عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

صابر الحميدي: أقحوان منتصف الليل

حين يقرأ القارئ نفسه في العتمة

حين فتحتُ صفحات روايتي “أقحوان منتصف الليل” للمرة الأولى والصادرة عن دار عين حورس-مصر، لم أكن قارئًا بالمعنى البسيط للكلمة، بل كنتُ كمن يضع يده على جرحٍ قديمٍ في ذاكرةٍ لا يعرف متى بدأ نزفها. كان الليلُ في تلك اللحظة ليس زمانًا، بل حالة؛ وكان الصمتُ ليس فراغًا، بل امتلاءً خفيًّا بأصواتٍ لا تُقال.

لم أقرأ الرواية، بل دخلتُها كما يُدخل المسافر مدينةً لا خرائط لها. كل جملة كانت نافذة تُفتح على احتمال، وكل مشهد كان مرآةً لا تعكس ما أمامها، بل ما في الداخل الذي لم يُسمَّ بعد. شعرتُ أن الأقحوان لم يكن زهرةً فحسب، بل استعارةً لشيءٍ يتفتح في الظلام كي يثبت أن الجمال لا يحتاج الضوء دائمًا، بل يحتاج جرأة الظهور.

في منتصف الليل، حيث تتساوى الأشياء وتفقد أسماءها الدقيقة، كانت الرواية تُعيد ترتيب العالم بهدوءٍ قاسٍ. لا تشرح، لا تبرّر، بل تترك الأسئلة واقفةً على عتبة الفهم، كأنها تقول إن المعرفة ليست إجابة، بل ارتباكٌ راقٍ يتقن الإصغاء.

كنتُ كلما تقدّمتُ في القراءة، أشعر أنني أبتعد عن القارئ الذي كنتُه في البداية. شيئًا ما يتبدّل: اللغة لم تعد وسيلة، بل كائنًا حيًّا يتنفس في صدري. الشخصيات لم تعد حكايات، بل احتمالات لوجوهٍ ربما عشتُها دون أن أنتبه. وحتى الصمت بين السطور صار أكثر بلاغة من الكلام نفسه.

هناك لحظة خفية في الرواية، لا تُعلن عن نفسها، لكنها تغيّر اتجاه الإدراك. لحظة تشعر فيها أن الزمن لم يعد خطًا مستقيمًا، بل دائرة تُعيدك إلى نفسك من بابٍ مختلف. عندها فقط تدرك أن “أقحوان منتصف الليل” ليست رواية تُقرأ، بل تجربة تُعيد تشكيل القارئ ببطءٍ لا يُرى.

وحين أغلقتُ الكتاب، لم أكن قد انتهيتُ منه. كنتُ فقط قد خرجتُ منه جسديًا، أما هو فبقي مفتوحًا في داخلي، يزهر كلما حلّ الليل، كأقحوانٍ يعرف أن الظلام ليس نهاية اللون، بل بدايته الأولى.

***

بقلم: د. صابر الحميدي