تنتسب المعتزلة الى مؤسسها واصل بن عطاء الغزال الذي ولد سنه 80 هـ والذي المنشق عن مجلس شيخه الحسن البصري وقد انظم اليه عمرو بن عبيد، عرفت مدرسته بانها مدرسة العقل عند المسلمين، وغيرهم
وعقائديا يؤمنون بالأصول الخمسة (التوحيد، العدل، المنزلة، الوعد والوعيد، والامر بالمعروف) كنظريه عقائدية ورؤية كونية
لقد بدأ المعتزلة برأي في قضية واحدة هي (ايمان مرتكب الكبيرة)، ثم تطورت منظومتها العقائدية على أساس منهجي عقلاني مقاصدي، أخلاقي يعتني بالجانب المعنوي من أحكام العقيدة والفقه، مثل نفي الصفات اذ ان صفاته جل وعلا هي عين ذاته فقدمه الازلي ذاتا وصفاتا، ومثل عدم قبول ما ينفرد به الرواة كأصل عندهم هو و العدل لأنه الناموس الكوني، والحقيقة الخالدة الملازمة للأديان كافه، وعليه فان احكام الله طالما هو الخالق الحكيم وهو واهب العقول فان افعاله يجب ان تكون على وفق مقتضى العقل والحكمة، وعلية فان الله لم يخلق أفعال عباده - مع سلب قدراتهم واختياراتهم وأوجبوا عليه فعل الاصلح، وترتيبا على ذلك فانه صاحب الولاية المطلقة على الكون والانسان ملزم بفعل الاصلح لعباده فيلزم كل صاحب ولاية ان يكون ممن اذا خير بين الصالح والاصلح اختار الاصلح، ويجب عليه رعاية مصالح العباد، وذهب قسم منهم الى ان الله لا يفعل الا الخير واللطف والصلاح، ويصفون العقل بانه مستقل بالتحسين والتقبيح فما قبله العقل وحسنه كان حسنا، وما رده وقبحه كان قبيحا، فاذا فعل العبد الحسن اثيب عليه، واذا فعل القبيح عوقب على ذلك الفعل، وقالوا بانه مرتكب الكبيرة ليس كافرا ولا مؤمنا بل هو في منز بين المنزلتين، فان تاب رجع الى ايمانه وان مات مصرا على ذنوبه استحق العذاب، وقرروا ان الله ينفذ الوعد والوعيد على أصحاب الكبائر، ولا تقبل فيهم شفاعة وهم مخلدون في النار، وان كان عقابه اخف من عقاب الكافرين، وقالوا ان من اهم واجبات المؤمن انكار فعل المنكرات والامر بالمعروف لا سيما مع الحكام، مع الامكان والقدرة، وبالوسائل الثلاثة المتاحة ويرون قتال أئمة الجور لمجرد فسقهم، واوجبوا الثورة عليهم مع القدرة وغلبة الظن بالنصر والغلبة .
ومن معتقداتهم قولهم بخلق القران لاعتبار ان النص حاك عن الواقع الاجتماعي وان سبب النزول دليل على ذلك وهناك جدل بين النص والواقع وروابط سببيه وهذا موقف مضاد تماما لمن يرى ان القران ازلي قديم
وهم يرون ان القران مخلوق محدث ولهذه الفقرة من معتقداتهم دور خطير في الجدل اللاهوتي فهي لا تزال تحتل موقعا راهنا في السجال حول كيفية قراءة النص القرآني حاليا فلا بد من فهمه بما يتفق مع الواقع والعقل ومقاصد النص مما ينزع عنه الاطلاق والابدية، وينزع عن قارئيه حق الاجتهاد في قراءة نصوصه، واختاروا نفي الاعجاز بنظرية اخترعوها هي الصرفة، فنظريتهم في خلق القران تلتزم بقراءه عقلانية للنص وتشكل مدخلا محوريا في الصراع السياسي على الإسلام وجدل الحداثة بما لا يكرس التطرف والإرهاب لانها قراءه تجوز الاجتهاد في فهم القران فهما عقلانيا، واعتقد ان خصومهم نشروا انهم يقولون بان النص القرآني نص تاريخي له زمانه وظروفه ومكانه، ولا بد ان تستحضر المقارنات مقابل الرؤية التي تراه صالحا – بلفظه ومعناه للتمسك بالمعنى الحرفي، والذي يترجح عندي ان النصوص القرآنية لها مرادان مراد شكلي، ومراد جوهري، والجوهري هو المعنى الثابت والمقصد الازلي، فيجب ان يقرأ على أساس المرادين فقراءتهم لآيات الصفات كانت قراءه عقليه تأويلية للخروج من ارثوذوكسيه حرفيه نصوصية مستسلمة لأقوال السلف كاصل معياري
فالمعتزلة عندما قرأوا النص اعتمدوا العقل طريقا الى فهمه لكنهم لم يذهبوا الى ان العقل نقيض النص، بل كان مسلكهم هو مسلك أخلاقي ومعنوي وبرهاني لفهمه فهما صحيحا ككل النصوص البنيوية، لأن الايمان الذي لا يفهم من حلال العقل سرعان ما يتحول الى طقوس صامته
وقد مزجوا في رؤيتهم الشمولية بين العقل والعدل الكوني لان العدل ناموس الخليقة وميزانها، فالإنسان كائن مخاطب بالعقل والكون كله مخلوق على وفق قوانين عقلية، والتكليف مقدمته الضرورية هي العقل، فاحتاج لأجل محاسبته ان يكون فعله منسوبا الى أرادة حرة واعية، فصار الناتج ان الايمان لا ينفصل عن المسؤولية ومن هنا ولدت مفاهيم العلة، والغاية، والضرورة، كأدوات تفكير اعادت ترتيب العلاقة بين العقل والمخلوقات، وبين الله والانسان وصار الفعل الإنساني يحتاج الى تحليل لشروطه ودوافعه وحدوده لان الانسان حر ومسؤول لقد بالغ المعتزلة في طرح سؤال الوجود، وسؤال المعرفة وطبيعة السؤال انه يقلق السلطة السياسية والدينية، ويصبح خطرا عليها لأنه يحول التدين الى مساءلة ومسؤولية، ويجعل معيار الفعل عدالته ومنطقيتة وصار الشك المعرفي فضيله والاستدلال المنطقي ديدن العقائد، وتقديم العقل كمرجعية أولى يؤدي الى اخضاع كل الأفكار والمفاهيم لقواعد البرهان، واكتشفوا للتعارض بين النص والعقل الية التأويل للراجح بين المتعارضين، وان وظيفة التعليم هو تعظيم قدره الانسان على الفهم والتعليل والتحليل، وعند ذاك يمكن الانسان ان يغوص في التراث المعرفي فلا يتحول الى متلق مستسلم
ان نظريه التعاطي مع النص القرآني بوصفه (حمال أوجه) انتج تيارا عقليا، انتهى للتميز بين الظاهر القرآني والباطن التأويلي، واسس منهجية للتأويل سمي (فقه التأويل) كوسيلة لاكتشاف الباطن والحقيقة في مواجهة فقه الظاهر، فلقد اخرج المعتزلة التأويل من نوع الدليل الاحتمالي الى حيز البرهان، وتأسيس النزعة الإنسانية (علاقة الله بالإنسان) وهي علاقة تخويل الهي للإنسان ان يستعمل عقله لإدارة حياته والاعتراف بالحاكمية البشرية، والنزعة الوضعية للقوانين التي سكت عنها النص، او للآيات التي تحدثت عن ظروفها، فركزوا على الآيات التي تشيد بالقدرة الإنسانية وتمنحها الحرية فانكروا نظرية الجبر، وقالوا بان الانسان خالق افعاله، وان له القدرة على تمييز الحسن من القبيح وفرعوا على اصل العدل موضوع العدل الاجتماعي الذي أراد المعتزلة ارساءه في مجتمعهم، باتجاه المزيد من العمق والإنسانية مما مهد لمنظومة فكرية كانت ارهاصا حقيقيا للفلسفة النهضوية عند الفارابي والكندي وابن طفيل وابن رشد
وفي مجال موقفهم من الحديث والسنه النبوية
- فانهم رفضوا الاستدلال بخبر الاحاد في العقائد لأنه ظني والعقائد لا تثبت الا بدليل قطعي
- انهم لم يعتبروا خبر الاحاد من السنة لأنه لا يؤمن فيه عدم الصحة
فأن وجد حديث الاحاد فيشترطون له الا يخالف العقل، ولا يخالف القران، حتى مع امكان الجمع لأنه في الظاهر جاء مخالفا، ولا يحتج به في مجال الاعتقاد لانه يلزم ان يبني على اليقين (1)
وقد تعامل المعتزلة في فهم القران على وفق منهج (عقلي – تأويلي) في الاعتقاد وإخضاع فهم النص المفسر الى مراعاة اصولهم الخمسة ولم يعتمدوا منهج تفسير النص بالنص، اذ هذا يبقيهم في دائرة النص، ويقصي شريك النص (العقل) (2) مع إصرار على تنزيه الله عن التجسيم والتشبيه ويلاحظ ذلك في تفسير الكشاف للزمخشري، وذهبوا الى حل المتشابه على القواعد العقلية لا سيما آيات الصفات، ووظفوا فنون اللغة والبلاغة والادب لعرض رأيهم ولم يتقيدوا بأقوال السلف وقد ورد قول محمد عبده (بان الله لا يسألنا يوم القيامة عن اقوال الناس وما فهموه، انما يسألنا عما توصل اليه فهمنا) (3) وبذلك يصرفون الناس عن التقليد المعرفي لتفسير الآيات (4) ومن رؤاهم اللافتة انهم يعتقدون ان الله وضع المتشابه في القران ليترك للعقل الخوض فيها لاستخراج مكنوناته، وفي مجال النسخ ذهبوا الى ان السنة في اغلبها (اخبار احاد) والاحاد ظني، فلا تقوى على نسخ القران، لأن في تخصيص القطعي بالظني خلل منهجي لأنه لا يضع الظني الأدنى درجه في مصاف القطعي، لذلك: ذهب أبو الحسن الكرخي الحنفي الى ان حديث الاحاد لا ينسخ القران، ولا يخصصه ولا يقيده ففي قوله تعالى (خذ من أموالهم صدقة) (5) تؤخذ على عموم المال وكل ما يصدق عليه اللفظ، واذا ترجح ان (الفعل خذ) فعل امر دلالته الوجوب فان الحاكم يحق له ان يفرض الصدقة على عموم الأموال ويوسع وعاء الزكاة ولا يعبا بحديث الغلات الأربعة (6) وكمثال اخر فان قوله تعالى (احل الله البيع) لا يخصص بحرمة بيع المسلم لأهل دار الحرب – الا بمقتضى العنوان الثانوي وطاعة (اوامر الحاكم الشرعي) وذهب الحنفية الى جواز بيع المسلم لأهل دار الحرب ما يحرم على المسلم كالخمر والميته (7) ودمجوا المقاصديه بالتخصيص فلو أوصى رجل لا وارث له بجميع المال فان الوصية صحيحه، ولا يرد التقيد بالثلث لأن حديث سعد في جوازها فقط بمقدار الثلث حديث الاحاد لا يقيد قوله تعالى (من بعد وصيه يوصي بها او دين) ويرون ان مقاصد قيد الثلث جاء لئلا يصيب الورثة ضرر وحيث لا ورثة للموصي فلا ضرورة للقيد ولأجل العمل بالخبر الواحد عند الحنفية المتأثرين بآراء المعتزلة اعتقد عدد من المعتزلة مذهب ابي حنيفة بالفرع مثل القاضي ابي سعيد البردعى، وبشر بن غياث المريسي، والجبائي فقالوا لا يعمل بحديث احاد ما كان متنه مما تعم به البلوى مثل حديث خيار المجلس، ورد اخبار الاحاد مسلك مباين للجمهور، وما سمعهم بالرأي والقياس الا اخذا ولو مجملا من المعتزلة، مثل الفقيه عيسى بن ابان (160-221) الذي يذكرونه في طبقاتهم (8) وكان قد تعلم صناعة الحديث من محمد بن الحسن الشيباني – تلميذ ابي حنيفة، ومسألة الصلة بين المعتزلة ومذهب ابي حنيفة مسألة مهمه اذ تراها مره ان الأحناف استقوا قواعدهم الأصولية من فكرة الاعتزال، وأخرى ان المعتزلة مذهب عقائدي فكانوا في الفروع على مذهب الأمام ابي حنيفة لتقارب، لأصول وان هناك قولا شائعا مفاده(ان الحنفية معتزلة الفقهاء وعندي: انهم تحولوا الى الماتريديه لأنها عندهم اكثر تماسكا من الاعتزال في البناء المنطقي في مجال العقائد وهكذا نجد التثاقف بين المعتزلة واتباع مدرسة ابي حنيفة واضحا جليا، بل لا ينكر تأثر السيد المرتضى وهو من كبار علماء الشيعة بالمعتزلة لا سيما في موقفه من خبر الاحاد .
وفي مجال النسخ في القران فان اغلبهم يرى ان الزيادة على النص القرآني من خلال الحديث نسخ، لكنهم يقطعون بانه لا يثبت بخبر الواحد ولا بالقياس لأن كلا منها لا يقوى على نسخ المتواتر مثل زيادة (تغريب عام) للزاني غير المحصن، وينكر بعضهم النسخ لأنه بداء وهو محال على الله وهو وان كان جائز عقلا فلا يستلزم الوقوع الفعلي
يؤمن المعتزلة بحوار الأديان ويعتبرون القواعد العقلية هي المعيار لان غير المسلمين لا يخضعون لغير العقل
ويرون ان الانسان كائن عاقل قادر على فهم الآيات والعلل وإظهار العجر عن معرفتها خلل منهجي يهدف الى ترسيخ تقليد السلف – وهم لا يرون ذلك على الاطلاق
يرون ان للانسان أراده حره مختاره عاقله ومسؤولة لذلك فان معيار الأفضل عقليا في المهارات شرط في التكليف بالأمور السياسية، لأن العقل ومراتبه اصل المفاضلة
ان كل ممكن بحاجة الى علة والتأويل بحث مبتكر عن العلة
لا يفهم المشروع الحضاري الإسلامي الا على أساس مبادى الفكر النقدي وممارسة الاجتهاد في كل الأزمنة وفي عموم صفوف المعرفة
لا يتوصل الباحث في النصوص الا اذا توسل للوصول الى مراد النص بالبحث عن الروح الأخلاقية المعنوية المقاصدية في النص، لان القران نص يمكن ان يتعقل
يرون ان السنه اغلبها تدبيريه منتزعة من ظروفها المكانية والزمانية وان الاجماع اصل دائم وليس أساسي فيلزم ان تستند الى العقل او القران او السنه
ينفتح المعتزلة على فكر الأمم والشعوب بشرط ان يدرس جيدا وينقد جيدا ويعاد انتاجه بما يتفق مع اصولهم
ان العقل شرط أخلاقي ومعنوي لفهم النص فالنص لا ينفصل عن مقاصده في تحليل البنيويات، والايمان يختبر بالعقل لا بالطقوس الصلبة
المشيئة الإلهية ليست مضادة للقوانين الطبيعية لذلك انكروا بعض المعجزات مثل انشقاق القمر
يلزم ربط الايمان بالمسؤولية لكي يكون الدين متصالحا مع الواقع ومعيار الايمان توافقه مع الحكمة
النقد والعقلانية يخيفان السلطة الدينية والسياسية، لأن السؤال عندها عبء، وليس ضرورة، ولان السلطة الدينية للفقهاء اعادت تعريف الدين على انه امتثال وليس مساءلة، وطاعة خالصة وليس مسؤولية ولان العقل لا يسمح للسلطة الدينية ان تستبعد الناس بالطقوس الشكلية التي تفتقد الى المعنى ويرفضون ان يكون الخطاب الديني (غامضا) لان في ذلك قصد تعطيل العقل
ان المعتزلة الجدد يرون ان الدين حاليا حاضر في الطقوس والشعارات والمناسبات، وليس في التفكير والتأمل وتجديد المسافات والاحتكام الى العقل وكل ما هو افضل ويرون ان التدين الراهن يستدعي النصوص ويعتمدها كوسيلة لتبرير الواقع المتردي، لا مساءلة، ويستحضر الأمور الغيبية لغلق الأبواب امام الممارسة النقدية وعلية فانهم يعتمدون منهجا لا يستخدم المقدس لإلغاء الانسان ولا يؤمنون بتدين لا يتضمن العدالة لأنه سيتحول الى هوية صامته صلبه – بلا روح – فالعقيدة التي لا تساءل لأنسان عن مسؤوليته في كل صغيرة وكبيرة تفقد قدرتها على اصلاح العالم، ويدعون الى استعادة الجوهر الأخلاقي للتدين في زمننا المشغل بالانكسارات
***
ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد
...........................
(1) أبو الحسين الخياط: المعتمد 2\153 ظ رسائل الجاحظ 3\58
(2) القاضي: تنزيه القران عن المطاعن ص 442
(3) محمد عبده: تفسير المنار ج1\27
(4) مصطفى مسلم: مباحث في التفسير الموضوعي ص 10، ظ محمود كامل احمد مفهوم العدل عند المعتزلة ص 71
(5) سورة التوبة \103
(6) الكاسيني: بدايع الصنايع 4\58
(7) المصدر نفسه 11\307
(8) المرتضى: طبقات المعتزلة 128







