أقلام ثقافية

ياسين غالب: بدر شاكر السياب.. شاعر لا يزال حيًّا في البصرة

يُصنَّف بدر شاكر السياب بوصفه أحد أبرز روّاد الشعر العربي الحديث، ومن الأسماء التي أحدثت تحوّلًا حاسمًا في بنية القصيدة العربية ومضامينها. ولم تأتِ أهميته من التجديد الشكلي وحده، بل من قدرته على تحويل تجربته الشخصية القاسية إلى خطاب شعري عام عبّر عن أزمة الإنسان العربي في منتصف القرن العشرين.

وُلد السياب عام 1926 في قرية جيكور التابعة لقضاء أبي الخصيب في محافظة البصرة بالعراق. وقد شكّلت هذه القرية عنصرًا أساسيًا في تكوينه الثقافي والوجداني؛ إذ أسهمت البيئة الزراعية والأنهار وبساتين النخيل في تشكيل ملامح ذاكرته الأولى. غير أن جيكور ارتبطت كذلك بإحدى أبرز محطات الفقد في حياته، وهي وفاة والدته في طفولته المبكرة، وهو حدث ترك أثرًا نفسيًا عميقًا لازمه حتى نهاية حياته، وظهر جليًا في الحضور المتكرر لصورة الأم في شعره. واجه السياب ظروفًا معيشية صعبة منذ شبابه، فعانى الفقر وعدم الاستقرار الوظيفي بعد انتقاله إلى بغداد للدراسة والعمل. وتعرّض للفصل من الوظيفة أكثر من مرة بسبب مواقفه السياسية، مما أدخله في أزمات مالية متواصلة. وقد انعكست هذه الظروف في نتاجه الشعري، حيث تحوّل الحرمان المادي والاغتراب إلى ثيمات أساسية عبّرت عن القلق والضياع وفقدان الأمان. على الصعيد الإبداعي، كان السياب من أوائل من تبنّوا الشعر الحر في العالم العربي، وأسهم إسهامًا بارزًا في ترسيخ هذا الاتجاه، متخذًا منه أداة للتعبير عن واقع متحوّل وتوترات نفسية واجتماعية حادة. ولم يكن هذا الخيار الفني معزولًا عن تجربته الحياتية، بل جاء منسجمًا مع حالة الانكسار والتشظي التي عاشها على المستويين الشخصي والعام.

في سنواته الأخيرة، دخل مرحلة قاسية بسبب المرض، إذ أُصيب بمرض عضال أقعده عن الحركة، وتطلّب علاجات طويلة داخل العراق وخارجه في ظل إمكانات مادية محدودة. وقد أسهم المرض في تعميق نظرته التأملية، فازدادت قصائده تركيزًا على ثنائية الحياة والموت، واليأس والأمل، من دون أن يفقد إيمانه الرمزي بالخلاص.

تتقاطع تجربة السياب مع تجارب عدد من شعراء الحداثة في العالم، من بينهم الشاعر الإنجليزي T. S. Eliot في توظيف الرمز والأسطورة للتعبير عن أزمة العصر، والشاعر الإسباني Federico García Lorca في الحس المأساوي والارتباط بالأرض، إلى جانب الشاعر التشيلي Pablo Neruda، والشاعر التركي Nazım Hikmet في الجمع بين البعد الإنساني والهمّ الاجتماعي.

ورغم هذا البعد العالمي، بقيت جيكور حاضرة بقوة في شعره، بوصفها مرجعًا مكانيًا ووجدانيًا، ومقابلًا رمزيًا للمنفى والمرض والفقر. فقد تحوّل المكان الصغير إلى علامة كبرى في تجربته، تختزل الحنين والخسارة والبحث عن الاستقرار. توفي بدر شاكر السياب عام 1964 عن عمر ناهز الثامنة والثلاثين، لكنه خلّف إرثًا شعريًا جعله واحدًا من أكثر الأصوات تأثيرًا في تاريخ الشعر العربي الحديث. وتبقى تجربته مثالًا واضحًا على العلاقة الوثيقة بين الإبداع والسيرة الشخصية، حيث تحوّل الألم الفردي إلى نص شعري ذي بعد إنساني واسع.

***

ياسين غالب

 

في المثقف اليوم