أقلام ثقافية
محمد الزموري: الفلسفة والشعر.. أخوّة المعنى في همس الكلمات
لو وضعنا الفلسفة والشعر على رفٍ واحد، كما يفعل التقليد الأكاديمي الصارم، لسارعنا إلى الفصل بينهما: الفلسفة بوصفها خطابًا عقلانيًا منضبطًا، مشدودًا إلى اللوغوس، والشعر باعتباره فنًا جماليًا عاطفيًا، ينتمي إلى الإحساس والخيال. هذا الفصل هو ابنُ تقليدٍ غربيٍّ جزّأ المعرفة، ووزّعها على حقول متخصصة، حتى بدا كل مجالٍ وكأنه مكتفٍ بذاته. غير أن من اقترب حقًا من الفلسفة والشعر معًا، لا بد أن يكون قد أحسّ—ولو مرة—برباطٍ خفيّ، بحميمية صامتة تشدّ أحدهما إلى الآخر.
فالفلسفة والشعر ليستا طريقين متقابلين، بل مساران متجاوران يسلكهما الإنسان بحثًا عن المعنى، والحقيقة، والجمال. كلاهما محاولة للإقامة في أسئلة الحياة، وكلاهما ينبثق من الإيماءة الأولى ذاتها: الدهشة. الذي عدّه اليونان أصل التفكير وأصل الشعر معًا. الدهشة ليست معرفة، بل انفتاح؛ ليست جوابًا، بل استعداد للنظر إلى العالم كما لو أنه يُرى للمرة الأولى. ومن هذه الدهشة، الممزوجة بشيء من العجز والارتباك أمام كثافة الوجود، تتفتح المساحة التي يصبح فيها الفكر والشعر ممكنين.
الشاعر النمساوي "راينر ماريا ريلكه" يعبّر عن هذه الحالة بكثافة شاعرية حين يدعونا إلى أن نسكن الأسئلة بدل أن نستعجل الإجابات. فالسؤال، في نظره، ليس نقصًا، بل فضاء، وغرفة مغلقة، وكتابًا مكتوبًا بلغة غريبة، لا يُفتح إلا بالعيش لا بالتفسير. الكلمات لا تحيا إلا حين يسبقها فراغ، ولا يولد الجمال إلا من رحم عدم اليقين. فحيث لا فجوة في الفهم، لا نبض، ولا شعر، ولا فلسفة.
الفيلسوفة الاسبانية "ماريا زامبرانو"، التي كرّست فكرها لاستعادة الصلة بين الفلسفة والشعر، جعلت من الفراغ عنصرًا جوهريًا في الإبداع. الفراغ عندها ليس خواءً، بل مساحة مقدّسة تسمح بظهور المعنى. في مفهومها عن «العقل الشعري»، حاولت تجاوز الانقسام الذي فرضته العقلانية الغربية بين الفكر والعاطفة، بين المفهوم والصورة. العقل الشعري ليس منطقًا خالصًا ولا انفعالًا محضًا، بل قدرة على الإقامة في المجهول دون استعجال، وعلى استقبال الدهشة دون أن تُختزل في تفسير. من هنا، تصبح الفلسفة والشعر شكلين من أشكال المعرفة المتجسدة، معرفة لا تنظر إلى العالم من مسافة باردة، بل تخوضه بكلمات حيّة، تتنفس وتتعثر وتضيء.
بهذا المعنى، يمكن القول إن الفلسفة والشعر أخوات في الصمت. فهما لا تسعيان إلى إغلاق الأسئلة، بل إلى حراستها. لا تدّعيان امتلاك الحقيقة كاملة، بل تعترفان بأن العالم أوسع من أن يُستنزف بالمفاهيم القاطعة. الصمت هنا ليس عجزًا، بل احترامًا لما يتجاوز القول.
حتى فيتغنشتاين، الفيلسوف الذي شغله حدّ اللغة وإمكاناتها، رأى في الشعر لغةً قادرة على استحضار الواقع لا تمثيله. فهناك ما لا يمكن قوله بدقة منطقية، لكنه مع ذلك يُرى ويُحسّ. في هذه «اللا دقة» يكمن سر الشعر: فجوة دلالية تفتح المعنى بدل أن تغلقه، وتتيح للفكر أن يبلغ مناطق تعجز عنها اللغة التقريرية. الشعر لا يضعف حين يكون غير مباشر، بل يكتسب قوته، لأنه يعيدنا إلى التجربة في تعقيدها الخام، قبل أن تُهذَّب أو تُختزل.
وتجسّد الشاعرة البولندية "فيسلافا شيمبورسكا" هذا الموقف في شعرها اليومي البسيط والعميق في آن واحد. فهي تعثر على الدهشة في التفاصيل الصغيرة، في يومٍ يمرّ «دون تساؤل»، فتذكّرنا بأن الغياب المؤقت للدهشة ليس براءة، بل فقدان. الحياة، في نظرها، لعبة كونية بقواعد مجهولة، والمشاركة فيها تبدأ من الانتباه، من السؤال الذي يطلّ فجأة وسط العادة.
في الحياة اليومية تحديدًا، تلتقي الفلسفة بالشعر على نحوٍ أوضح: في سؤال يولد في الزحام، في لحظة قراءة بطيئة، في كتابة تقطع الإيقاع الآلي للزمن. وسط شبكة العادات المتكررة، تصبح الفلسفة والشعر تمرينين على الحضور، تذكيرًا بأن هناك دائمًا فجوة يمكن النفاذ منها إلى العالم. الشعر، بقدرته على الإبطاء، يمنحنا رؤية مختلفة لما اعتدناه، وهذه الرؤية—في جوهرها—فعل فلسفي بامتياز.
***
محمد إبراهيم الزموري






