أقلام ثقافية
فؤاد الجشي: وجودٌ يخاصم ذاته
أن تصادف كتابًا يُفصح عمّا بداخلك بشفافية ودقة، فذلك ليس حدثًا عابرًا في حياة القراءة، بل تجربة أشبه بالمكاشفة. ثمّة كتب تمنحك معرفة، وأخرى تمنحك نفسك، ضمن هذا العمق النفسي يأتي كتاب (الجلاد تحت جلدي) للدكتور عماد رشاد عثمان، عمل يتجاوز الطابع التنموي السريع ليغوص في طبقات النفس محاولًا تفكيك واحدة من أكثر العقد شيوعًا في الإنسان المعاصر: الكمالية وجلد الذات.
عالم تحكمه المقارنات والإنجازات المتلاحقة، يبحث الإنسان عن السعادة والسكينة، لكنه كثيرًا ما يجد نفسه عالقًا في سباق لا ينتهي مع ذاته قبل الآخرين، يريد أن يكون أفضل دائمًا وأكثر نجاحًا وأكثر قبولًا، غير أنّ هذا السعي، حين يفقد توازنه، يتحول إلى محكمة داخلية لا تعرف الرحمة، هنا لا يبدو طلب الكمال نعمة، بل قيدًا خفيًا يضيّق الخناق على صاحبه ويدفعه إلى ملاحقة معايير يستحيل تحقيقها.
العنوان الذي اختاره المؤلف يحمل دلالة عميقة، فالجلاد ليس قوة خارجية تمارس سلطتها علينا، بل صوت داخلي يتشكّل عبر السنوات، نحن الذين نُسرف في محاسبة أنفسنا بلا هوادة ونضاعف أخطاءنا، ونربط قيمتنا الإنسانية بمدى اقترابنا من صورة مثالية متخيلة، هذه الفكرة تشكّل المنطلق الأساسي للكتاب، مصدر الألم غالبًا ليس في العالم، بل في الطريقة التي نتعامل بها مع ذواتنا.
يستند المؤلف إلى خبرة بحثية وعلاجية امتدت لسنوات، تناول خلالها أنماط السلوكيات الإدمانية وإساءات الطفولة وصدمات النشأة، بوصفها جذورًا محتملة لتكوين الشخصية الكمالية، وهو يؤكد أنّ الكمالية ليست مرضًا منفصلًا يمكن وصمه أو استئصاله، بل دفاع نفسي معقد في محاولة لحماية نفسها من الألم أو الرفض، تبني معايير صارمة للنجاة، لكنها تتحول مع الوقت إلى عبء ثقيل.
يتوسع الكاتب في تحليل البنية الداخلية للشخص الكمالي: دوافعه الخفية، ومخاوفه، وصراعاته الصامتة، الشخص الذي يبدو شديد الانضباط أو مفرط الطموح قد يكون في الحقيقة مدفوعًا بشعور عميق بعدم الكفاية، الإنجاز لديه ليس رغبة في التفوق فحسب، بل محاولة مستمرة لإثبات الاستحقاق، الفشل هنا ليس تهديدًا وجوديًا بل تجربة عابرة.
من الجوانب اللافتة في الكتاب رفضه للحلول السريعة والشعارات التحفيزية الجاهزة النصائح من قبيل (كن لطيفًا مع نفسك) أو (لا تؤجل عمل اليوم) قد تمنح راحة مؤقتة، لكنها لا تعالج الجذور النفسية للمشكلة حسب قوله، التعافي، كما يطرحه المؤلف، يتطلب وعيًا أعمق وفهمًا لتاريخ الفرد الشخصي، ومواجهة صادقة للمشاعر المؤجلة، لا مجرد تعليمات سطحية.
يدعو الكتاب القارئ إلى الانتقال من القراءة الباردة إلى المشاركة الفعلية في المعنى، الفكرة ليست استهلاك المعلومات، بل تحويلها إلى تجربة ذاتية شريكًا في بناء المعنى، لا مجرد متلقٍّ.
لا يعالج (الجلاد تحت جلدي) وصفة جاهزة للسعادة، بل يقدّم مرآة تكشف مصادر القسوة الداخلية، وتفتح باب المصالحة مع الذات، بهذا الوعي الصريح يبدأ الطريق الحقيقي نحو التعافي.
***
فؤاد الجشي







