عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

جمال العتابي: كوجو.. جورنيكا العراق المنسية

في الذاكرة الإنسانية قريتان تتشابهان حتى في اللفظ: "جورنيكا" في إسبانيا، و"كوجو" في سنجار. الأولى دمّرتها طائرات الحرب الأهلية الإسبانية عام 1937، فنهض بابلو بيكاسو من بين الركام ورسم لوحته الخالدة، لتغدو جورنيكا رمزاً عالمياً في إدانة الحروب والوحشية. اللوحة إحدى قمم الأعمال الفنية التي أنجزها بيكاسو في تجسيد مأساة مدينة "جورنيكا" ومواجهة القسوة تحت وابل القنابل التي قذفتها طائرات الفاشية، حتى سوّتها بالأرض.

  بيكاسو اعتمد اللونين الأسود والأبيض، للإفصاح عن غرضه، وهو التعبير البليغ عن بؤس الإنسانية، وكأنه بهذا العمل قد تنبأ بكل ما جرى بعد ذلك، وبأوسع نطاق، في أثناء الحرب العالمية الثانية.3141 bablo

   لم يلجأ الفنان لأية محاولة للضبط أو الحذر اللازمين دائماً لضمان نجاح عمله، بل سيطر الاندفاع العنيف على كل خطوط ومساحات اللوحة، ولا أحد يستطيع أن يتصور بأي عزم أو أية إرادة استطاع بيكاسو أن يوجّه الأشكال المرسومة لتعبر عن غرضها. حتى أننا في خضمّ اندفاع الخطوط هذا لا نستطيع ان نميز الهوس العاطفي المكتوم المسيطر على جو العمل الفني الناتج من احساسه بفقدان بلده إلى الأبد. لقد أحال بيكاسو عواطفه الصادقة إلى عاصفة من المساحات الحادة والانفعال غير المحدد لحادثة مفجعة.

أما الثانية، فهي قرية "كوجو" في سنجار.. ما أوحش الدرب اليها، بعد أن وطأته قوافل الردى وعواء الذئاب، اجتاحها أهل اللحى المتوحشون، الخارجون من كهوف التاريخ المظلمة، في آب عام 2014، فارتكبوا فيها واحدة من أبشع جرائم الإبادة الجماعية في القرن الحادي والعشرين، وما تزال المقابر الجماعية شاهدة على ما جرى.3139 kocho

لكن السؤال الذي يؤرق الضمير الإنساني هو: من يرسم "كوجو"؟ من يخلدها؟

من يمنح أطفالها وجوههم من جديد؟ من يجعل صرخات نسائها وأمهاتها لغةً يفهمها العالم؟ من يحوّل الخراب إلى ذاكرة بصرية لا يستطيع التاريخ أن يمحوها؟

لقد أنقذت ريشة بيكاسو جورنيكا من النسيان، فلم تعد مجرد مدينة أُحرقت، بل صارت ضميراً أخلاقياً للبشرية. أما "كوجو"، فما تزال تنتظر، رسّامها الكبير، وموسيقاها التي ترفع أسماء ضحاياها إلى مرتبة الخلود.

ليس الفن ترفاً بعد المذابح، بل هو الشاهد الأخير عندما تصمت البنادق، ويُخذل الساسة، ويبهت الخبر في نشرات الأخبار. لذلك فإن كوجو لا تحتاج إلى نصب تذكاري فحسب، بل إلى عمل إبداعي عظيم يجعل العالم، كلما نطق باسم جورنيكا، تذكّر كوجو أيضاً، لأن الدم البريء لا وطن له، ولأن الإنسانية إذا حفظت مأساة شعب واحد، وجب عليها أن تحفظ مآسي جميع الشعوب.

جورنيكا، لم تخلّد المدينة لأنها وثّقت تفاصيل المجزرة، بل لأنها حوّلت الألم المحلي إلى رمز إنساني عالمي. هذه هي المهمة التي ما تزال تنتظر كوجو: ليجعلها رمزاً كونياً للإبادة، تماماً كما أصبحت جورنيكا رمزاً للحرب، وهيروشيما رمزاً لسلاح الدمار النووي. وكوجو الصحراء في وحشتها.

  آن للقبور التي سيجت منازلك بالموت، أن تنهض، فخاتمة الدنيا فناء فيك، هنا على ترابك تمتحن الأرض، فما عادت تعطي تيناً وزيتوناً، لأن الماء دماء، فأصيح في لهف يمزقني:3140 kocho

عفوك الآن (كوجو..)

لقد غلبني اليأس، وأسلمت نفسي للبكاء، كان أحرى أن لا أراك، انه الموت في زمن الرايات السود، إني أتيه، أتيه في صمتي، أحثّ خطاي اليك..

أصيح ..أصيح…حتى تنتهي رئتي، وتسقط في فمي حنجرتي، فيجيبني رجع الصدى، والحشرجات، فانطوي، وأعود أصرخ.. ألف أصرخ …لا الصدى ينبي، ولا صمتي، ولا قافيتي…

الى أين رحلتِ يا كوجو، وغبتِ؟؟

وأهلك إلى أين أبحرتم، ومعكم متاعكم الأخير؟

ها هي الاضلع العجفى المقيمات على صحرائك، تتصدى لهجوم الهمجيين، أية عذابات أشتعلت فينا، كأننا ننصت لأصوات الابتهالات والاستغاثات، ياقرابين الضحايا الاوفياء لتراب كوجو، دعونا نسمع، لا تدعوا ارواحكم تجفل من هذا القادم المستريح، وهو يتحاشى أن يعبر مثوى الشهداء، انكم والله ترنيمة بين شفاه الانبياء.

ألف جيل يا كوجو، ستظل الشمس خجلى في الشروق بعد اختفائك،

أبداً ستلاحقنا ضحكات اطفال كوجو، ونحن نغادرك، بل ستطاردنا دماؤهم، وأنتَ يا جبل سنجار، هذا الوهج المتكبر، والقمر الملقى خلفك، ادركنا من صوت الثأر، فنحن وديعة بين يديك، لم يبق لدينا سوى الندم المتعثر والأسف، وأولئك لن ينقذهم من مشنقة التاريخ مسارهم القذر..Public Sénat

***

جمال العتّابي

في المثقف اليوم