عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دراسات وبحوث

أياد الزهيري: المتلاعبون بالتاريخ في مواجهة معطيات العلم

برزت الكثير من الدراسات الغربية، وبعض منها على أيادي عرب ومسلمون، جروا على ما جرى عليه الغربيون، ويمكننا القول إن الأخيرين قد تناصوا على ما أنتجه الغربيون من آراء وكتابات بالموضوع الذي نحن بصدد البحث فيه، والذي تناولوا فيه موضوع الحضارات القديمة، وربط بعضهم بين هذه الحضارات التي أنتجت الكثير من الآداب والمعتقدات والممارسات الدينية وبين الأديان السماوية (اليهودية، المسيحية، الإسلام)، وقالوا إن هناك عملية تناص بين ما أنتجته هذه الحضارات وبين ما ورد من نصوص وسرديات في كتب الأديان السماوية المذكورة أعلاه، وفي هذه المقالة البحثية لا يمكنني حصر العدد الكبير من هؤلاء الباحثين والكتاب الغربيين، ومنهم صموئيل نوح كريمر وغيره، ولكن في السنوات الأخيرة ظهر علينا باحثان، نسجوا على منوال الباحثين الغربيين، احدهم سوري وأسمه فراس السواح وآخر عراقي، وهو خزعل الماجدي، اللذان اعتمادا بشكل شبه تام على بحوث ودراسات ومقالات الغربيين، وكما ذكر عالم الآثار نائل حنون، (بأن فراس السواح وخزعل الماجدي غير متخصصين بالآثار، وينقلون ما يقرأون وشوهوا الحضارة)، وأنا أتفق مع الأستاذ حنون لا بسبب التعاطف الشعوري ولا الديني، ولكن بسبب ما تحمله كتاباتهم من قصور علمي، ونقل أعمى لما يدعيه الغربيون الذين يحملون أجندات مختلفة، لا يمكن حمل الكثير منها على محمل علمي بحت، وفي هذا البحث أحاول أن أُبين عن سقطات قد وقوعوا في شباكها ولا أعلم بالضبط بأن هذه السقطات مقصودة لأهداف أيديولوجية، أو عن جهل، وهنا ينبغي أن نقدم بعض المعلومات التي تساعدنا على فهم مجريات الأحداث وتاريخ تسلسلها لكي تكون لنا خير دليل في تحديد ما وقع فيه هؤلاء من أخطاء لا تستقيم مع التسلسل التاريخي.

تقول عالمة البيولوجيا الدكتورة رنا الدجاني في مقابلة تلفزيونية مع الدكتور باسم الجمل إن عمر الإنسان المماثل لإنسان الحاضر هو ٢٠١ ألف سنة، أما عالم الآثار العراقي طه باقر يذكر في كتابه (مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ص١٥٧) إن عمر الإنسان الحديث، المسمى بالإنسان العاقل يرجع إلى نحو 40,000-50,000 سنة. أما عمر الإنسان الذي يمشي على قدمين فيذكر الدكتور طه باقر في كتابه المذكور في ص ١٦٩ (والعصور القديمة هذه أزمان طويلة موغلة في القدم، حيث تبدأ منذ أن وجد الإنسان على الكرة الأرضية قبل أكثر من مليون عام)، ولو رجعنا إلى ظهور الحضارة السومرية التي هي اقدم من الأكدية والآشورية لرأينا أنها بدأت بعصور متأخرة مقارنة بزمن ظهور الإنسان على وجه الأرض، حيث يذكر العلامة طه باقر في كتابة المقدمة في ص ٧١ إن (حضارة وادي الرافدين ظهرت في مطلع الألف الثالث ق، م)، وإن اللغة السومرية كأقدم لغة في وادي الرافدين على حد قول العلامة طه باقر في المقدمة ص ٧٢، (حيث ظهر الخط المسماري في الدور الأخير من عصر الوركاء، أي في حدود ٣٥٠٠ ق، م)، وازداد وضوح تدوين اللغة السومرية في ألواح الطين في عصر فجر السلالات الثاني في حدود (٢٨٠٠-٢٧٠٠ ق، م) (المقدمة-ص٧٢)، ومن المهم أن يعرف القاريء إن السومريين إنما كانوا أحد الأقوام الذين عاشوا في جهة ما من وادي الرافدين في عصور ماقبل التاريخ، ثم أستقروا في السهل الرسوبي منه في حدود الألف الخامس ق.م، وأنهم لم يكونوا المستوطنين الوحيدين، ولا أقدم المستوطنين، وأنما تعايشوا مع جماعات من أقوام أخرى وفي مقدمتهم الأقوام السامية)(مقدمة في تاريخ الحضارات-طه باقر ص ٧٤)، ويذكر طه باقر ان السومريين لم يكونوا أقدم المستوطنين في السهل الرسوبي، بل جاءوا أقواماً أخرى وفي مقدمتهم الجزريون (المقدمة-ص٧٥)، بل الأدهى من ذلك يقول العلامة طه باقر في المقدمة ص٨٥ ان هناك اقوام مجهولين ليسوا من السومريين، ولا من الساميين، ويُرجح أنهم سبقوا هذين القومين في الإستيطان في السهل الرسوبي، وكان الباحث لاندرزبيركر (landsborger) أول باحث أثار هذا الموضوع وسمى أولئك القوم المجهولين بالفراتيين الأوائل، ويشير هذا الباحث إن هؤلاء القوم المجهولين يمتلكون أرقى حضارة من السومريين وأن السومريين تأثروا بهم بسبب مجاورتهم لهم . كما من المهم للقاريء الكريم أن يعلم إن هناك أقوام أخرى عاشت في العراق القديم أمثال السوباريون، والحوريون. هذه الأقوام عاشت ضمن دائرة ما يُسمى بالإنسان العاقل، في حين لو نظرنا إلى فترة وجود الإنسان ماقبل العاقل حيث عاش في عصور سحيقة المسمى بالعصر الحجري الايوليثي، الذي يرجع الية ما يُسمى بالإنسان الجنوبي، وهناك الإنسان الذي عاش في العصر الحجري القديم وزمنه منتصف عصر البلايستوسين إلى نهاية العصور الجليدية، أي من حدود ٦٠٠، ٠٠٠ أو ٥٠٠، ٠٠٠ إلى ١٠، ٠٠٠ ق. م . يتضح من خلال ما قدمنا وان كان بشكل مختصر جداً إن الإنسان تاريخه موغل بالقدم، وإن المسافة الزمنية طويلة جداً لكي تصل إلى العصر فجر السلالات الذي يكون مابين (٢٨٠٠-٢٣٧٠ق.م) وهو عصر ظهور المدن، والذي سبقه العصر الشبيه بالكتابي أو التاريخي ويكون مابين (٣٥٠٠-٢٨٠٠ ق.م) (المقدمة ص١٦٠) ويُشير العلامة طه باقر بأن عصور ما قبل التاريخ قد أنتهت في مطلع الألف الثالث ق.م، ويقصد بعصور ماقبل التاريخ، اي العصور التي سبقت التاريخ أي التدوين بظهور الكتابة، اي ان لا كتابة ولا تدوين للعقائد والأحداث والروايات والقصص قبل الألف الثالث قبل الميلاد، وهنا يتبين للقاريء الكريم كم هو الفرق الهائل والكبير بين ظهور الإنسان على كوكب الأرض الذي يقدره العلماء بمليون سنة، وهناك من يقدره بأكثر من ذلك، وبين ظهور الكتابة في بدايات الألف الثالث ق.م، وحتى الكتابة لم تكن في صورتها الأبتدائية إلا كتابة بسيطة جداً وذات طابع صوري، اي لا يمكن من خلالها كتابة ونقل كامل الاحداث والروايات والعقائد بمحتواها الأصلي والتفصيلي، حتى ان الباحثين سموها بالشبيه بالكتابة، والتي تمتد إلى ٢٣٣٤ ق.م، وهذا التاريخ يُعتبر تاريخ قريب مقارنةً مع عمر الإنسان على الأرض، وهنا لو افترضنا ان بداية الكتابة بدأت من ٢٣٣٤ق.م مضاف أليها زمن ما بعد الميلاد لكان ٢٣٣٤+٢٠٢٦ =٤٠٣٦٠، وهي عدد سنوات عمر ظهور الكتابة، وهو رقم لا يمثل شيء امام عمر تواجد الإنسان على هذه الأرض، أي إن الإنسان بقى ١٠٠٠، ٠٠٠_٤٣٦٠=٩٩٥٦٤٠ سنة من دون أن يدون تاريخه وعقائده وطبيعة طقوسه وأساطيره، وكل سردياته الأدبية، يتبين من ذلك ان عمر ظهور الكتابة قصير جداً، والسؤال المهم الذي يطرح نفسه، هل الإنسان ماقبل ظهور الكتابة كان خالي من السرديات الأدبية والتاريخية والدينية مع الأشارة إلى إن الإنسان العاقل يُشار إلى ظهوره قبل ٥٠، ٠٠٠ سنة، يعني إن هناك لاشك سرديات ولكن بشكل شفوي لعدم وجود تدوين لها، وهي مسافة زمنية ليست بالقصيرة، ولاشك إن الإنسان أنتج الكثير من الأنتاج الأدبي، وحدث له الكثير من الأحداث وجيءَ له بالكثير من التعليمات والوصايا الآلهية التي لا يمكن لأي إنسان أن يقطع بنكرانها، لأن حدوثها أمر قائم الأحتمالية، وبعد ظهور الكتابة ما بعد الصورية، التي لا يمكنها أن تستوعب التدوين في ألواح الطين في عصر فجر السلالات الثاني في حدود (٢٨٠٠-٢٧٠٠ ق. م)(المقدمة:ص٧٢) أخذ الإنسان يدون مايسمعه من سرديات وأحداث تاريخية وعقائد وطقوس أستورثوها عبر الأجيال، وهنا نسأل أسئلة في غاية الأهمية، وهي ؛ هل كانت اللغة في بداية تشكيلها لها من الأمكانية والسعة من المفردات ما تستطيع إستيعاب كل الآداب والحوادث وكل الموروث الديني ؟! أنا لا أعتقد ذلك لأن اللغة كانت في بواكيرها الأولى، وأدواتها بدائية، فلاشك ماكان لها أن تستوعب هذا الكم الهائل من التراث الأدبي والتاريخي طوال آلاف السنين، كما إن الأمر لا يتوقف على قابلية اللغة وسعتها، بل على قابلية الذاكرة الإنسانية ومدى دقتها وأمانتها بنقل وتذكر موروث ضخم تراكم عبر آلاف السنيين، وهذا غير ممكن على الأطلاق، لأن الواقع يخبرنا ان الإنسان لعاجز عن نقل عدة سطور خلال بضعة أيام بحرفية تامة، فلابد أن تزيد أو تنقص في مضمونها، وها نحن كمسلمين قد كُتب تاريخنا الإسلامي بطرق وبمضامين مختلفة، والإن هو يشكل مشكلة عويصة علينا، حتى بات أكبر مشاكلنا، وهو تاريخ يُعتبر قصير، لم يتجاوز ١٥٠٠ عام، وحتى تاريخنا العربي الحديث الذي يقع في حدود قرن من الزمان لم يُكتب بأمانه، داعيك عن التشويه المتعمد له، لذلك لايمكننا أن نقطع بان ما جائنا من مادة ادبية وتشريعية وتاريخية على شكل ملاحم كملحمة كلكامش مثلاً، أنها من أنتاج سومري وبابلي وآشوري بحت، فأنا أعتقد بأن السومريين والبابليين والآشوريين لابد وأن أخذوا من تراث ممن سبقهم، أو جاورهم من الأقوام، ولكنهم أستخدموا عملية تناص من الحالة الشفوية إلى الحالة الكتابية لهذا الموروث، أي إن هناك أصل مرجعي سابق لها، إن لم يكن بشكل كامل، فهو بشكل لاشك كبير، لأن من المستحيل أن يبدأ الإنسان من الحالة الصفرية، البدائية بهكذا مادة أدبية وقانونية تكشف عن خيال، وذكاء كبيرين، والتواصل معروف بين الحضارات، ولا يخفى على أقل الباحثين شأناً، وهنا لابد من الأشارة إلى نقطة في غاية الأهمية، ألا وهي إن العصور التاريخية لم تكن بعيدة مقارنة بعمر وجود الإنسان على هذا الكوكب وقد ذكرنا ذلك أعلاه، وهو تقريباً بين (٢٨٠٠-٢٣٧٠ ق.م)، في حين يكون العصر البابلي القديم ما بين (٢٠٠٠-١٥٠٠ق.م)(المقدمة:ص١٦١)، فما بالك بأن الأساطير اليونانية كُتبت بعصور متأخرة جداً، ولعلم القاريء الكريم، إن ملحمة كلكامش لم تُكتب في بداية العصر البابلي القديم، بل في فترة متأخرة منه، فهناك سلالات بابلية سبقت عصر كلكامش، وسبقت عصر فترة حمورابي (١٧٩٢-١٧٥٠ ق.م)، أما الحضارة اليونانية فأنها لا تتعدى أبعد من القرن التاسع أو الثامن من ق. م (المقدمة، طه باقر:ص١٧٠)، أما لو نظرنا إلى العصور التاريخية لأوربا الشمالية فنراها بأنها تأخرت إلى القرن الأول ق. م، ولا ننسى أن هناك شعوب بقت خارج التاريخ إلى وقت متأخر محسوبة على العصور الحديثة، كل هذا يبين لنا إن هناك فارق زمني كبير جداً يقدر بمئات آلاف السنيين إذا حسبناها من بداية وجود الإنسان على هذه الأرض، وإن العصر الكتابي هو عصر حديث بالمقارنة مع وجود الإنسان، وهنا يبرز سؤال ؛ وهو هل كان الإنسان قبل عصر الكتابة بلا أنتاج فكري، وبلا معتقدات، ولا معارف وعلوم، وهذا ما لا يمكن، إن قال قائل بأن الإنسان القديم كان شبه عاقل، فنقول له طيب، فالعلماء قدروا عمر الإنسان العاقل إلى نحو ٥٠، ٠٠٠ سنه مضت، وعلى وجه التحديد في النصف الثاني من العصر الحجري القديم (طه باقر، المقدمة:ص١٧٠). ولو أبتدأنا من هذا الزمن وهو ٥٠، ٠٠٠ سنة، وهذا من غير المعقول أنه لا يكون بدون تصورات وأفكار، ونمط من التفكير، فلابد أذن من أن ينتج من خلالها الكثير من السرديات والأساطير، ولا أستبعد أن تكون هناك رسائل سماوية بُعثت إليه (أحسب الإنسان أن يُترك سدى…)، لذلك لاشك بالمطلق بأن يكون هناك الكثير الكثير من السرديات بكل أنواعها، بصورتها الشفوية وقد أنتقلت مابعد التاريخ إلى الحضارات التي تشكلت من سومرية وبابلية وآشورية وفرعونية، في حين يلغي الدكتور خزعل الماجدي في كتبه (أنبياء سومريون ص١٥) ان يكون هناك سرديات مقدسة، ولم يبني مايقوله على دليل، فهو يقول(ان المصدر المقدس للكتب المقدسة لم يكن المقدس نفسه، بما كانوا يطلقون عليها ب (النصوص الوثنية)… وهذا يعني حسب قوله وكما يقول بالنص (وهذا يعني ببساطة أن تلك النصوص موضوعة، وليست منزلة من المقدس نفسه) (أنبياء سومريون:ص١٥)، لا أعرف لماذا يقطع بهذا الشكل بعدم وجود نص مقدس بالمطلق، ولكن يمكن ان نتفق معه بأن النص المقدس قد جرى عليه التحريف والتشويه بشكل متعمد، وآخر بسبب التحريف الناتج من طول الفترة الزمنية الشفاهية . بالحقيقة أنا لا أعرف كيف قرر الدكتور الماجدي وزميله فراس السواح بأن أصل ما جاء بالأديان السماوية هو هذه الحضارات التي جاءت بعد نشوء الكتابة، في حين عمر هذه الحضارات قصير جداً لو أعتمدنا بعض تقديرات العلماء التي يقولون فيها بأن عمر وجود الإنسان يُقدر بمليون سنة، وهنا يتضح إن عصور ما قبل التاريخ قد شغلت ٩٩٪؜ من عمر الإنسان، ولا أعرف كيف فكر الماجدي والسواح، بماذا كان منشغل الإنسان، ايكون مجرد كائن يأكل وينام ويتناسل، ولا يتمتع بالتفكير والتعقل والتصورات؟!. ودليل على إن الإنسان ماقبل التاريخ يتمتع بمستوى فكري جيد إنه قد عمل على أختراع رحى الطحين في زمن العصر الحجري الحديث الذي يكون في حدود الألف التاسع أو الثامن إلى ٥٦٠٠ ق. م، والتي بقت هذه الآلة قيد الأستعمال إلى أواسط القرن العشرين، ولم تقتصر صناعته على هذه الآلة، فقد صنع المحراث، والمعازف والمناجل، ورؤوس النبل والسهام، وحتى أدوات الغزل والحياكة(المقدمة، طه باقر: ص١٩٩)، وهنا ينطرح سؤال مهم ومفصلي، هل يكون الإنسان بهذا المستوى المعرفي والعملي العالي يفتقد للتفكير والتأمل بهذا الكون، وبصانع هذا الكون؟، وإن ما يؤكد صحة نظرتنا على أن الإنسان ماقبل التاريخ يمتلك تصورات ومعارف وتأملات ذات مستوى راقي هو إن العلماء يقولون إن الدين وجد منذ وجدَ الإنسان على وجه هذه الأرض. وتشير الوكيبيديا (بأن الأدلة الآثارية التي فسرها البعض على أنها تشير إلى ظهور أفكار دينية إلى عدة مئات الآلاف من السنين ..)، فمثلاً شريعة حمورابي شُيدت (١٧٩٢-١٧٥٠ ق.م) وهذا زمن يُعتبر ليس ببعيد مقارنة على ماذكرنا من عمر الإنسان، كذلك من المفيد أن ننوه إلى مسألة غاية في الأهمية، وهي أن بداية ظهر عصر الكتابة، كانت الكتابه فيه بسيطة جداً ويذكر العلامة طه باقر في مقدمته ص٢٣٤ (إن الكتابة في الطور الشبيه بالكتابي كانت صورية، وأقتصر أستعمالها على تدوين أشياء بسيطة مادية … ولم تُدون بها نصوص تاريخية، ولا شؤون الحياة العامة … إن مصادرنا المدونة عنه مقتصرة على تلك الألواح الصورية الخالية من الأخبار التاريخية)، أي ليس هناك نصوص نُقلت سرديات أدبية وحوادث تاريخية عن عهود سابقة، وهذا مايفسر فترة ما قبل التاريخ بأنها فترة تتسم بالغموض، ومساحة كبيرة من المجاهيل، لا يمكن الماجدي او غيره من الغربيين البت بها بشكل تام، وقد ظهرت بين الحين والآخر مكتشفات أثرية جديدة، وهناك الكثير من المدفونات التي لم تُكتشف لحد الآن، وهذا ما يؤكد قصر نظر الماجدي في غور أعماق التاريخ، والكشف عن مكنوناته التاريخية، مما يجعلهم في موقع لا يحق لهم القطع بشكل تام بأن مصادر سرديات الأديان السماوية، هي الحضارات التي جاءت ما بعد الكتابة. فمثلاً يذكر خزعل الماجدي بكتابه (أنبياء سومريون: الطبعة الثانية) بأن قصة الطوفان هي أسطورة، في حين يقول العلامة طه باقر في كتاب المقدمة في تاريخ الحضارات ص٢٩١، وهو العالم المتبحر والمختص بالتاريخ القديم بأن الطوفان حادثة تاريخية نُقشت في ذاكرة الأجيال، فيقول (فلعله يمكن الأفتراض أنَّ زمن ذلك الطوفان يرجع إلى عصور ما قبل التاريخ البعيدة، وعلى وجه التحديد إلى العصر الحجري القديم..)، كما أن المؤرخ المغربي أحمد شحلان المختص بمقارنة الأديان والأستاذ بجامعة السوربون، في مقابلة تلفزيونية بأن الطوفان حدث في التاريخ فعلاً، ويقول ان البحث الأركيولوجي أثبت وجود الطوفان في المنطقة، وأزاء حادثة الطوفان يتضح تخبط الماجدي في تقريراته عن هذا الحدث المهم، ومحاولة نسبه إلى ملحمة كلكامش، في حين رأينا كيف ثبتها تاريخياً الباحث والأستاذ أحمد شحلان والعلامة طه باقر، الذي حدد زمانها في العصر الحجري القديم، وإذا رجعنا إلى زمن هذا العصر، لوجدنا أنه في حدود (٦٠٠، ٠٠٠ أو ٥٠٠، ٠٠٠ إلى ١٠، ٠٠٠ ق.م، في حين أن ملحمة كلكامش كانت تعود إلى عصر سلالة أور الثالثة حوالي ٢١٠٠ ق.م، وهذا يعني إن هناك فارق زمني كبير جداً بين ما وقع من طوفان، وبين ما جاء في الملحمة الكلكامشية، وهذا يكشف عن بون المسافة الزمنية بين الحدث التاريخي للطوفان، وبين كتابة الملحمة، والقاريء عليه أن يعلم إن هذا البعد الزمني كانت تنتقل احداث القصة بطرق المشافهة، ومايعتري هذه الطريقة من زيادة ونقصان، وتشويه، ودور الخيال الشعبي من نسج حبكة يُضاف للأصل، وما يتعرض له محتوى القصة من تشوهات عبر الفهم الخاطيء لها، أضافة لقصور اللغة الدارجة، ومستوى ثقافة الناس، ودرجتهم المعرفية، التي لابد لها من أثر على بنية القصة، وما يتعرض لها أبطالها من تغير بالأسم والأدوار، ولاشك كل ذلك يعرض القصة إلى تغيرات كبيرة، ومن ناحية ثانية، حتى لو دققنا في زمن وجود جلجامش لرأينا أنه كان الملك الخامس في سلالة الوركاء الأولى، بحسب وثيقة أثبات الملوك، وهذه السلالة الأولى التي حكمت حوالي (٢٨٠٠-٢٦٠٠ ق.م). ولو أردنا أن نطيل الحديث أكثر في مسألة ملحمة كلكامش لرأينا إن هناك رأي يقول إن من كتبها شخص أسمه (شين ئيقي ئونيني) الذي يُتصور أنه كاتب الملحمة وإن أسمه موقع في الألواح المكتوبة باللغة الأكدية، ومن المهم أن الملحمة أساسها يرجع إلى عدة قصص سومرية ثم ألف منها باللغة الأكدية في العصر البابلي القديم في حدود القرن الثامن عشر ق.م (المقدمة، طه باقر :ص٢٩٦ . حتى لو أخذنا قضية أسطورة الخليقة البابلية المشهورة لرأينا أنها دونت في حدود (١٧٠٠ ق.م) (المقدمة:ص٣١٦)، وهي لم تكن الرؤية الأولى في مسألة الخلق لكي تكون هي حجر الأساس لمسألة الخلق التي مدت الأديان السماوية بها على زعم خزعل الماجدي، وزميله السواح، فالدكتور طه باقر يُشير في المقدمة:ص٣٢٥ (ويكاد يكون من المؤكد أن القوم كان لهم عبادة وآلهة شعبية جماهيرية لا نعرف عنها أمور كثيرة، لأن مصادرنا عن ديانة حضارة وادي الرافدين تقتصر بالدرجة الأولى على الديانة الرسمية…)، هذه المعطيات التاريخية التي ينقلها لنا العلامة طه باقر تعاكس ماذهب إليه خزعل الماجدي الذي يقول في مقدمة كتابه (أنبياء سومريون :ص١٥) (نحن المهتمين بالتاريخ والفكر لنبني على معطياتها تصورات جديدة أساسها العلم لا الخيال ولا المعتقدات)، ولكن لأسف لن نرى فيما يقوله الماجدي من توجه علمي، ولا نلمس أي تمحيص للنصوص بشكل دقيق وعلمي، بل كان مبتعداً عن الرؤية الموضوعية العلمية، وبالعكس ألمس فيه ترسبات فكرية آيديولوجية يوظفها في تقريرات البحث والتأليف، وإن مايثير الشفقة إنه يدعي في كتابه (أنبياء سومريون ص١٦) فيقول (غرضي من البحث العلمي في هذه الحقول كان ومازال : البحث العلمي).

يدعي الماجدي بأن ما جاءت به الكتب المقدسة وخاصة العهد القديم في مسألة الخلق، والطوفان وغيرها، يكون مصدرها الأساطير التي مصدرها الحضارات القديمة من سومرية واكدية وبابلية وآشورية، وقد أشار إلى ذلك في كثير من المرات في كتابه وما ألقاه من محاضرات وندوات كثيرة، وقد نظّر لذلك كثيراً، وأنا هنا لا أُريد أن أدافع عن العهد القديم لأني مؤمن بأنه هو الآخر كتاب مُحرف، وفيه الكثير من التناص من مصادر أخرى ولعل بعضها من خلال معايشتهم للبابليين، ومنها ما كتبه الحاخامات من عندياتهم، ولكن يمكنني القول، وأرجح إلى حد مايقارب من اليقين، وحسب ما جاء من معطيات ما قدمته الآثار وما توصل له علماء التاريخ إن السرديات التي ترجع إلى السومريين وغيرهم من بابليين وآشوريين، وكذلك العهد القديم والجديد قد أنتهلوا الكثير من مادتهم السردية من أديان ومعتقدات سبقتهم بكثير من الزمن، ولا أستبعد من بين ذلك كانت نصوص سماوية مقدسة نزلت على أنبياء بعثهم الله إلى أقوامهم آنذاك، وليس هناك ما يمنع هذا الترجيح، أو الإيمان بذلك، كما من الملاحظ إن الكتب والمخطوطات اليهودية أكثر بكثير جداً من المخطوطات والألواح السومرية والبابلية، كما إن هناك الكثير من النصوص المتمثلة بالأحداث والتشريعات تختلف تماماً عما جاء بالألواح والنصوص التي ترجع للحضارات القديمة .

خلاصة الموضوع، إن السومريون وغيرهم من بابليون وآشوريون، وكذلك كتاب العهد القديم والجديد، لاشك كان لهم عملية تناص لما قبلهم من سرديات على كثير من المستويات، ولا يمنع، إن هناك أنتاج سردي ذاتي لكل من كتاب الملاحم القديمة، وما كتبه الحاخامات، ولكن بالنهاية، لا يمكن أنكار بأن هناك مصادر ذات مصدر ألهي لكثير من النصوص عمل على تناصها الأقدمون، ولكن أُدخلت عليها تغيرات، وما عمله مخيالهم من أنتاج نصوص جديدة مضاف لما أنتقل لهم شفاهةً، أما النصوص الحقيقة التي أتفقت عليها الأديان السماوية في نسختها الأصلية، فهي لاشك من نبع واحد، وهو المصدر الألهي لها لا غير.

***

أياد الزهيري

 

في المثقف اليوم