اليوم رجعت بي الذاكرة إلى سنة 2000، يوم أهداني صديقٌ رواية ذاكرة الجسد. لم أكن أدرك آنذاك أنني لا أتلقى كتابًا فحسب، بل مفتاحًا لذاكرة أخرى، وأن صفحات الرواية ستسكنني أكثر مما سأقرؤها.
بعد أكثر من ربع قرن، ما زالت بعض الجمل عالقة في الروح كأنها كُتبت بالأمس، وما زال ذلك اللقاء الأول مع الرواية حيًّا في داخلي، لأن الكتب العظيمة لا نقرأها مرة واحدة؛ إنها تقرؤنا في كل مرحلة من حياتنا بصورة مختلفة.
سأعود اليوم إليها لا بعيون ذلك القارئ الشاب الذي كنته سنة 2000، بل بعيون رجلٍ عبرته السنوات، وأثقلته الذاكرة، وعرف أن بعض الروايات ليست حكايات تُروى، بل مرايا نرى فيها ما كنا عليه وما أصبحنا إليه.
لهذا سأحاول أن ألخص ذاكرة الجسد، لا كما كتبتها الكاتبة، بل كما حفظتها الذاكرة، وما أبقت منه الأيام في القلب.
ذاكرة الجسد ليست رواية تُقرأ، بل جرحٌ يتذكّر نفسه. فيها يمشي خالد بذراعٍ ناقصة ووطنٍ ناقص، حاملاً على كتفه ما تبقّى من الحلم الجزائري. أحبَّ حياة كما يحبّ المنفيُّ نافذته الأخيرة، لا لأنها امرأة فحسب، بل لأنها كانت امتداداً لزمنٍ ظنّ أن الشهداء تركوه أمانةً في أعناق الأحياء.
الرواية تقول إن الأوطان تشبه الأحبّة؛ لا تؤلمنا حين نفقدها، بل حين نكتشف أنها لم تعد كما عرفناها. فخالد الذي خسر ذراعه في الثورة، خسر قلبه في السلام، وكأن الحياة أرادت أن تعلّمه أن بعض الهزائم تأتي بعد انتهاء المعارك.
أما حياة فليست امرأة من لحم ودم فقط، بل استعارةٌ لوطنٍ جميلٍ استعصى على العشاق والمناضلين معاً. كلما اقترب منها ظنّ أنه يقترب من الجزائر التي حلم بها، وكلما ابتعدت أدرك أن الأحلام الكبيرة لا تُهزم دفعةً واحدة، بل تتآكل ببطء تحت أقدام الواقع.
وفي العمق، تهمس الرواية بحقيقة فلسفية موجعة: الجسد ينسى أقلّ مما نظن، والذاكرة تسكن الندوب أكثر مما تسكن العقول. فكل جرحٍ في خالد كان صفحةً من التاريخ، وكل خيبةٍ كانت سطراً جديداً في سيرة وطنٍ خرج من الاستعمار ولم يخرج تماماً من أوجاعه.
لهذا بدت ذاكرة الجسد كأنها نشيدٌ للحب وخطبةٌ في الخيبة ومرثيةٌ للحلم العربي في آنٍ واحد؛ روايةٌ تقول لنا إن الإنسان قد يفقد يده أو حبيبته أو وطنه، لكنه لا يفقد أبداً ذلك الأثر الخفي الذي تتركه الأشياء الجميلة حين ترحل. فبعض الغياب لا يسكن الذاكرة، بل تتحول الذاكرة نفسها إلى شكلٍ من أشكاله.
***
د. صابر الحميدي







