عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

ثامر الحاج أمين: قصائد "شموع وكناطر".. صهيل مهرة أصيلة

شهدت القصيدة الشعبية، خلال النصف الثاني من القرن الماضي، تحولًا كبيرًا على مستوى الشكل والمضمون، وكان أبرز ملامح هذا التحول هو الانتقال من نمط الشطرين «الشطر والعجز» إلى فضاء أكثر حرية في التعبير، والدخول بخطى واثقة إلى مملكة الحداثة. وعلى الرغم من ظهور وتبلور تيار جديد عُرف بـ«تيار الحداثة والتجديد» في بنية القصيدة الشعبية، وتأثيره في ساحة الشعر الشعبي العراقي، والذي حمل لواءه الشاعر الكبير مظفر النواب، وسارت على خطاه أسماء شعرية مهمة أسهمت بشكل كبير في تعزيز مكانة القصيدة الحديثة في مشهد الشعر الشعبي، إلا أن القصيدة الكلاسيكية ظلت حاضرة في الساحة، ولها جمهورها الواسع، من خلال استمرار شعرائها بالكتابة في أجناسها المختلفة، مع الإقرار بأن لكل من المدرستين ـ الكلاسيكية والحديثة ـ نتاجًا متباينًا من ناحية الجودة، وفخامة اللغة، وقوة الصورة الشعرية ودلالتها. ويعزز هذا القول أن كمًّا كبيرًا من الشعر الشعبي الكلاسيكي بقي خالدًا في ذاكرة الأجيال، متمثلًا في أشعار الحاج زاير والملا منفي عبد العباس وغيرهما، ممن انطوت أشعارهم على مزايا، من بينها بلاغة التعبير، والمهارة في اقتناص الصورة، والبناء الفني الرصين.

مؤخرًا أهداني الشاعر «علي تايه»، وهو من شعراء الجيل المتأخر في الكتابة، مجموعته الشعرية «شموع وكناطر»، التي ضمت أكثر من خمس وعشرين قصيدة تنتمي إلى المدرسة الكلاسيكية، وتنوعت قصائدها في أغراضها وبحورها وأوزانها. ومن أبرز ملامح هذه القصائد أنها جاءت محمّلة بالوجع الممزوج بالعناد والكبرياء، ويظهر ذلك في أكثر قصائد المجموعة، حيث يبوح بهمّه وشكواه وعناده في قصيدة «مرايه طبعي»، التي يُظهر فيها عزة نفسه ورفضه للخنوع والذل:

هذا حالي، لا تملكت الرخيص.. ولا كلت للدوني عالي

راضي أعيش أمنازع ويه الروج كشاية.. ولا منّة الجالي

طبعي مستاحش مثل نجمة صبح عاشت غريبة

حالمه بطاري الليالي

ويستمد الشاعر هذا الكبرياء والاعتداد بالنفس من إرثه الحضاري، الذي يمزج فيه الخاص بالعام، كما هو ظاهر في قصيدته «الوطن فكرة»، التي يتباهى فيها بعراقيته، ويجد في الوطن فكرةً علمته المحبة والعفة والتصالح مع النفس، وكل السجايا الخيّرة التي ترفع من قدر الإنسان، ويعلن عن ذلك بفخر وثقة:

طولي نخله، وطعمي هور ومايي دجله

وخيري سنبل راضع امن الكاع دهله

ترابي ممزوج بألف كون وحضارات ومسله

عزمي فالات الرميثة الشبعت الصوجر مذله

انته يا أعرق حضاره انكتبت وأعظم مسله

انته يا دنية محبه وكبرياء الكون كله

"علي تايه" شاعر يكتب ببساطة متناهية، لا تحتاج إلى قارئ حصيف يمتلك عمقًا معرفيًا وثقافة واسعة لفك شفرات دلالات قصيدته، إنما قصائده تكشف عن نفسها دون تستر بالرموز والأقنعة ويكشف عن هذه البساطة في قصيدة «وطن الجياع» حيث يتفجر الشاعر غضبًا وحزنًا على ما آل إليه حال البلاد من فقر وما تتعرض له من ظلم الحكام وسطوتهم على مقدرات الشعب، إذ يتحملون مسؤولية ما تعرضت له البلاد من خراب وتراجع. وبألم وغصة يبث شكواه من الواقع الذي آلت إليه أحوال الوطن:

علامك يا وطن ويه الظلم موعود.. مشه ظالم اجاك النوب ألف ظالم

يوميه اعله كاعك ينولد جلاد.. وبمحراب صبحك ينذبح عالم

اسمعك تفتخر عمرك سبع تالاف.. وجبت أول حضاره وحرف للوادم

عمي اخذ الحضارة.. الناس خبزه تريد

شتفيده الحضاره بالكهف نايم

ومع كل الإحباط والخراب الذي أحاط بالشاعر، وشدة همجية الطغاة، إلا أنه يظل متشبثًا بالأمل، بعيدًا عن اليأس والتشاؤم، ومؤمنًا بالتغيير وحتمية انتصار الحقيقة، ويتجسد هذا التفاؤل في قصيدة "حلم "

أفرض انباكت حقيقه.. تبقه بمتون الدفاتر

يموت طاغي، يموت حاكم.. بس أبد ميموت شاعر

تطغه ظلمه، يطول ليل.. يبقه دوم الحلم عامر

وفي قصائده الغزلية، وهي كثيرة في المجموعة، يحاول الشاعر أن يُقحم الحكمة في عتابه للحبيب المتمرد:

مو كلتلك ضحك المناجل جذب.. بسنونهن موت السنابل تره

وكتلك الذيب الي يعاشر جدي.. أول وتالي يباوع المنحره

باجر أكيد اتعض أصبعك ندم.. كبالك تطيح الأقنعه وبالسره

وعندما يتعب الشاعر من معاكسات أيامه، ويقف على أطلال سنواته الآفلة، يتدفق سيل أحلامه البريئة التي تأخذه إلى الماضي الفقير، حيث البساطة وطيبة القلوب والصداقات النقية. كل هذه الأحلام تهمس بها قصيدة "ورقة بيضة ":

أرد أعيشن نشوة أحلام الزغر.. والطيب والحب والتفاؤل

بيّه حنيه لصريفتنه الكصبها.. الهورنا الموال داخل

الخبزة أمي الجنه من ريحتها نشبع.. من على التنور ماكل

وبالعودة إلى القصائد الوطنية، يتغنى الشاعر بالوطن بطريقة تنم عن انتماء صادق وعاطفة جياشة، جسد هذه المشاعر في قصيدة "سر الخلود":

ردت أرسمك شفتك أكبر من مجره.. وكون ما تحويك لوحه

وردت أكتبك كل حرف.. يم هيبتك يزغر ومسحه

انته يا أعرق حضاره.. انكتبت وأعظم مسله

انته يا دنية محبة.. وكبرياء الكون كله

إن المجموعة الشعرية «شموع وكناطر» تمثل صهيل مهرة أصيلة في مرعى سادت فيه الأصوات النشاز، كما أن أشعارها تمثل تجربة طيبة تطمح إلى أن تجد لها مكانًا لائقًا في ساحة الشعر الشعبي العراقي، وهي تمتلك مشروعية ومؤهلات هذا الطموح .

***

ثامر الحاج أمين