أقلام ثقافية
عبد الهادي عبد المطلب: الموت والحياة.. وجها لوجه
سؤال العبور والمعنى
وقف على حافة الجرف العميق، ينظر إلى الأسفل متردّداً، مُجهَداً، ضعيفاً وخائفاً، توقّف عنده كل شيء عن التّدفّق، الدّم في العروق، والوقت والتّفكير، عَلَتْهُ برودة مبهمة، شعر بالغربة، يريد أن يصرخ، يتمرّد، يغضب، لكنّه هرب وأغلق من دونه الأبواب والنوافذ وجميع المنافذ، عَبَرَهُ التّعب واليأس فوقف هناك كأنّه على موعد، كان يظن أنه مازال في الجراب متّسع من الوقت، لكن القطار وصل إلى آخر محطّة، لا أحد يستطيع الرجوع، كل المسافرين انصرفوا إلى أيامهم، وهو هنا، على الجرف ينتظر.
انقطع الأمل، واسودّة الدنيا في عينيه، هناك مرّت بذهنه صورٌ كثيرة، من لحظة ميلاده إلى وقوفه على حافة الجرف ينتظر متسائلا، أين الذين فرحوا وزغردوا يوم مولدي، أنا الآن هنا، انتظر الموت وحيداً، يائسا؟ وحده الآن، مستعدّ للتّخلّي عن نفسه رمياً من عل، انتحاراً، فالموت ليس صدمة اللحظة، بل تراكم أشياء كثيرة رانت على القلب فأظلم وانفطر، يفكّر في الحصيلة التي يحملها، وهو هناك، في لحظة التّوقُّف الأخير، عاف الدنيا وبات على مقربة من مغادرتها، صاح، ومن صوته تفوح رائحة الهزيمة، تعطّلت حواسُّه وهو ينتظر لحظة صحوٍ مفاجئة لن تأتي، يؤلمه مالم يعشه في الأيام الخوالي التي تسلّلت منه باردة، باهتة، عصِيَّة على العيش. تأسّف على الحبّ الذي لم يبح به لها، والشّوق الذي حكم عليه بالكبت، والغضب الذي تراكم داخله حتى انفجر أمراضاً عصية على الطبيب والدّواء، واللقاءات التي أجَّلها ظنّاً منه أن هناك وقتاً، وأن هناك فرصة أخرى، ناسياً أن الوقت لا يتنظر أحدا.
اجتاحت رأسه أسئلة مقلقة، كيف يبدو الموت؟ هل هو جميل حين نقترفه في الأماكن الجميلة كالمكان الذي اختاره هنا الآن؟ أم «نُجمِّلُ الموت حين نتقبّل النهاية؟»1 ، وهل هناك معنى للموت وهو يقترب منا كما في الحياة؟ تجيئه الآن، ولم يدرِ لمَ، كلمات قصيدة «لو عشتُ حياتي من جديد» لبورخيس؟ كانّه ندم عن أشياء وتمنّى لو فعل أخرى، ومات مرتاحاً.
بين عالمين وقف، في لحظة الحقيقة والمواجهة، يرى ما كان وينتظر ما سيكون، بين الكائن والممكن يطرح أكثر من سؤال، تكشّفت هشاشته، فوقف هنا كعابر في ممرٍّ من ظلال، بينه وبين الموت حجاباً شفّافاً، يختبئ في مكان مكشوف، هل له أن يختار بين الموت والحياة وهو في لحظة اليأس الجامحة؟ بين الفناء الذي يتهدّده أو البقاء الذي تبعثرت أوراقه؟
بين الموت والحياة إشارات خفية، أسئلة مقلقة حارقة، لا يقين، نقترب ونبتعد، لا ننظر إليهما كحدثين عاديين، بل حالتين تسكناننا في كل لحظة، في كل نَفَس، ونرى بصدق وبعمق أنفسنا أمامهما فيضطرب المعنى داخلنا.
بالموت نقدِّر الحياة ونَهَبُها معنى، وفكرة الموت تمنحنا الإحساس بالحياة، إذ منذ ولادة الإنسان وهو يحمل بذرة الموت، يداريها، يهرب منها، يسائلها، ذاك ما يفعله وهو يوشك أن يخوض التجربة، وهو في كامل قواه العقلية، وفي لحظات ضعفه القصوى، ينتظر بعيون مبلّلة، ووداعٍ غريب، وعجز ظاهر. مجرّد التفكير في الموت/الانتحار، في النّهاية، يهز مشاعره ويثير مخاوفه، بل يتساءل من أين أتتْه القوة ليقف هنا قاب قوسين من الموت أو أدنى؟ ومن أين له بالصبر ليواجه الموت وهو يخافه؟ كيف نخافه ونحن نحمل بذرته التي تكبر فينا منذ لحظة تشكُّلنا؟ تُنبّهنا الشيخوخة والأمراض والانكسارات واليأس من الحياة، أن الموت منّا قريبٌ كحبل الوريد. الموت هو الحقيقة التي لا تعتريها التباسات أو شكوك، لا تحتاج إلى برهان، لا أحد ينجو منها رغم أننا ننصرف عنها طمعا في سنوات نضيفها إلينا. الآن سيتخلّص من وهم الامتلاك، لن يحمل معه ما حرص عليه، سيغادر وحيداً إلى أفق آخر لا يعلم عنه شيئا، سينتقل من ضجيج الدنيا إلى سكونٍ آخر، ربما غريب، يعرّي، يفضح اختياراته، ينتظر أن يطرق ضيفه الباب. هل يحتاج الموت أن يطرق الباب استئذاناً؟ استفردت به الموت في هذا العراك على حافة الجرف ذي الصّخور الناتئة والمسنّنة والمطلّ على البحر الهادر والصّاخب. تذكّر أشياء ليُهوّن من رائحة الموت، لم يعد مهمّاً إلى أين المصير، فما عاد لشيء قيمة وهو هنا في أقصى حالات اليأس، لا قيمة للوقت، سريعا أم بطيئا سيعبره، تأكّد له، وهو على الجرف ينتظر، أن الموت كان يسير معه كرفيق يذكّره بأن الطّريق له نهاية، قد تختلف النّهايات، وفي النّهاية يُجْبَر الإنسان على أن ينظر إلى الحياة من أعلى، كما ينظر إليها الآن من علٍ، لا تبدو التّفاصيل، بل تظهر الصّور كلها، لأن «الموت محطة للرّحيل أكثر منه محطّة للإياب، إلاّ أنّنا نلوذ به في لحظات انكسارنا» 2.
إن الحياة من دون موت، إلغاء للذات البشرية، إذ به تقاس قيمة الحياة، ولابدّ من الموت كي ينقذنا من الأبدية، أبدية الشيخوخة والعجز، أبدية المرض والألم، أبدية اليأس والخيبات، أبدية الذّل والانكسارات، لذا فكل حي فانٍ، وحين ينفلت الموت من دائرة السؤال ليفرض وجوده، رحمته أو عقابه، يُصبح حقيقة لا تقبل الجدل، لذا فهو يستهدفنا ليُظهر لنا قوته وقيمة الحياة التي نحياها، فالحياة تعبر بجانب الموت، والموت أيضا يعبر بجانب الحياة، «.. حتى مقْدِم تلك اللحظة التي لا مفرّ منها، حين سنقف أمامه وجهاً إلى وجهٍ فينتزع وجودنا أو ينتزعنا من الوجود»3 .
مرّت بذهنه الصّوّر التي عاشها وكل هذه الأفكار عن الموت والحياة، على حافة الجرف، يفتح دفاتره السرية والمعروفة، انتابته رعشة، وبكى خوفاً، بدأت المسافة بينه وبين الموت تقصر، بدأ ريقه ينشف كلّما أوْغَلَ في الانتظار، تسائل: هل ما سأُقدم عليه قرارٌ صائب أم هزيمة؟ وهل نُهزَمُ حين نقف ضعافاً أمام الموت؟ أم مجابهة الموت وجها لوجه انتصار؟
يقترب، وفي كل اقتراب يُطلُّ بذاكرته على جانب من عمره الذي يُحِسُّه يتسرّب منه، يُدَوْزن أوتار سِنِي عمره، يضبطُ الوتر النّشار، ويعدّل الخارج عن النّغم الذي اختاره لحياته، قد فات أوانُ ذلك، حين وقف هنا ينوي وضع حدٍّ لحياته دون أن يقول وصيته أو يكتبها، فكّر في اعتزال الحياة ليرتاح، أصوات لا يعرف مصدرها تصله حزينة وادعة، متوسلة باكية، قوية في الآن نفسه، كيف بعد كل هذا العمر جئت البحر باحثا عن نهاية؟
هناك أسباب كثيرة دفعته للإقدام على الموت، لكن هناك سببٌ واحد قد يعيده إلى الحياة، لكنه صمّم، وقدّر، ثم عزم وحكم، ووقف هنا ينتظر رحلته ليصل قبل الأوان، ليس له أن يقرّر، الموت يأتي بموعد، لكن أن تضع لحياتك حد، أن تنتحر، فذلك وصول قبل الأوان، «فالموت ليس موضوع تأمّل فكري، [أو اختيار]، بل هو تجربة تعاش كما يتعايش المرء مع السر.. فالموت لحظة حاسمة من لحظات هذا الوجود» يقول غابرييل مارسيل.
من أعلى الجرف فكّر كثيرا، هل الموت، أو بالأحرى الانتحار، خلاص أم انهزام؟ وهل بالموت أو بالانتحار نتخلّص من الموت أم نتخلّص منّا؟ تلك لحظات لا يجيب عن أسئلتها إلا من وقف على الجرف ينتظر، أو من عاند الحياة واستسلم لليأس؟
***
(نص): عبد الهادي عبد المطلب
الدار البيضاء / المغرب
....................
1- جلال برجس. دفاتر الورّاق. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ط 12 2024. (ص88).
2- نفس المرجع (ص93).
3- من أقوال الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام.







