفة، والقلق على اﻷسرة يجعل من الفيلم متجاوزا لحدوده الجغرافية، وفي قلب كل مشاهد يمكن أن يراه في كل مكان.      

والملاحظ وإن حمل الفيلم نبرة قاتمة إلا أنه تمتع بحس ساخر، جعل من تجربته مختلفة عن الدراما الاجتماعية التقليدية، حتى بالنسبة للمخرج نفسه، وهذه الموازنة بين الكوميديا والعناصر اﻹنسانية هو أسلوب " بارك تشان ووك " المفضل، وهو ماكشف أيضا عن جانب التحول في السينما الكورية بعد أن عرفت بأفلام الجريمة واﻹثارة. " لا خيار آخر " لا يستخدم فيه المخرج العنف لمجرد التشويق بل يحوله إلى نتيجة متطرفة للضغط الاقتصادي والنفسي، وأهمية العمل باعتباره جزءا من هوية اﻹنسان عن عالم يتحول فيه الزملاء إلى منافسين، والوظيفة من مصدر استقرار إلى مسألة حياة أو موت.. نخرج بعد مشاهدة أحداث الفيلم بفكرة غير مريحة أو هي مخيفة عن الخوف من فقدان العمل، والعلاقة المعقدة بين المال واﻷسرة والكرامة، أمام عالم يمكن أن يجد فيه كثير من الناس أنفسهم في المكان الذي وجد "مان سو " نفسه فيه بلا وظيفة، ولا يقين بشأن الغد تحت ضغط الحاجة إلى حماية اﻷسرة. بشكل عام يمكن قراءة فيلم " لا خيار آخر " باعتباره مرآة للقلق الاقتصادي الذي يعيشه اﻹنسان المعاصر مع الاحتفاظ بالخصوصية الثقافية والمجتمعية لكوريا الجنوبية.

***

عبد الحكيم كشاد

في المثقف اليوم