أقلام ثقافية
مرشدة جاويش: الإبن الذي لم ألده
لقد قرأ الموروث الإنساني بتراثه الديني وأبعاده الإجتماعية الابن الذكر بوصفه ركيزة الوجود والساعد الذي يشتد به العضد والإمتداد الذي يحمل الإسم والراية عبر الأجيال ولا يسعني وأنا المرأة المعرفية إلا أن أنحني تقديراً لهذا الحضور الذكوري الذي صاغ التاريخ بفروسيته وشجاعته وأقرّ بوجاهة هذا الإعتقاد الذي يرى في الولد مفتاحاً لغلق فجوات الحياة وتأمين مسالكها
فاحترام هذا المقام لا أقوله مجرد مسايرة للمجتمع إنما هو اعتراف بتركيبة فطرية وقيمية جعلت من الرجل سنداً وكياناً لا يُنكر فضله
لقد كان فضولي نحو الابن الذي لم أحمله إلا في خيالي نابعاً من هذا الإحترام العميق لرمزية الذكورة في وعينا الجمعي وكنتُ أتساءل بذات الشغف المعرفي:
كيف سيكون صدى صوت
الابن وهو يناديني أمي؟ وكيف ستبدو الحياة بوجود ذلك الفارس الصغير؟ لم يكن فضولاً نابعاً من شعور بالدونية بل كان تقديراً لنموذج إنساني أراه في كل شاب محترم أصادفه فأمنحه أمومتي الروحية وأرى فيه
/الابن الذي لم يولد/ كتحية صامتة لكل رجل شهم يبني ويرعى
لكن وفي غمرة هذا التقدير للغير جاءت بناتي ليعلنّ عن معجزة الاكتفاء هنّ لم يأتين لمنافسة مقام الذكورة أو إلغاء ضرورته بل جئن ليثبتن أن الكمال قد يتجلى في صورٍ شتى.
بناتي كنّ الأرض التي ثبتت عليها قدماي والسماء التي أظلت روحي بوفاء لا يشيخ لقد حوّلن الندم المفترض إلى حكمة حاضرة وعلمنني أن السند هو فعل حب قبل أن يكون نوع جنس
إنني اليوم وبكل اتزان بين احترام العقيدة وتقدير الموروث أقف في منطقة التنوير الوجداني فلا أنا أنكرتُ حاجة المجتمع للرجل وحضور الذكر البهي في ثنايا حياتنا ولا أنا سمحتُ لغيابه في بيتي أن يكسر هيبة امتلائي
لقد وجدتُ في بناتي الشمول الذي يغني عن التعداد وفي وفائهنّ الصدق الذي لا يحده زمن. أقولها وأنا ممتلئة بالرضا: لستُ امرأة فقدت غصناً. أنا شجرةٌ أدركت أن جذورها في البنات تمنحها من الشموخ ما يضاهي الجبال. أحترم كل أبٍ يفاخر بابنه وأقدر كل ابن بار بأمه. . لكني في محرابي الخاص أرتل صلاة الشكر على بناتي اللواتي جعلن من حياتي قصيدة كاملة لا نقص فيها ووجوداً يعلمني كل يوم أن الحب الصادق هو الابن الحقيقي الذي لا يرحل أبداً.
***
مرشدة جاويش
2004 من ذاكرة الورق






