أقلام ثقافية

احمد عابر: قصة قبل النوم.. اجعل بينك وبين العلم فرقا من المعرفة

(اجعل بينك وبين العلم فرقا من المعرفة والا اجتذبك. العلم بابي والمعرفة بوابي واليقين طريقي الذي لا يصل سالك الا منه. من علامات اليقين الثبات ومن علامات الثبات الامن في الروع)... محمد بن عبد الجبار النفري

في هذه العبارات المكثفة يضع النفري فرقا دقيقا بين العلم والمعرفة. فالعلم كلمات تقال وتكتب وتسمع، اما المعرفة فهي ما يسكن القلب ويتحول الى حضور داخلي يثبت الانسان ويمنحه الطمأنينة. غير ان هذه الثنائية ليست بسيطة كما تبدو، فالنفري نفسه يحذر: ان لم تجعل بينك وبين العلم فرقا من المعرفة اجتذبك. اي ان العلم قد يكون خطرا اذا ووجه بلا واسطة، وقد يصبح جفافا وقسوة ان لم يسبقه او يصاحبه ذوق قلبي. هذه الفكرة عن انتقال الحكمة من الكلمات الى القلب تتجسد بصمت في لوحة "قصة قبل النوم" للفنان الالماني ادولف ايبرله، حيث تتحول القراءة من مجرد فعل تعليمي الى لحظة حميمية تنتقل فيها المعرفة من جيل الى جيل. لكن ما الذي يحدث بالضبط في هذه اللحظة؟ وكيف يمكن لانوار المتصوفة والمفكرين المختلفة ان تكشف طبقاتها الخفية؟2482 Adolf Eberle

تصور اللوحة امرأة مسنة تجلس قرب سرير طفلة صغيرة وقد انحنت قليلا وهي تقرأ من كتاب تمسكه بيديها. الطفلة مستلقية بهدوء وقد استسلمت للنوم او تكاد، بينما تتكئ على وسادة بيضاء. الضوء الخافت الذي يغمر المشهد يمنح الغرفة دفئا خاصا. لكن مصدر هذا الضوء غير مرئي: لا مصباح ظاهر ولا شمعة. النور ينساب من الجهة اليسرى العليا ليسقط على وجه الطفلة اولا ثم على الكتاب في يد الجدة. الكتاب نفسه ليس مضيئا بذاته، بل هو يعكس الضوء القادم من خارج اللوحة. هذا التفصيل الدقيق يحمل دلالة: النور ليس منبثقا من الكتاب، بل هو خارج عنه، لكن الكتاب يتوسط وصوله الى الطفلة. الجدة لا تنظر الى الطفلة ولا تنظر الى الكتاب فقط؛ عيناها شاخصتان في الفراغ بينهما، وكأنها ترى الحكاية بعين الخيال او تستشعر حضورا ثالثا غير مرئي. وضعية الجسدين ايضا تحكي: الطفلة افقية منبسطة، مستسلمة، اما الجدة فعمودية منتصبة، يقظة حارسة. في هذا التكوين، تصبح القراءة طقسا لا مجرد نقل معلومات.

تنتمي اللوحة الى تيار الواقعية الذي ازدهر في اوروبا في القرن التاسع عشر. رسمها ادولف ايبرله (١٨٤٣-١٩١٤) وهو فنان الماني اشتهر بتصوير الحياة اليومية في بافاريا والتيرول. لم يكن ايبرله فيلسوفا ولا متصوفا، لكنه ابن بيئة كاثوليكية شعبية حيث كانت القراءة العائلية المسائية، خاصة من الكتاب المقدس او قصص القديسين، طقسا يوميا ينقل الايمان والعاطفة معا. هذا السياق التاريخي يضيف بعدا: اللوحة تختزن ذاكرة دينية شعبية، ليست نخبوية، بل هي اقرب الى ما يسميه علماء الانثروبولوجيا "التدين الممارس". في هذا المناخ، تصبح الجدة كاهنة البيت الصغيرة، والكتاب مذبحا مصغرا، والطفلة متلقية للبركة لا للمعلومات فقط.

هذا المشهد يضيء بطريقة جديدة قول النفري: "اجعل بينك وبين العلم فرقا من المعرفة". الجدة هنا هي هذا "الفرق". هي التي تحول الكتاب (العلم) الى دفء (معرفة). لولا وجودها، لكان الكتاب مجرد اوراق، ولاجتذب العلم الطفلة الى عالم التجريد قبل اوانها. لكن وجود الجسد الحاضر، والصوت الحنون، والدفء المنبعث من القرب، كل ذلك يحمي الطفلة من جفاف العلم ويجعلها تتذوق المعرفة قبل ان تفهمها.

واذا انتقلنا الى محيي الدين بن عربي نجد تصنيفا دقيقا للعلوم يمكن ان يضيء اللوحة من زاوية اخرى. يقسم ابن عربي العلوم الى ثلاثة انواع: علم العقل، وهو علم النظر والدليل والبرهان؛ وعلم الاحوال، وهو علم الذوق والمشاهدة الذي لا يدرك بالعقل وحده بل بالكشف؛ وعلم الاسرار، وهو العلم اللدني الذي يهبه الله لمن يشاء من عباده بلا واسطة. في اللوحة، تمثل الجدة "علم العقل" بالمعنى الايجابي: هي تحمل الكتاب وتعرف ما فيه. لكن الطفلة لا تتلقى "علم العقل" مباشرة، بل تتلقى "علم الاحوال" عبر الذوق: تذوق دفء الصوت، والامان، والحضور. و"علم الاسرار" هو ذلك النور الخفي الذي يغمر المشهد ويجعله خارج الزمن. لاحظ ان ابن عربي يقول: "العلم نتيجة المعرفة" ، اي ان المعرفة القلبية هي الاصل والعلم النظري ثمرة لها. وفي اللوحة، الطفلة ستنمو لتصبح عالمة يوما ما، لكن اصل علمها سيكون هذه اللحظة الحضورية التي تذوقت فيها المعرفة قبل ان تتعلم.

لكن الفرق بين ابن عربي والغزالي دقيق هنا. ابو حامد الغزالي يهتم اكثر بفكرة "النور" الذي يقذفه الله في القلب بعد تطهيره. في "المنقذ من الضلال" يصف تجربته مع الشك واليقين، ويقرر ان اليقين الحقيقي ليس نقاشا عقليا ولا حسيا، بل هو نور يقذف في القلب. هذا النور هو الذي نراه في اللوحة منعكسا على وجه الطفلة. لكن الغزالي يؤكد ان هذا النور يحتاج الى استعداد: "بصفاء التقوى وكمال الزهادة يصير العبد راسخا في العلم". الطفلة هنا ليست تقية ولا زاهدة، لكنها نقية بفطرتها، وهو استعداد اخر. الغزالي يضيف بعدا اخلاقيا: المعرفة ليست مجرد ادراك، بل هي فضيلة وتحول وجودي. والطفلة تتحول في اعماقها: ستكبر وهي تحمل احساسا بالامن والثقة في العالم، وهذا هو التحول الوجودي الذي يعنيه الغزالي.

هنا يلتقي المشهد مع المفكر العراقي المعاصر عبد الجبار الرفاعي بشكل لافت. الرفاعي، المتخصص في الفلسفة وعلوم الدين وأحد مؤسسي علم الكلام الجديد، يقدم قراءة نقدية للتجربة الدينية التقليدية قد تفسر لنا لماذا تحتاج الطفلة الى هذه الوساطة الحضورية. يصف الرفاعي تجربة مريرة عاشها في دراسته الدينية، تجسد بدقة تحذير النفري من خطر العلم بلا معرفة. يقول واصفا دراسة الفقه والكلام التقليديين: "يُورِث الفقهُ والكلامُ التقليديّ نفسَ دارسه نوعًا من الجمود والجفاف المعنوي وضياع الروح... إذ أصابني ضمورٌ روحيّ وضياعٌ أفقدَنِي طلاوةَ الإيمان، فكنتُ أقف في صلاتي أستدعي الخشوع، فلا تأتيني إلا العَبْرَةُ بعد العَبْرَة على ما وصلتْ إليه نفسي" . هذا هو الاجتذاب بعينه: ان يجذبك العلم الى نفسه فتضيع الروح وتجف.

ولكي نفهم الخلاص من هذه الورطة، نعود الى الرفاعي حيث يتحدث عن "الظمأ الأنطولوجي" الذي لا يروى الا بالاتصال الحي بالمقدس . في اللوحة، الطفلة تعاني ظمأ وجوديا هي لا تدري به: ظمأ الى الامن، والى الحضور، والى المعنى. الجدة لا تروي هذا الظمأ بالمعلومات، بل بالحضور. الرفاعي يقدم مفتاحا مهما: "ما وجدتُ الله إلا في نفسي، وما رأيتُه حقًّا إلا عندما رأيتُني حقًّا... عندما نتَّصل به بهذه الصورة في أنفُسِنا؛ ندرك عن طريق تجربته واختباره أنّه إلهُ العالَمين حقًّا وصدقًا، وأنّه رحمان تتَّسع رحمتُه كلَّ شيء" . الطفلة في اللوحة تتصل بالمعنى من خلال اتصالها بنفسها اولا: جسدها المستسلم، وروعها المطمئن، وحضورها الكامل في اللحظة. هي لا تتعلم عن الرحمة، بل تذوقها. ثم من خلال هذا الذوق، تبدأ رحلتها لاكتشاف العالم. ويقول الرفاعي في عبارة يمكن ان تكون تعليقا على اللوحة: "اكتشافُ العالم يبدأ باكتشاف الذات. وعيُ العالم يبدأ بوعي الذات... حب الله والانسان والعالم يبدأ بحب الذات" .

وهكذا، حين يتحدث الرفاعي عن "إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين" ، فانه لا يعني شيئا مجردا، بل يعني تحديدا ما يحدث في هذه اللوحة: ان يصير الدين مصدر رحمة وحضور لا مصدر جفاف ونقاشات عقيمة. ان يعود الى "ابعاده المعنوية والعقلانية والجمالية والرمزية" . الجدة هنا تمثل هذا الإنقاذ العملي: تنقل الدين كحضور ورحمة، لا كنصوص جامدة.

لكن هذه الاقتباسات المتعددة تثير سؤالا: هل يمكن التمييز بدقة بين "الذوق" عند ابن عربي و"النور" عند الغزالي و"الظمأ الأنطولوجي" و"النزعة الإنسانية" عند الرفاعي؟ في اللوحة، الطفلة تمتلك هذه العناصر كلها. الذوق يتجلى في تلقيها الحسي للصوت والدفء. النور يتجلى في الضوء الساقط على وجهها. الظمأ الأنطولوجي هو ما يرويه هذا الحضور. والنزعة الإنسانية هي ان تصبح العلاقة بين الجسدين هي وسيلة تلقي المعنى. المفاهيم تتكامل لا تتناقض، وكل مفكر يضيء جانبا مختلفا من المشهد نفسه.

وهنا تبرز قوة النفري الذي يجمعها كلها في كلماته الموجزة. النفري لا يتكلم عن ذوق او نور او ظمأ كمراحل منفصلة، بل يتكلم عن "الفرق" الذي يحفظ المسافة الآمنة بين الانسان والعلم. هذا الفرق هو ما توفره الجدة. ونتيجة هذا الفرق هو "الثبات" و"الامن في الروع". والطفلة في اللوحة هي مثال الثبات: جسدها ثابت في سريرها، لا يتململ، وروعها آمن مطمئن. النوم هنا ليس مجرد نوم، بل هو صورة اليقين.

لكن هل هذه المعرفة القلبية قادرة على الصمود عندما تكبر الطفلة وتواجه صخب الحياة وجفاف المناهج الدراسية، وربما "الجمود والجفاف المعنوي" الذي تحدث عنه الرفاعي؟ هذا سؤال تطرحه اللوحة ولا تجيب عنه. ربما يكون الجواب في استمرارية الطقس: ستعيد الطفلة الكبرة يوما ما قراءة القصص لحفيدتها، وتنقل ما تلقت. وهكذا تبقى المعرفة حية بالتداول لا بالحفظ. لكن السؤال يظل مفتوحا: في عصر يسود فيه العلم التقني ويتراجع فيه الحضور العائلي، هل يمكن ان تحل المعرفة القلبية محل العلم الجاف ام انها تضيع؟ النفري لا يجيب، لكنه يحذر: "الا اجتذبك العلم". الاجتذاب هنا قد يعني السحب الى منطقة الخطر حيث العلم بلا معرفة.

وهكذا تظل اللوحة تتحدى المشاهد: ماذا ترى في وجه الطفلة؟ نعاسا عاديا ام يقينا باطنيا؟ وماذا في نظرة الجدة؟ قراءة حرفية ام مشاهدة قلبية؟ الاجابة تتوقف على درجة المعرفة لدى الرائي. وكما يقول ابن عربي: "لكل ذائق ما يذوق". واللوحة تصبح مرآة لحال من يتأملها. ربما هذا هو سر الفن الحقيقي: ان يظل مفتوحا على كل هذه القراءات، دون ان يستنفده قول واحد.

***

د. احمد عابر

 

في المثقف اليوم