عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

عماد خالد رحمة: النكرة والمعرفة

من اتساع الدلالة إلى تعيين المقصود

النكرة والمعرفة في العربية من صميم النظام الدلالي للغة، لذا فهي ليست مسألةً نحويةً محضة، ولا بابًا من أبواب الإعراب يُستوفى بحفظ التعريفات واستظهار التقسيمات؛ وإنما هما من صميم النظام الدلالي للغة، ومن الأدوات التي تتوسل بها العربية إلى ضبط علاقة اللفظ بالمرجع، وتحديد مقدار ما يريده المتكلم من المعنى: أيريد شيئًا مطلقًا غير معيّن، أم يريد ذاتًا أو معنىً قد استقرّ تعيينه في ذهنه أو في سياق الكلام؟

ومن هنا كان التمييز بين النكرة والمعرفة مدخلًا مهمًا لفهم دقة العربية في بناء المعنى؛ فقولنا: جاء رجلٌ يفتح باب الاحتمال على أفراد الجنس، أما قولنا: جاء الرجلُ فينقل السامع من فضاء الاحتمال إلى دائرة التعيين. وليس الفرق بين العبارتين في صورة اللفظ وحدها، بل في مقدار المعرفة التي يتيحها المتكلم للسامع عن المقصود.

أولًا: النكرة في تصور النحاة

عرف النحاة النكرة بأنها ما دلّ على شيء غير معيّن من أفراد جنسه، نحو: رجل، كتاب، شجرة، مدينة. فإذا قلت: رأيت رجلًا لم يتحدد في الكلام أيُّ رجل هو المراد؛ وإنما وقع اللفظ على واحد غير معيّن من جنس الرجال.

وقد جعل سيبويه التمييز بين المعرفة والنكرة قائمًا على معنى التعيين، فالمعرفة عنده ما دلّ على شيء بعينه، في حين تتسع النكرة لما لم يتعيّن. وهذا التصور يكشف أن النحو العربي القديم لم يكن ينظر إلى اللفظ منعزلًا عن وظيفته في الدلالة.

فالنكرة ليست بالضرورة مجهولة للمتكلم، وإنما قد تكون معلومة لديه، لكنه يتعمد عدم تعيينها للسامع. وهذه نقطة دقيقة؛ لأن عدم التعيين في اللفظ لا يستلزم عدم المعرفة في ذهن المتكلم.

حين يقول الشاعر:

مررتُ ببحرٍ لا تحدُّ ضفافَهُ

فكلمة بحر نكرة من حيث الصناعة، لكنها قد تكون محمّلة بدلالات رمزية واسعة؛ فقد يكون البحر بحرًا حقيقيًا، وقد يكون استعارةً للإنسان أو العلم أو الزمن. وهنا تتحول النكرة من مجرد عدم التعيين إلى طاقة إيحائية.

ثانياً: المعرفة وأنواعها

المعرفة في اصطلاح النحاة ما دلّ على معيّن. وقد اشتهرت عند جمهور النحويين أقسامها الستة:

١. الضمير: مثل أنا، أنت، هو، نحن.

٢. العَلَم: مثل محمد، دمشق، فلسطين.

٣. اسم الإشارة: مثل هذا، هذه، أولئك.

٤. الاسم الموصول: مثل الذي، التي، الذين.

٥. المعرّف بـ«أل»: مثل الرجل، الكتاب، الوطن.

٦. المضاف إلى معرفة: مثل كتابُ الطالب، بابُ البيت، أرضُ فلسطين.

ويضيف بعض النحاة في التفصيل ما يوضح مراتب التعريف وقوته، إذ ليست المعارف كلها على درجة واحدة من التعيين.

فالضمير في أنا أشد اتصالًا بمرجعه المقامي من اسم عام دخلت عليه «أل»، والعلم في محمد يعيّن مسمّاه بالوضع، واسم الإشارة في هذا يعتمد على المقام والسياق، أما الموصول فيحتاج إلى صلته لاستكمال تعيينه.

وهذا يعني أن التعريف ليس درجة واحدة، وإنما شبكة من وسائل الإحالة والتعيين.

ثالثاً: موقف البصريين والكوفيين

لم يكن الخلاف بين المدرستين البصرية والكوفية في باب النكرة والمعرفة خلافًا بسيطًا في تسمية الأشياء، بل اتصل بقضايا أعمق في تصور اللغة، وحدود القياس، وعلاقة الصناعة النحوية بالدلالة.

وقد غلب على المدرسة البصرية نزوعها إلى التقعيد والقياس وضبط الظواهر ضمن أنظمة كلية، بينما اتسمت المدرسة الكوفية بعناية أكبر بالسماع والرواية واتساع الاحتجاج بما ورد عن العرب، وإن كان من الخطأ تحويل هذا الفرق إلى قطيعة مطلقة؛ فكلا المدرستين استفاد من السماع والقياس، وإنما اختلفتا في مقدار الاعتماد عليهما وفي بعض الأصول والتفريعات.

ومن المسائل التي تظهر فيها عناية النحاة بالمعرفة والنكرة مسألة «أل»؛ فقد بحثوا: هل هي للتعريف، أم لها وظائف أخرى بحسب السياق؟ وهل التعريف الذي تحدثه تعريف جنسي أم عهدي أم استغراقي؟

وهنا تتسع المسألة من النحو إلى فقه اللغة؛ لأن قولنا:

جاء الرجلُ

قد يعني رجلًا معروفًا بين المتخاطبين، وهو العهد الذكري أو الذهني أو الحضوري بحسب السياق، وقد يراد به الجنس كله، كما في:

الرجلُ أقدرُ على تحمّل بعض المسؤوليات.

وقد يراد بالجمع الاستغراق، مثل:

إن الإنسانَ لفي خسر،

بحسب السياق والدلالة المقصودة.

وهذا يبيّن أن دخول «أل» على الاسم لا يؤدي وظيفة واحدة في جميع المقامات، بل تتعدد دلالاتها بتعدد السياقات.

رابعاً: النكرة والمعرفة عند فقهاء اللغة

ينظر فقهاء اللغة إلى الظاهرة من زاوية أوسع من حدود الإعراب؛ إذ يبحثون في الاستعمال، والسياق، وتطور الدلالة، والمقام، وعلاقة اللفظ بالمعنى.

فالنكرة قد تكون أبلغ من المعرفة حين يكون المقصود هو الإبهام أو التعظيم أو التهويل أو التكثير.

نقول:

جاء رجلٌ يسأل عنك.

فتبدو الجملة خبرية محايدة.

لكن إذا قلنا:

جاء رجلٌ لا يشبه الرجال.

فإن التنكير لم يعد مجرد عدم تعيين؛ لقد صار وسيلة لفتح أفق التوقع وإثارة انتباه المتلقي.

وقد تأتي النكرة للتعظيم:

ولَكَ في الحياةِ موقفٌ.

فـ«موقف» نكرة، لكن السياق قد يجعلها ذات دلالة عظيمة.

وقد تأتي للتهويل:

ورأيتُ أمرًا عظيمًا.

وقد تأتي للتكثير:

كم من كتابٍ قرأت!

وقد تأتي للتحقير بحسب المقام:

هذا أمرٌ تافه.

إذن لا يمكن فهم النكرة فهمًا مكتملًا إذا حُصرت في عبارة «ما شاع في جنسه»؛ لأن السياق قادر على أن يمنحها وظائف بلاغية تتجاوز أصلها النحوي.

خامساً: التعريف والتنكير بين النحو والبلاغة

أدرك البلاغيون أن اختيار المتكلم بين النكرة والمعرفة ليس اعتباطيًا، بل هو جزء من هندسة الخطاب.

فإذا كان المقام مقام التعيين جاء التعريف مناسباً:

جاء خالد.

أما إذا كان المقام مقام الإبهام المقصود فقد تكون النكرة أبلغ:

جاء رجلٌ يحمل خبراً غريباً.

إن السامع هنا لا يعرف الرجل، ولذلك يبقى ذهنه مشدودًا إلى ما سيأتي بعد ذلك.

ولهذا يرتبط التعريف والتنكير بما يسميه علماء البلاغة مقتضى الحال؛ فالعبارة البليغة ليست التي تستعمل المعرفة دائمًا، ولا التي تستكثر من التنكير، وإنما التي تختار الصورة التي تلائم المقام.

ومن أبدع ما في العربية أن المتكلم يستطيع أن ينقل الاسم من حالة إلى أخرى دون أن يتغير جوهره المعجمي:

رجل - الرجل - رجلٌ آخر - هذا الرجل - رجلُ زيدٍ.

كل انتقال هنا يغيّر مساحة المرجع ودرجة التعيين، ومن ثم يغيّر علاقة المتلقي بالمعنى.

سادساً: المعرفة ليست دائمًا أوضح من النكرة

قد يبدو لأول وهلة أن المعرفة أكثر وضوحًا من النكرة، لكن هذا الحكم يحتاج إلى شيء من الاحتراز.

فـ«هذا» معرفة، غير أن السامع لا يستطيع تعيين المشار إليه إذا لم يرَ ما يشير إليه المتكلم أو يعرف السياق.

و«الذي» معرفة، لكنه لا يكتمل تعيينه إلا بالصلة:

جاء الذي تحدثتُ عنه.

أما قولنا:

رأيتُ رجلًا.

فهو نكرة، لكنه قد يصبح معلوم المرجع من السياق السابق.

فإذا قلت:

دخل رجلٌ إلى القاعة، ثم جلس.

فإن رجلًا في الجملة الأولى نكرة، لكنه في الجملة الثانية يعود بوسيلة الإحالة إلى الشخص نفسه:

جلس الرجلُ.

وهنا يتحول الاسم من التنكير إلى التعريف بالعهد الذكري؛ لأن ما كان مجهول التعيين في بداية الخطاب أصبح معلومًا بعد ذكره.

وهذه الحركة بين النكرة والمعرفة تكشف أن اللغة ليست مجموعة قوالب جامدة، وإنما هي نظام متحرك لبناء المعرفة داخل الخطاب.

سابعاً: النكرة والمعرفة في القرآن الكريم

تتجلى دقة العربية بأعلى صورها في النص القرآني؛ إذ لا يأتي التنكير أو التعريف عبثًا، بل تتضافر البنية النحوية مع المقصد الدلالي والبلاغي.

ومن ذلك قوله تعالى:

﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾

فجاء رجل نكرة، بينما جاءت المدينة معرفة. وفي التنكير هنا مجال دلالي يختلف عن التعريف؛ فالرجل لم يُذكر باسمه، وإنما عُرّف بفعله وموقعه وموقفه.

وفي قوله تعالى:

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

يأتي التعريف في بنية الاسم بما يتناسب مع المقام العقدي والدلالي، حيث لا يتعلق الخطاب بشيء مبهم أو غير معين، بل بإحالة مخصوصة.

وهكذا يصبح النحو في النص القرآني جزءًا من المعمار الدلالي، لا مجرد صناعة إعرابية منفصلة عن المعنى.

ثامناً: لماذا نحتاج إلى التمييز بين النكرة والمعرفة؟

لأن الخطأ في فهمهما قد يقود إلى خطأ في فهم النص نفسه.

فالفرق بين:

«رأيتُ عالمًا»

و

«رأيتُ العالمَ»

ليس فرقًا شكلياً؛ الأولى تفيد فرداً غير معيّن من جنس العلماء، والثانية تفترض أن هناك عالمًا معينًا يمكن للمتلقي أن يهتدي إليه من السياق.

وكذلك الفرق بين:

«وطنٌ»

و

«الوطن»

قد يكون بالغ الأثر في الخطاب الأدبي والفكري. فالأولى تفتح المعنى على مفهوم عام، بينما الثانية قد تستحضر وطنًا معينًا معلومًا في وجدان المتلقي أو سياقه.

ومن هنا يتضح أن التعريف والتنكير من آليات بناء الرؤية، لا من زينة العبارة.

إن النكرة والمعرفة في العربية ليستا مجرد بابين محفوظين في كتب النحو، بل هما صورتان من صور التفكير باللغة: النكرة تترك الباب مفتوحًا على الاحتمال، والمعرفة تضيق بدائرة الاحتمال حتى تبلغ التعيين.

وقد أسهم النحاة البصريون والكوفيون، كلٌّ من زاويته، في بناء التصور العربي لهذه الثنائية، ثم جاء البلاغيون وفقهاء اللغة ليكشفوا أن الوظيفة الدلالية لا تستقر عند حدود التعريف النحوي؛ فالتنكير قد يكون للتعظيم أو التهويل أو التكثير أو الإبهام المقصود، والتعريف قد يكون للعهد أو الجنس أو الاستغراق، ولا يستبين المراد إلا بالنظر في السياق والمقام.

ولعل أجمل ما تكشفه هذه المسألة أن العربية لا تنظر إلى الاسم بوصفه كلمة قائمة بذاتها، بل بوصفه كائنًا دلاليًا يتحرك داخل السياق؛ فقد يكون الاسم نكرة في لحظة، ثم يصبح معرفة في لحظة أخرى، وقد تكون المعرفة أقل وضوحًا من النكرة إذا غاب المقام، وقد تتحول النكرة نفسها إلى أداة بلاغية تفتح في ذهن القارئ فضاءً من الاحتمالات لا تستطيع المعرفة أن تفتحه.

وهنا تتجلى عبقرية العربية: إنها لا تسمّي الأشياء فحسب، بل تحدد مقدار حضورها في الذهن، ودرجة قربها من المعرفة، والمسافة التي ينبغي أن تبقى بينها وبين المتلقي.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في المثقف اليوم