أقلام ثقافية
ناجي ظاهر: خفايا وأسرار من عالم الادب والرعب
يحفر الكاتب الاسباني سانتياغو بوستيغيو، ضمن كتابه "دماء الكتب- تاريخ الادب المنسي"، في مناطق أدبية محببة وتهم القارئ المثابر، ويذهب إلى ما وراء العديد من الكتب والأحداث الأدبية المؤثرة، مركزا في كتابته المميزة هذه، على بعدين أحدهما البعد السردي الذي يعتمد نبرة خاصة، سرية مشوقة، والأخرى التنقل بين الأزمان السردية من فترة إلى أخرى، وذلك عبر توظيفه العناوين التي تأخذ القارئ بسلاسة متنقلة به، ومصطحبة إياه من فترة إلى أخرى، ومن زمان الى اخر.
مؤلف الكتاب سانتياغو بوستيغيو كاتب اسباني، من مواليد عام ١٩٦٧ ، عرف باهتماماته بتاريخ الادب المنسي الحافل بالكثير من الإثارة، وهو مؤلف العديد من الكتب التي تعزف على هذا الوتر المحدد. من مؤلفاته" أنا روما" و"حياة الكتب السرية"، القريب جدا في موضوعه من كتاب "دماء الكتب" الذي نتحدث عنه. اهتمت "دار مسكلياني" التونسية، بمؤلفات هذا الكاتب، وصدر عنها عدد منها مترجما إلى العربية، ترجم الكتاب موضوع قراءتنا عبد اللطيف البازعي وصدر قبل سنتين.
يفتتح المؤلف كتابه بحديث يظهر فيه أمران، أحدهما وفاء التلميذ لأستاذه ودور الادب في إحقاق الحق وإحلال العدالة، ويتحدث عن الشاعر اليوناني القديم فلشينيو ارسيا، وعن إقامته في روما، كما يتحدث عن مكيدة حاكها له بعض من اخصامه وعاذليه، هدفت إلى طرده من المدينة، وتصدي تلميذه الخطيب المفوه سيشرون للدفاع عنه، مفحما الادعاء، ومقنعا الحكام بأن الشاعر قد رفع من شأن روما في العديد من أشعاره ، ما يدفع بالمحكمة إلى منحه الاقامة، متأثرة بدفاع التلميذ عن استاذه ومقتنعة بشكل أو بآخر، أن العدالة تقتضي منها إصدار أمر يبقي الشاعر في البلاد. في سياق متصل يتطرق المؤلف إلى مصادفات تكاد تكون من عالم آخر، تسببت في ظهور كتاب "الانياذة" للشاعر الروماني فيرجل، الذي جاء بعد العملين الخالدين "الالياذة" و" الاوديسة" للشاعر اليوناني تلخالد هوميروس بردح مديد من الزمن، واضاف إلى هذين الكتابين الملحميين.
من الفصول المثيرة في الكتاب فصل يتحدث عن الرواية الخالدة الموسومة بعنوان "دراكولا" مصاص الدماء، للكاتب الايرلندي برام ستوكر. تلك الرواية التي تدور أحداثها الدموية الرهيبة في رومانيا، التي يكاد الكاتب لا يعرفها ولم تطأ قدماه أرضها، الا في القليل النادر وربما لم تفعل بالمرة. أما كلمة دراكولا فإنها تعني الشيطان، علما أن أحداثها تدور خلال الاحتلال العثماني لرومانيا، والطريف ان المؤلف يرى في هذه الرواية واحدة من أبرز روايات الرعب في العالم لافتا النظر إلى أنها تشكل استمرارا حيا لكتابات الكاتب الأمريكي البارز ادغار الان بو، تلك الكتابات التي أسست لرواية الرعب والرواية البوليسية أيضا. ومن الطريف أن المؤلف يضمن كتابه هذا فصلا خاصا، عن تلك النهاية المؤسفة التي انتهت إليها حياة رائد القصة البوليسية ورواية الرعب في الادب الحديث.
لفتني في هذا الكتاب المبدع فصلان أحدهما عن تفاصيل التفاصيل في المبارزة التي قتل فيها الشاعر الروسي العظيم الكسندر بوشكين على يد ضابط فرنسي، والآخر عن اختفاء او مقتل كاتبة الرواية البوليسية اغاثا كريستي. في الكتابة عن بوشكين يطلعنا المؤلف على أدق التفاصيل، ومما يفاجأ به القارئ المتابع المطلع، أن تلك المبارزة التي انهت حياة واحد من أهم الكتاب والشعراء الروس على مر العصور وتعاقب الازمان، لم تكن الاولى، ومعروف أن بوشكين طلب مبارزة ذلك الضابط الفرنسي، الذي يكشف المؤلف عن اسمه اول مرة، بعد زمن من عدم معرفة الكثيرين له، وهو جورج دانتس. أما سبب تلك المبارزة فقد تمثلت في ملاحقة ذلك الضابط الفرنسي الغزلية لزوجة بوشكين التي اعتبرت من فاتنات المجتمع الروسي في تلك الفترة.
فيما يتعلق بمقتل الكاتبة البوليسية اغاثا كريستي، يتحدث الكاتب عن اختفائها بعد خلاف مع زوجها، الأمر الذي يدفع الشرطة إلى اتهامه بقتلها وتجري التحقيقات معه، إلى أن تظهر الحقيقة عبر نزول الكاتبة المشهورة باسم مستعار في أحد الفنادق وتلقي الشرطة خبرا يفيد بذلك، الأمر الذي يفضي إلى حقيقة مفادها أن سفر الكاتبة، وفي المقابل سفر زوجها ذاك، إنما تم بغرض ابتعاد كل منهما عن الاخر، للبت في قرار البقاء معا أو الطلاق. الحالة تنتهي إلى طلاق اغاثا من زوجها الاول ارشيبالد كريستي وارتباطها فيما بعد بعالم الآثار ماكس مالوان، الذي ستصحبه إلى منطقة الشرق الاوسط، سوريا والعراق، ولتغتني كتاباتها التالية بأجواء جديدة وإضافية. ويذكر أن رواية "قطار الشرق السريع", تعتبر من أبرز روايات الكاتبة.
الكتاب يتطرق إلى العديد من الكتاب والشعراء المعروفين في شتى بقاع العالم، امثال الاسبانيين سرفانتس صاحب "دون كيخوتة"، وكالدرون صاحب "الحياة حلم". و فرناندو بسوا صاحب كتاب "اللاطمانينة'، وانجليزي ديفد هربرت لورانس صاحب الرواية الشهيرة "أبناء وعشاق" والايطالي كاتب الخيال العلمي اميليو سالغاري مؤلف رواية"زهرة القيامةـ عجائب الألفية الثالثة"، الذي وضع حدا لحياته في الثامنة والأربعين من عمره، تاركا وراءه أربعا وثمانين رواية تعتبر من عيون الادب الايطالي. أما سبب انتحار هذا الكاتب المهم فهو كما يفهم يتمثل في وضعه المالي الصعب. فالناشرون يقطفون ثمار كتابته معوضين إياه بالقليل مما لا يكاد يسد الرمق.
***
ناجي ظاهر







