أقلام ثقافية

رابح بلحمدي: بين عقلٍ يُهذِّب وسلطةٍ تُختَبَر

قراءة في «الأدب الصغير» و«الأدب الكبير» لابن المقفع

كان ابن المقفع يمشي وحيدًا في دهاليز العقل، لا يحمل سيفًا ولا راية، بل مصباحًا صغيرًا من حكمة.  لم يكن يكتب ليُدهِش، بل ليُوقِظ. كأن كلماته خرجت من فرن التجربة، ساخنة، بسيطة، لكنها قادرة على إنضاج العقول الباردة.

 في «الأدب الصغير» و«الأدب الكبير» لا نقرأ كتبًا، بل نطلّ على مرآتين: واحدة يواجه فيها الإنسان نفسه، وأخرى يرى فيها الحاكم صورته عارية من الزينة. في الأدب الصغير، الدرس من الداخل.  هنا لا عروش ولا بلاطات، بل نفسٌ بشرية تتقلب بين عقلٍ وهوى.

يتحدث ابن المقفع عن العقل كما لو كان بذرةً مدفونة في تربة الروح؛ لا تنبت وحدها، ولا تُثمر إن تُركت بلا رعاية.

 الأدب عنده ماءٌ خفيّ، إذا سقينا به العقل استقام، وإذا حُرم منه يبسَ ولو امتلأت اليد ذهبًا. يحذّر من الخطأ الصغير، لا لأنه صغير، بل لأنه يتكاثر في الظل.  يوصي بالصمت حين يغلب الهوى، وبالتأني حين تُغرينا العجلة.

 كأن النص همسٌ طويل يقول: أصلِح نفسك، فالعالم يبدأ من هناك الباب على ساحة الحكم، حيث لا يُمتحَن الذكاء بل الضمير.

أما في الأدب الكبير، أرض زلقة اسمها السلطة. كلمةٌ واحدة طائشة قد تزلزل بلدًا، ورأيٌ أعمى قد يورث خرابًا طويل الأمد.

يرسم المؤلف صورة الحاكم العادل كما لو كان شجرةً وارفة: جذورها في الحكمة، وساقها في الحلم، وأغصانها في المشورة.

 ويُذكّر بأن العدل ليس قرارًا مفاجئًا، بل عادة يومية، وبأن الاستبداد لا يبدأ بالقسوة، بل بتجاهل النصيحة. ثم يهبط ابن المقفع من علياء السياسة إلى دفء الإنسان.

 الصديق عنده ليس زينة مجالس، بل مرآة صادقة، إن كسرتَها جرحتك الشظايا. الصداقة امتحان أخلاقي، واختيارها فعل عقل، لا انفعال عابر.  هنا يصبح الإنسان كائنًا اجتماعيًا لا بثرثرة اللسان، بل بصدق العلاقة.

وحين نجمع الكتابين، نكتشف أن ابن المقفع لم يكتب فصلين منفصلين، بل طريقًا واحدًا ذا مرحلتين:

مرحلة تهذيب النفس، ثم مرحلة تدبير الناس.

كأن الرسالة تقول: من لم يحكم نفسه، لا يصلح أن يحكم غيره....

أسلوبه، هذا السهل الممتنع، يشبه نهرًا هادئًا يخفي تيارًا عميقًا. لا زخرف لغوي، ولا ضجيج فلسفي، بل جمل تمشي على مهل، وتصل. كأن ابن المقفع كان يخاطب قرّاء المستقبل، أولئك الذين سيتعبون من الخطب العالية، ويبحثون عن كلمة صادقة تنقذهم من فوضى الداخل والخارج.

في زمننا، حيث تتزاحم الأصوات وتُصفِّق الشاشات للسطحي، يعود ابن المقفع مثل ناسكٍ قديم يضع إصبعه على الجرح....

العقل إن لم يُؤدَّب صار أداة خراب، والسلطة إن لم تُقيَّد بالأخلاق صارت وحشًا، والعلم إن لم يتحول إلى سلوك بقي حبرًا باردًا....

هكذا يظل «الأدب الصغير» درسًا في أن تكون إنسانًا،

ويظل «الأدب الكبير» تذكيرًا قاسيًا بثمن الحكم،

ويبقى ابن المقفع شاهدًا على أن الكلمة، حين تُكتب بصدق، تعيش أطول من السيوف....

***

بقلم: بلحمدي رابح -  الجزائر

في المثقف اليوم