انطلق عرض الفيلم الوثائقي البريطاني "نازا" عبر مهرجان البندقية السينمائي الدولي في دورته الثالثة والثمانين، ليشهد مسرح العرض سابقة تاريخية وقف فيها الجمهور مصفقاً ومحتفياً لأكثر من خمس وعشرين دقيقة متواصلة، معلناً بذلك ولادة وثيقة إدانة سياسية وأمنية وقانونية غير مسبوقة تلاحق قادة تل أبيب. والعمل، الذي أنتجته صحيفة الغارديان بالتعاون مع شركة "جيه دبليو فيلمز" وأخرجه السينمائيان الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل زور، يستوحي اسمه من مصطلح عسكري عبري يعني "الأضرار الجانبية"؛ وهو التعبير الرياضي الجاف الذي تستخدمه المؤسسة العسكرية للإشارة إلى حجم الخسائر البشرية المتوقعة بين المدنيين قبل الموافقة على أي ضربة جوية. ولم يعد هذا الشريط مجرد رصد لشهادات سرية قدمها أربعة وعشرون ضابطاً وجندياً من الاستخبارات والجيش، بل أضحى كاشفاً لآلية عمل أنظمة الاستهداف الرقمية، ومبيناً كيف تمنح الخوارزميات والذكاء الاصطناعي تفويضاً لإبادة عائلات بأكملها وتدمير أحياء سكنية بذريعة تصفية أهداف منخفضة الرتب داخل منازلهم ليلاً.
وتأسيساً على هذه المكاشفات الصادمة التي فجرها العرض العالمي، شكّل الفيلم زلزالاً عنيفاً هز الساحة الإسرائيلية الداخلية مسبباً شرخاً عميقاً في منظومة الحكم؛ فبينما يطالب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وجناحه اليميني بمحاكمة صناع العمل وفتح تحقيقات مع الأجهزة الأمنية بتهمة تسريب أسرار عسكرية والخيانة العظمى، اصطفت المنظمات الحقوقية وصناع السينما في الداخل للدفاع عن المخرجين محذرين من صعود الفاشية الثقافية وتكميم الأفواه، مما دفع الحكومة لسن تشريعات استثنائية أطلقت عليها "قوانين نازا" لمعاقبة وتغريم كل من يساهم في تشويه صورة الجنود في الخارج. ولم تتوقف هذه التداعيات عند الحدود المحلية، بل امتدت لتحدث صدمة وعي على الساحة الدولية أثبتت أن السردية الرسمية لتل أبيب لم تعد قادرة على احتكار الحقيقة، وهو ما غذى الحراك الشعبي للضغط على الحكومات الغربية بغية تقييد مبيعات السلاح. بيد أن السابقة القانونية الأهم التي يفجرها هذا الفيلم، والتي لم تتطرق لها المنصات الإعلامية بعد، تكمن في تفكيكه لمفهوم "مجرم الحرب" في العصر الرقمي؛ إذ تؤكد الشهادات أن نظام الذكاء الاصطناعي تم تزويده مسبقاً بـ "هامش خطأ مقبول" يتساهل مع تصفية المدنيين، مما يعني قانونياً أن المهندسين والمبرمجين وشركات التقنية التي صممت هذه البرمجيات عسكرياً، باتوا يواجهون اليوم شبح الملاحقة والمحاكمة أمام محكمة الجنايات الدولية كشركاء مباشرين في التسهيل العمد لجرائم الحرب وفقاً للمادة الخامسة والعشرين من نظام روما الأساسي. إن هذا الوعي الرياضي المسبق بالنتائج الدموية يجرّد الجنرالات من دفوع الجهل أو تلقي معلومات استخباراتية خاطئة، ويحول الفعل في القانون الدولي إلى قصد جنائي احتمالي معقد، وهي أعلى درجات الإدانة التي يستحيل النفاذ منها، ممهداً الطريق لاستخدام هذه الاعترافات كأدلة دامغة لتعميق العزلة الدبلوماسية والثقافية.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، يتضح أن فيلم "نازا" لم يعد مجرد شريط سينمائي عابر شارك في محفل دولي، بل غدا نقطة تحول فارقة عرّت النزعة التكنولوجية المفرطة في الحروب الحديثة وبشاعة أتمتة الموت. ويتمثل الأثر الأكبر والمستقبلي لهذا العمل في أنه وضع "العقل الرقمي" وصنّاعه خلف قضبان المسؤولية الأخلاقية والقانونية، مجبراً المجتمع الدولي والأمم المتحدة على إعادة صياغة معاهدات ملزمة تحظر ترك قرارات الحياة والموت لآلات صماء، ليكون بمثابة الصرخة التي أثبتت للعالم أن الخوارزميات إذا ما جُرّدت من القيم الإنسانية، فلن تصنع جيوشاً ذكية، بل أدوات إبادة مشرعنة ستظل آثارها تلاحق مبرمجيها ومستخدميها لجيل كامل قادم .
***
بقلم صبيح الكعبي








