أقلام ثقافية

احمد عابر: النية كصورة خفية.. التشكيل والروح في تجربة احلام محمد

قال لي: النية نيتان: نية تطلب بها ما عندي، ونية اطلب بها ما عندك. فاذا تركت لك الاولى رايت نفسك، واذا تركت لك الثانية رايتني.

بهذا القول الحاد المباشر يدخلنا النفري في سر العلاقة بين العبد وخالقه، بين ما يضمره القلب وما يظهره الفعل. واذا وقفنا امام لوحة "نية" للفنانة الكندية من اصول عراقية احلام محمد، نشعر اننا ازاء تجسيد بصري لهذا الموقف. فالعمل لا يكتفي بتقديم صورة لوجه انساني، بل يفتح مساحة للتامل في المعنى الباطن للفعل الانساني، حيث تصبح النية جوهر التجربة. وتبدو تجربة الفنانة هنا متشكلة بين ثقافتين، اذ تستحضر اللغة العربية ورمزيتها الروحية داخل بناء بصري حديث تشكل في سياق الفن المعاصر في المهجر.

احلام محمد تنتمي الى جيل من الفنانين الذين يعيشون بين ذاكرة المكان الاول وافق المكان الجديد. حضور اللغة العربية في اعمالها لا يبدو مجرد عنصر زخرفي، بل يحمل وظيفة رمزية وثقافية، كأنه محاولة لاعادة وصل الصورة البصرية بتراث لغوي وروحي عميق. في هذا المعنى تبدو لوحتها "نية" اقرب الى مساحة حوار بين الهوية والذاكرة، بين الحساسية التشكيلية المعاصرة والحمولة الروحية التي تختزنها الكلمات العربية.2476 ahmad

في اللوحة يظهر الوجه بشكل غير مكتمل. تبرز العينان والانف والشفاه بوضوح، بينما تختفي حدود الراس وتذوب في الفراغ المحيط. هذا الاختزال في الملامح يمنح العمل طابعا معاصرا، ويجعل الفراغ جزءا اساسيا من التكوين لا مجرد خلفية. فالوجه هنا لا يرسم ككتلة مغلقة، بل كاشارة الى حضور يتولد تدريجيا من داخل المساحة اللونية. كأن الفنانة تتعمد ترك الهوية مفتوحة على التأويل، فلا تقدم لنا صورة مكتملة بقدر ما تقدم اثرا انسانيا يتشكل من الداخل.

الخلفية الزرقاء الهادئة تحتل معظم مساحة اللوحة، وتشكل حقلا بصريا واسعا يحيط بالملامح القليلة الظاهرة. هذا اللون يمنح العمل حالة من السكون والتامل، ويخلق تباينا واضحا مع دفء الوان البشرة. كما ان اتساع المساحة الزرقاء يعمق احساس العزلة والتركيز، فالعين لا تجد ما تتشبث به سوى هذه الملامح القليلة والكلمة المكتوبة في الاعلى: "نية". ومن الناحية التشكيلية يعمل اللون هنا كحامل للمعنى، اذ يتحول الفراغ اللوني الى فضاء بصري يبرز فكرة النية باعتبارها امرا خفيا لا يرى بالعين.

العينان مرسومتان بعناية اكبر من بقية الملامح، وكأنهما مركز الثقل البصري في العمل. النظرة هادئة لكنها يقظة، وتبدو معلقة بين الداخل والخارج. في تقاليد الرسم البورتريهي غالبا ما تشكل العينان نقطة الاتصال بين المشاهد والشخصية المرسومة، لكنهما هنا تكتسبان بعدا اخر، اذ تتحولان الى اشارة الى البصيرة لا مجرد الابصار. لذلك تبدو بقية الملامح اقل حضورا، وكأن الفنانة تريد ان تشير الى ان الرؤية الحقيقية لا تنبع من اكتمال الشكل الخارجي بل من الاستعداد الداخلي.

يقول محيي الدين بن عربي: الاعيان الثابتة في علم الله لا تظهر في الوجود الا بحسب استعدادها. هذا القول يضيء لنا معنى عدم اكتمال الوجه في اللوحة. فالوجه هنا ليس صورة نهائية، بل حالة في طور التشكل، مرآة للاستعداد القلبي الذي يتجدد بتجدد النية. الهوية ليست شيئا جامدا نولد به، بل هي حصيلة ما ننويه وما نقصده. ويمكن قراءة هذا المعنى ايضا في طريقة توزيع الملامح داخل الفراغ، حيث تبدو العناصر الاساسية للوجه حاضرة لكنها غير محاطة بحدود واضحة، وكأنها تخرج من الفراغ ثم تعود اليه.

كلمة "نية" المكتوبة في اعلى اللوحة تضيف بعدا مفاهيميا واضحا. فهي ليست مجرد عنوان، بل عنصر تشكيلي يشارك في بناء التكوين. موقع الكلمة فوق الوجه يجعلها اقرب الى فكرة او مركز معنوي يعلو الشخصية ويؤطرها. بهذا المعنى يصبح النص جزءا من الصورة، ويعمل الخط العربي كجسر بين البعد الثقافي والبعد البصري. هنا يتقاطع التراث اللغوي مع حساسية الفن المعاصر، حيث تتحول الكلمة الى شكل بصري يحمل دلالة روحية.

اما الامام الغزالي فيميز بين معنيين للنية: الاول هو القصد المصاحب للعمل، والثاني هو الباعث او الدافع الخفي. ويقول ان تحقيق صدق النية ليس بالامر الهين، فكثيرا ما يتصور الانسان ان دوافعه لله ثم يكتشف انها كانت للهوى او الدنيا. هذا التمييز يمكن ان يقرأ ايضا في التوتر البصري داخل اللوحة، بين وضوح بعض الملامح وغموض بعضها الاخر.

وفي افق معاصر لقراءة هذه الثنائية، يشير عبدالجبار الرفاعي في مشروعه لتجديد علم الكلام الى ان التجربة الدينية لا تنفصل عن التجربة الانسانية، وان البحث عن الله يمر عبر تعميق الوعي بالانسان. من هذا المنظور يمكن ان يقرا الفراغ الازرق في اللوحة كمساحة وجودية مفتوحة، تعكس عطش الانسان الدائم الى المعنى، ذلك الظمأ الداخلي الذي يدفعه الى مراجعة قصده والبحث عن صدق نيته.

نعود الى النفري لنختم حيث بدا المقال. قال لي: النية نيتان: نية تطلب بها ما عندي، ونية اطلب بها ما عندك. في اللوحة تبدو العينان كأنهما تتجهان نحو الكلمة المكتوبة في الاعلى، نحو مركز المعنى. لكن الخلفية الزرقاء الواسعة تحيط بالوجه من كل جانب، وكأنها فضاء اكبر يحتضن هذا الحوار بين الانسان وربه. اللوحة برمتها تشبه وقفة تامل قبل الفعل، لحظة صمت يراجع فيها الانسان قصده قبل ان يتحول الى عمل. في هذه اللحظة يخف حضور الشكل الخارجي، وتظهر اهمية السر الداخلي. وهنا تذكرنا احلام محمد من خلال عملها بان الانسان ليس وجهه فقط، بل هو ايضا نيته، ذلك السر الخفي الذي يشكل حقيقته العميقة.

***

د احمد عابر

 

في المثقف اليوم