عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

عماد خالد رحمة: الأدب الإنساني

رسالة محبة في زمن أدب الضغينة والصفحات الصفراء

منذ أن وُلد الأدب من رحم التجربة الإنسانية، لم يكن مجرد ترفٍ لغوي أو زخرفةٍ جمالية تُضاف إلى الحياة، بل كان فعلَ مقاومةٍ ضد القبح، واحتجاجاً أخلاقياً على الظلم، وسعياً دائماً نحو ترسيخ قيم الحقيقة والخير والجمال. ولهذا ظل الأدب الحقيقي، في مختلف عصوره، مرآةً لكرامة الإنسان، وصوتاً للضمير الجمعي، وجسراً يصل بين القلوب والعقول مهما تباعدت الأجناس والثقافات واللغات.

غير أن المشهد الثقافي المعاصر لم يخلُ من ظواهر طارئة أخذت تتسلل إلى فضاء الكتابة، حيث برز ما يمكن تسميته بـ"الصفحات الصفراء" وأدب الضغينة؛ ذلك اللون من الكتابة الذي لا يتغذى من المعرفة، بل من الأحقاد، ولا يستمد مادته من الرؤية الفكرية، بل من الرغبة في التشهير والتجريح وتصفية الحسابات الشخصية. وهو أدب لا ينشغل بالإنسان بوصفه قيمةً عليا، بل يتعامل معه بوصفه هدفاً للانتقاص والإساءة والإلغاء.

لقد أدرك كبار الأدباء والفلاسفة أن الأدب الحقيقي لا يُبنى على الكراهية. فالأديب الروسي فيودور دوستويفسكي رأى أن سرّ الخلاص الإنساني يكمن في المحبة والرحمة وفهم أعماق النفس البشرية، بينما اعتبر ليو تولستوي أن الفن العظيم هو الذي ينقل المشاعر الإنسانية النبيلة من إنسان إلى آخر، ويُعمّق الإحساس بالمصير المشترك بين البشر. أما ألبير كامو فكان يؤمن بأن مهمة الكاتب ليست الانحياز إلى الجلاد أو الضحية بدافع العصبية، بل الدفاع عن الإنسان أينما كان.

وفي تراثنا العربي، لم يكن الأدب الرفيع منفصلًا عن القيم الإنسانية. فقد دعا الجاحظ إلى العقل والحجة والبيان، بينما رأى أبو حيان التوحيدي أن الكلمة الحقة هي التي ترتقي بالروح وتُهذّب الوجدان. أما محمود درويش فقد جعل من الشعر فضاءً للدفاع عن الإنسان والذاكرة والحلم، لا منبرًا للانتقام أو الكراهية، حين قال في أكثر من مناسبة إن الشعر أوسع من الأيديولوجيا وأبقى من الخصومات العابرة.

إن أدب الضغينة، مهما ارتدى من أثواب ثقافية، يبقى عاجزاً عن إنتاج قيمة جمالية أو فكرية حقيقية، لأنه ينطلق من رغبة في الهدم لا البناء. فالكاتب الذي يسكنه الحقد يكتب ليقتصّ، أما الكاتب الذي تسكنه الإنسانية فيكتب ليضيء. الأول يبحث عن العيوب، والثاني يبحث عن المعنى. الأول يُشعل الحرائق، والثاني يُشعل المصابيح.

وقد تنبّه النقاد الكبار إلى هذه المسألة منذ زمن بعيد. فـماثيو أرنولد رأى أن الأدب هو "نقد للحياة"، لكنه نقد يهدف إلى الارتقاء بالإنسان لا إلى تحطيمه. كما أكد طه حسين أن الثقافة الحقيقية لا تزدهر إلا في مناخ من الحرية والاحترام المتبادل، حيث تكون الكلمة أداةً للمعرفة لا سلاحاً للاغتيال المعنوي.

ومن الناحية الاجتماعية، فإن انتشار الصفحات الصفراء يُعدّ مؤشراً على أزمة في الوعي الثقافي؛ إذ تتحول الكتابة من رسالة تنويرية إلى وسيلة لإثارة الغرائز واستثمار الفضائح وصناعة العداوات. وفي مثل هذه البيئات تتراجع قيمة الإبداع أمام ضجيج الإثارة، ويغدو عدد المتابعين أهم من قيمة الفكرة، وتصبح الشهرة السريعة بديلاً عن الإنجاز الحقيقي.

أما الأدب الإنساني فإنه يقف في الجهة المقابلة تمامًا. إنه أدب يؤمن بأن الإنسان أكبر من أخطائه، وأن الحوار أسمى من الشتيمة، وأن الاختلاف لا يبرر العداء. وهو أدب ينحاز إلى القيم الجامعة: المحبة، والعدل، والحرية، والكرامة، والتسامح، والتعايش. ولذلك يبقى أثره ممتداً في الذاكرة الإنسانية، بينما تتساقط نصوص الكراهية كما تتساقط أوراق الخريف اليابسة.

لقد علّمنا يوهان فولفغانغ فون غوته أن الأدب العظيم هو الذي يجعل الإنسان أكثر إنسانية، وعلّمنا فيكتور هوغو أن الكلمة يمكن أن تكون مأوى للمظلومين وجسراً نحو العدالة. ومن هنا فإن مسؤولية الأديب اليوم لا تقتصر على إتقان اللغة أو براعة الأسلوب، بل تمتد إلى حماية المعنى الإنساني من التآكل، والدفاع عن أخلاقية الكلمة في زمن الاستقطاب والتشهير.

إن الأدب الذي يعيش طويلًا ليس أدب الأحقاد العابرة، بل أدب القيم الباقية. فالكراهية تستهلك صاحبها قبل خصمه، أما المحبة فتمتلك القدرة على تجديد ذاتها في كل عصر. ولهذا سيظل الأدب الإنساني، مهما اشتدت العواصف، حصنًا للروح، ومنارةً للوعي، وملاذاً لكل من يؤمن بأن الكلمة خُلقت لتبني الإنسان لا لتهدمه، ولتجمع القلوب لا لتبعثرها، ولتزرع المعنى في الأرض لا الأشواك في الطرقات.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في المثقف اليوم