أقلام ثقافية

كريم عبد الله: عندما تتحوّلُ الحربُ إلى لعنة

حين تعبتِ السماءُ من عدّ الصواريخ، وأصابَ المجرّاتِ صداعُ الحديد، سقطتْ الحربُ من يدِ الجنرالات كلعنةٍ عمياء لا تعرفُ من تلعنُ أولًا. كانت في البدءِ نشيدًا مزوّرًا، رايةً تتعلّمُ الكذبَ بسرعة، ثمّ صارت فمًا يعضّ خرائطَ الطفولة، ويشربُ أسماءَ القرى دفعةً واحدة.

*

الأرضُ، تلك الأمُّ الكونية، لم تعدْ تفرّقُ بين خطى الجنود ونبضِ القمح، فخلطتْ الدمَ بالمطر، وأرضعتِ القبورَ من صدرها المثقوب.

*

في المدنِ التي فقدتْ ظلالها، كان الأطفالُ يخبّئون قلوبهم في جيوبِ الوقت، ويكتبون واجباتهم على ظهرِ الريح، لئلا تصادرها الدبّابات.

*

الحربُ، حين تُكثرُ من نفسها، تفقدُ ذاكرتها، تنسى لماذا بدأت، وتواصلُ القتل كعادةٍ سيّئة يتوارثها الغبار.

*

البيوتُ لم تعدْ بيوتًا، صارت أسئلةً بلا أسقف، والنوافذُ تطلّ على أعمارٍ ناقصة، والأمهاتُ يعلّقن أسماءَ أبنائهن على حبالِ الغروب كي لا يضيعوا في العتمة.

*

حتى النجومُ أخذتْ تتراجعُ قليلًا، خجلًا من سماء تتدرّبُ على الانفجار، وأرسلتْ ضوءها متأخرًا كاعتذارٍ كوني لم يصلْ في الوقت المناسب.

*

عندما تتحوّلُ الحربُ إلى لعنة، لا أحد ينتصر، السيفُ يخسرُ يده، والمنتصرُ يعودُ مهزومًا بأثقلَ من الهزيمة.

*

وحدهُ الإنسان، ذلك الكائنُ الهشّ الذي تعلّمَ المشيَ بين النيازك، يقفُ عاريًا أمام ضميره، يسألُ: هل كانت هذه الأرضُ تحتاجُ كلَّ هذا الموت لتتذكّر اسمها؟

*

وفي آخر المشهد، حين تتعبُ اللعنةُ من اللعن، تتسلّلُ بذرةُ سلامٍ من شقٍّ صغيرٍ في الجدار، تكفي… كي يتعلّمَ الكونُ من جديد كيف يُنطق كلمة: حياة.

***

بقلم: كريم عبدالله

بغداد - العراق

 

في المثقف اليوم