دراسات وبحوث

فارس عبد الكريم: نظرية الحق المكتسب والحق في الحياة الآمنة

مقدمة في نظرية الحق المكتسب:

تحمي نظرية الحق المكتسب، الحق في الحياة الآمنة المستقرة لأبناء المجتمع، من أن يتعرض لها رجال السلطة العامة او الإدارة بالتغيير او التعديل بعد أن تم الحق واستقر لهم قانوناً او فعلياً، وبنوا حياتهم ومستقبل عائلاتهم على اساسه، مما يعرض المراكز القانونية للإنهيار المفاجئ الذي يسبب ارباكاً إجتماعياً وإقتصادياً لأفراد المجتمع وعوائلهم ويهدم جهودهم الذي بذلت ربماً عمراً من الزمن لكسب هذا الحق، ليواجهوا قراراً او تشريعاً يسلبهم هذا الحق فجأة. وقد تولدت عبر تاريخ البشرية ولازالت اعداد لا تحصى من المظالم من جراء سلب الحق المكتسب، في ظل حكم الطغيان وعدم الإنصاف والجهل والأنانية.

ولهذا السبب ولاعتبارات العدالة والمنطق وحماية لاستقرار المعاملات والمطالبات الشعبية، فان من اهم المبادئ التي ارستها الثورات الكبرى في التاريخ هو حماية الحقوق المكتسبة والمراكز القانونية الناشئة عنها من خلال أقرار مبدأ اساسي ثوري هو عدم رجعية القوانين على الماضي، وخاصة تلك القوانين التي تؤثر على الوضع المالي والإقتصادي للمواطن كحق الملكية سواء كسب قانوناً او بالحيازة التامة وان استندت في نشأتها ابتداءاً الى التعدي مادام قد مر عليها زمن طويل دون ان يطالب بها صاحب الحق الأصلي فيها، وكذلك الحقوق التقاعدية (المعاش التقاعدي) حيث يعد من ابرز الحقوق المكتسبة التي لايجوز المس بها بعد اقرارها، وعلى ذلك نصت قوانين التقاعد المقارنة حول العالم.

وقد وصف اعلان حقوق الانسان والمواطن الفرنسي (لعام 1789) حقوق الملكية والحرية والأمن ومقاومة الظلم بأنها حقوق "طبيعية، وثابتة، ولا يجوز انتزاعها"

الفرع الأول: مفهوم الحق المكتسب

يعد توفير الحماية اللازمة لحقوق الأشخاص في المجتمع، سواء كانوا اشخاصاً طبيعين أم معنويينن من اولويات غالبية النظم القانونية، ويتقدم هذه الحقوق حق الملكية بما له من دور تاريخي في حياة البشر، فهي تبين بوضوح تام شروط اكتسابها والحماية التي يتمتع بها اصحابها. خاصة وان هذه الحقوق اصبحت منذ عشرينيات القرن الماضي ومازالت من من الحقوق التي تدخل في نطاق حقوق الانسان وذلك طبقاً لمفهوم حق الملكية في قوانين كل دولة، بحيث لا تخلو نصوص أية اتفاقية دولية لحقوق الانسان من الاشارة إلى هذا الحق.

وهذه الحماية مفادها، ضمان استقرار الحقوق واستمرارها حتى لا يختل القانون نفسه ويفقد بذلك المعنى والهدف المتوخى منه.

ان دوام الحقوق واستقراراها هو الذي قاد إلى قاعدة لا يكاد يخلو منها نظام قانوني ألا وهي قاعدة عدم رجعية القانون على الماضي، وحسب هذه القاعدة، لا يمكن لقاعدة قانونية جديدة ان تمحو بصفة تلقائية ما تم انتاجه من حقوق في اطار قاعدة قانونية سابقة.

وقد اعتبر الفقيه (Charles de VISSHER) ضمان استمرار الحقوق من أولويات النظام القانوني أياً كان.

وعليه ليس للمشرع ثمة سلطة، كقاعدة عامة، لإعادة النظر في الحق الذي تم اكتسابه وفقاً لشروط مشروعيته المنصوص عليها قانوناً.

وان فعل ذلك يكون قد مس بمتانة العلاقات الاجتماعية، لما فيه من اهدار للثقة بالقانون واليقين القانوني وتهديم لتصرفات الاشخاص التي تمت صحيحة، فلا يطمئنوا إلى تصرفاتهم، ولا إلى ما اكتسبوه من حقوق.

وتحمى الحقوق المكتسبة من قبل القضاء العادي او الإداري، بل ان القضاء ذاته اعتبر ان من اهم واجبات القاضي اثناء تفسيره وتطبيقه للقانون مراعاة الحقوق المكتسبة، وحمايتها عند اصداره للأحكام والقرارات القضائية، وهذا ما يدرك اثناء مراجعة الالاف من اقضية المحاكم المدنية والإدارية والتجارية والدولية.

الفرع الثاني: تعريف الحق المكتسب

اختلف الفقهاء بشأن تعريف الحق المكتسب، وهذا الاختلاف هو نتيجة طبيعية لاختلاف وتنوع المدارس والنظريات القانونية بشأن اساس الحق ذاته، وعلى هذا النحو فان النظرة إلى الحق المكتسب تختلف باختلاف الرؤية النظرية الموضوعية او الشخصية لمفهوم الحق ابتداءاً، فضلاً عن اختلاف التعريف باختلاف فرع القانون ومنها يتعلق بالحقوق المكتسبة في اطار القانون العام كالقانون الدولي والقانون الإداري و ومنها يتعلق بالحقوق المكتسبة في اطار القانون الخاص، مما ينعكس بالضرورة على تعريف الحق المكتسب ذاته.

وأورد الفقه عدة تعريفات للحق المكتسب، وعلى هذا النحو عرفه (الحق المكتسب) انصار الإتجاه الشخصي للحق، بأنه الحق الذي دخل ذمة الشخص نهائياً بحيث لا يمكن نقضه أو نزعه منه إلا برضاه.

بينما ذهب فريق آخر إلى تعريفه، بأنه: الحق الذي يملك صاحبه المطالبة به والدفاع عنه أمام القضاء.

بينما عرفه انصار الإتجاه الموضوعي للحق بانه: الحق الذي يقوم على سند قانوني.

وقد عرفه (Merlin) بأنه: الحق الذي يدخل ذمة الشخص بشكل نهائي بحيث لا يمكن نزعه منه إلا برضاه.

كما عرف بأنه الحق الذي لا يجوز للقاضي أن يمسه بسوء أويسبله صاحبه بحجة تطبيق قانون مستجد.

وبما ان الفقيه العميد دكي انكر فكرة الحق من اساسها، كما سيتبين لنا لاحقاً، فانه بالنتيجة لا يتطرق لموضوع الحق المكتسب ويحل محلهما فكرة المراكز القانونية. اما الفقيه الفرنسي الكبير روبييه فذهب في كتابه عن تنازع القوانين في الزمان إلى تبني فكرة المراكز القانونية بطريقة مختلفة عما تبناه العميد دكي، فأعتبر ان المراكز القانونية التي تكونت وتمت في ظل قانوني ملغي فان القانون الجديد لا يمسها بالتعديل أو التغيير، تأكيداً لفكرة الحقوق المكتسبة.

اما تعريف الحق المكتسب في اطار القانون المدني فسنوردها في اطار البحث في مفهوم الحق المكتسب وأساسه.

الفرع الثالث: محل الحق المكتسب وشروطه

يختلف محل الحق المكتسب باختلاف فرع القانون الذي ينظمه.

وفي نطاق القانون الخاص، فان محل الحق المكتسب يتحدد بالحقوق المالية أو حقوق الذمة وهي على ثلاثة انواع الحقوق الشخصية والحقوق العينية والحقوق الذهنية.

وهذه جميعها تقوم بالنقود وتنتقل من صاحبها إلى غيره بموجب تصرف قانوني ويمكن ان تكتسب أو تسقط بالتقادم.

وان كنا قد اوردنا تعريفات عامة للحق المكتسب فاننا نضيف عليها تعريفات اخرى توضح محل الحقوق المكتسبة في القانون المدني، ففي نطاق القانون المدني فقد عرفه "O'Connell" (الحقوق المكتسبة تتمثل في الحقوق العينية أو الشخصية التي استقرت وأصبحت ثابتة ومكتسبة بطريقة صحيحة طبقاً للقانون الوطني والتي لها قيمة نقدية يمكن حسابها).

وعرفه شارل روسو بانه (الحقوق المكتسبة هي حقوق الملكية من مادية ومعنوية المنتقلة حسب الاصول إلى الاشخاص الطبيعيين أو المعنويين والقابلة إلى التحويل إلى تقديرات مالية، أي الحقوق الشخصية القائمة على اساس تعاقدي والحقوق العينية).

الشروط الواجب توفرها في الحقوق المكتسبة:

لا يمكن التمسك بقاعدة احترام الحقوق المكتسبة إلا إذا توفرت في الحق نفسه بالإضافة إلى كونه حقاً قابلاً للتقويم المالي، الشروط التالية:

1. ان يكون اكتساب الحق قد تم فعليا، ومن ثم لا حق مكتسب على مجرد أمل.

2. ان يكون هذا الحق قد اكتسب إكتساباً صحيحاً وفقاً للقانون، سواء كان اكتسابه بصورة مشروعة ابتداءاً، أو كان الاستيلاء عليه تم ابتداءاً بصورة غير مشروعة، كما في كسب الملكية بالتقادم .

3. ان يكون الحق مالياً او قابلاً للتقويم بالمال، أي ذو طبيعة مالية كما هو مفهومها في اطار القانون الخاص.

وهي الحقوق التي يمكن تقدير محلها بنقود (نقد أو عقار أو منقول) وتدخل ضمن الذمة المالية للشخص. تشمل بشكل رئيسي الحقوق العينية (مثل الملكية)، والحقوق الشخصية (الدائنية)، والحقوق الفكرية أو الذهنية (حقوق المؤلف) والراتب او المعاش التقاعدي، والحسابات المصرفية، السندات، الأوراق التجارية، والأسهم في الشركات. وتعتبر جميعاً جزءاً إيجابياً في ذمة الإنسان المالية. حيث تعطي صاحبها مصلحة مادية قابلة للتداول والتقييم.

الفرع الرابع: اساس الحق المكتسب

هناك عدة أسس يستند إليها في تقرير فكرة الحق المكتسب، هي:

أولاً: المنطق القانوني:

إن العمل بالمنطق القانوني بما عبر عنه الفقه القانوني بحسن النية التشريعية يجعل من إنشاء الحق بمقتضى القانون الصادر عن الهيئة التشريعية لدولة معينة يستتبع فرضاً الاعتراف له (الحق) بنوع من الاستمرارية والاستقرار الزمني حتى تكتمل فاعليته، باعتباره اصبح من الحقوق التي تقع عليها صفة الاكتساب.

فالقاعدة القانونية ما هي إلا خطاب موجه إلى الافراد يتضمن أمراً أو تكليفاً بسلوك معين، والامر أو التكليف لا يتصور منطقاً أو عقلاً توجيهه إلى ما فات من الزمن وإنما إلى ما هو آت، ففي رجوع القاعدة القانونية على الماضي خروج عن المدى الزمني لسريانها الذي يبدأ من يوم نفاذها واعتداء على اختصاص القاعدة القانونية القديمة التي تمتد بحكمها حتى يوم نفاذ القاعدة الجديدة.

ثانياُ: مبدأ العدالة: مبادئ العدالة تقضي بعدم حرمان الشخص من حق اكتسبه في الزمان الماضي.

ثالثاً: مبادئ الاخلاق والفضيلة التي تحمي حق الحياة الامنة من التقلبات السياسية

ويرى أرسطو في إطار نظريته عن القانون الطبيعي، أن الإنسان وهو يعيش في مجتمع سياسي فإنه يتخلى عن حريّته المطلقة في أن يفعل ما يريد، وتكون تصرفاته خاضعة لمبادئ الفضيلة والعدل و خضوعه للقانون الوضعي أيضاً، ومن جانب آخر فان المشرع يخضع لمبادئ الفضيلة أيضاً فلا ينبغي عليه إلا أن يشرع القوانين التي تتفق معها، وعلى هذا النحو من خضوع الفرد والدولة لإرادة الفضيلة تتحقق السعادة. والمقصود بالفضيلة عند أرسطو المبادئ والحقوق التي تدور حول العدل والمساواة والتي يدركها العقل السليم. ويرى ارسطو أن في خضوع القانون الوضعي للقانون الطبيعي. ومبادئ الفضيلة أعظم ضمان لتحقيق مبدأ الأمن القانوني.

رابعاً: مبدأ استقرار المراكز القانونية: يقضي هذا المبدأبضرورة عدم بقاء المراكز القانونية مهددة إلى ما لا نهاية، ففي انسحاب القاعدة القانونية على الماضي، إخلال بالاستقرار الواجب للمعاملات وإهدار للثقة الواجبة في القانون. فغالباً ما تترتب للأفراد حقوق ومراكز وآثار قانونية في ظل القواعد القانونية النافذة في وقتها، ومن ثم لا ينبغي أن يكون تعديل هذه القواعد أو الغاؤها بقواعد جديدة فرصة للمساس بهذه الحقوق والمراكز أو للانتقاص من تلك الآثار التي ترتبت صحيحة في ظل القواعد القانونية القديمة.

خامساً : الدساتير والقوانين وأحكام القضاء:

لا يكاد يخلو دستور في العصر الحديث ومنذ الثورة الفرنسية من النص على فكرة الحقوق المكتسبة من خلال النص على عدم جواز رجعية القانون على الماضي، وهذا ما نصت عليه الدساتير العراقية المتعاقبة.

وعلى هذا ذهب القضاء الدستوري المصري بأحكامه المتعددة إلى أن الأثر الرجعي للقوانين إذا امتد إلى إلغاء الحقوق المكتسبة فإن هذا الأثر يتحول إلى أداة لإهدار قوة القوانين السابقة، فقد جاء حكم للمحكمة الدستورية في مصر ما نصه: (حيث أن الحكم الموضوعي الذي تضمنه هذا النص هو إنهاء خدمة الأساتذةالمتفرغين الذين جاوزوا سن السبعين وقت العمل بالقانون 82 لسنة 2000 بعد أن كان قد اكتمل مركزهم القانوني كأساتذة متفرغين قبل العمل به. وحيث أن النعي على هذا الحكم الموضوعي بمخالفته للدستور هو نعى صحيح، ذلك أن هذا الحكم قد وقع في حالة المخالفة الدستورية من وجهين متساندين، الأول: هو أن النطاق الذي يمكن أن يرتد إليه الأثر الرجعى للقانون، هو ذلك الذي يعدل فيه التشريع من مراكز قانونية لم تتكامل حلقاتها، وبالتالي لم تبلغ غايتها النهائية متمثلة في حقوق تم اكتسابها وصار يحتج بها تسانداً إلى أحكام قانونية كانت نافذة، إذ في هذا النطاق يبقى المركز القانوني قابلاً للتدخل التشريعي، تدخلاً قد يزيد أو يزيل من آمال يبنى عليها صاحب المركز توقعاته، فإذا تقرر الأثر الرجعى في غير هذا النطاق، وامتد إلى إلغاء حقوق تم اكتسابها فعلاً وصارت لصيقة بأصحابها، وفقاً لأحكام قانونية كفلت حمايتها والاحتجاج بها في مواجهة الكافة، كأثر لنفاذ هذه الأحكام، فإن الأثر الرجعى للقانون يكون بذلك قد تحول إلى أداة لإهدار قوة القوانين السابقة ومكانتها من الاحترام الذي يجب كفالته طوال الفترة التي كانت نافذة فيها وهو الأمر الذي يتصادم مع أحكام المادتين ) 64 و65 (من الدستور اللتان تنصان على أن "سيادة القانون أساس الحكم في الدولة " وأن تخضع الدولة للقانون).

الفرع الخامس: مصادر الحق المكتسب

هناك مصادر متعددة للحق المكتسب منها، القوانين الملغاة التي ترتب حقوقاً مكتسبة، والقوانين النافذة التي تخلق مراكز قانونية يتطلب الأمن والاستقرار الاجتماعي المحافظة عليها، كما أن الأنظمة والتعليمات الصادرة من السلطة التنفيذية ترتب في كثير من الأحيان حقوقاً مكتسبة، فمن الثابت في فقه القانون الإداري وأحكام القضاء الإداري أن القرارات الإدارية المعيبة التي ترتب حقوقاً مكتسبة تتحصن ضد الإلغاء بانقضاء المدة المحددة للطعن بالقرار، باستثناء القرارات المعدومة فضلاً عن القرارات الادارية المشروعة التي ترتب حقوقاً مكتسبة.

ومن جانب آخر ان فان القضاء وهو بصدد تطبيق القانون وتفسيره على الحالات الواقعية التي تعرض امامه، فانه يستخلص من القواعد الدستورية والقانونية والعرف والمبادئ القانونية العامة وقواعد العدالة ومبادئ القانون الطبيعي تطبيقات متعددة لفكرة الحقوق المكتسبة.

وفي ضوء ما تقدم ذهبت المحكمة الدستورية العليا في مصر إلى أنه: (من المقرر أن أحكام القوانين لا تجري إلا على ما يقع من تاريخ نفاذها، ولا تنعطف آثارها على ما وقع قبلها - في غير المواد الجنائية - ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، ويقُصد بالقانون - على ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة - القانون بمعناه الموضوعي، محدداً على ضوء النصوص التشريعية التي تتولد عنها مراكز قانونية عامة مجردة، سواء وردت هذه النصوص بالتشريعات الأصلية التي تقرها السلطة التشريعية، أم تضمنتها التشريعات الفرعية التي تصدرها السلطة التنفيذية عملا بالتفويض المقرر لها لتقرير القواعد التفصيلية اللازمة لتنفيذ القوانين بما ليس فيه تعديل أو تعطيل لها أو إعفاء من تنفيذها. وتسري القاعدة القانونية اعتباراً من تاريخ العمل بها على الوقائع التي تتم في ظلها وحتى إلغائها، فإذا حلت محل القاعدة القديمة قاعدة قانونية أخرى، فإن القاعدة الجديدة تسري من الوقت المحدد لنفاذها، ويقف سريان القاعدة القديمة من تاريخ إلغائها، وبذلك يتحدد النطاق الزمني لكل من القاعدتين، وتظل المراكز القانونية التي اكتمل تكوينها وترتبت آثارها في ظل القانون القديم، خاضعة لحكمه وحده).

وجاء في حكم آخر للقضاء الإداري من انه: (إذا تحقق بناء على القرار مــــراكز قانونية فردية تستلزم صالح العمل واستقرار انتظام العاملين وحســن ســير المرافق العامة التي تتولاها الإدارة أن تستقر تلك المراكز القانونية وتتحصن مـــا دامت قد فاتت علـى الادارة فرصة تصحيحها خلال مده الطعن القضائي).

وفي مجال احترام الحقوق المكتسبة قضت محكمة العدل العليا في فلسطين بأنه: (لا يجوز إلغاء القرار الإداري

الفردي السليم متى أنشأ حقا مكتسبا لفرد من الأفراد). وفي مجال عدم رجعية القرارات الإدارية قضت بأنه: (القرارات الإدارية ليس لها أثر رجعي، وجزاء رجعية القرار الإداري هو بطلانه فيما يختص برجعيته).

واخذت محكمة القضاء الإداري في العراق بنظرية الحق المكتسب، فقد اعتبرت أن ملكية العقار الموروث تنتقل لحظة الموت، والوارث يعد مكتسباً لحق الملكية لحظة الوفاة، ولا يجوز المساس بمااكتسبه من حق.

وتتلخص وقائع القضية في قيام المدعى عليه مدير التسجيل العقاري بتقدير قيمة العقار الموروث في يوم الكشف وذلكلاستيفاء رسم الإرث، أقام الوارث الدعوى لدى محكمة القضاءالإداري طالباً الغاء قرار مدير التسجيل العقاري، فأصدرت المحكمة قرارها بقولها (إن ملكية العقار الموروث تنتقل لحظة موتالمورث إلى الوارث فيكون قد اكتسب هذا الحق لحظة الوفاة، وما التسجيل في دائرة التسجيل العقاري إلا لغرض تمكينه من التصرف بما جاءه إرثاً من العقارات، وما دام الأمر كذلك فلا يجوزاستيفاء رسم عن نقل ملكية العقار الموروث من اسم المورث إلى اسم الوارث في سجل التسجيل العقاري إلا بقدر قيمة العقار الموروث لحظة انتقال الملكية بالوفاة .... ))

وقد طبق مجلس شورى الدولة في العراق قاعدة الحق المكتسب الناجم عن تحصين القرار الإداري بعد مضي المدة المحددة للطعن والبالغة ستون يوماً، وتتلخص وقائع القضية في أن المدعي يشغل وظيفة في إحدى الدرجات الخاصة، وقد أحيل على التقاعد بتأريخ 7/6/2004 وبعد ذلك التأريخ قامت الأمانة العامة لمجلس الوزراء بالغاء أمر إحالته على التقاعد وتعيينه بوظيفة مستشار في إحدى الوزارات وبعد مضي أكثر من تسعة أشهر على مباشرته في وظيفته قامت الوزارة بإلغاء تعيين المدعي وإحالته على التقاعد بأثر رجعي، هذا الأمر يعني حرمان المدعي من التمتع بالامتيازات التي قررها القانون بالنسبة للمتقاعدين من أصحاب الدرجات الخاصة بحسب الأمر (9) لسنة 2005 حيث إنالقرار الإداري الصادر من الوزارة صدر بأثر رجعي ويجعل إحالتهعلى التقاعد بتأريخ سابق للأمر 9 لسنة 2005 ومس بحق اكتسبه الشخص وأصبح لديه مركز قانوني ثابت.

كما واخذت هيئة انضباط موظفي اقليم كوردستان بمبدأ الحق المكتسب كما في وقائع الدعوى التالية:

(المميز/ المدعى عليه/ رئيس مجلس وزراء اقليم كوردستان اضافة لوظيفته- وكيله المحامي ت، ح، ص المميز عليها/ ب، ج، م . الادعاء: ادعت المدعية لدى هيئة انضباط موظفي الاقليم بأنها عيُنت بعنوان معلمة في مدرسة (...) الابتدائية على ملاك مديرية التربية لمنطقة (...) في وزارة التربية في الإقليم بموجب أمر رئاسة مجلس الوزراء في إقليم كوردستان المرقم (...).. وبتاريخ 8-5-2011 أصدر المدعى عليه قراره (...) والمتضمن إلغاء جميع أوامر تعيين الموظفين بعد تاريخ 1-1-2011 وبتنفيذ القرار المذكور لم يصرف للمدعية راتبها منذ ذلك الحين ولحد الآن، علما أنها لم تنفك من وظيفتها ومستمرة في الخدمة....

القرار: .... لدى عطف النظر على القرار المميز تبين أنه صحيح وموافق للقانون حيث ثبت أن المميز عليها (المدعية تعينت بقرار إداري مشروع وسليم من الناحية القانونية واكتسبت به حقا ومركزا قانونياً مما يتعين على الإدارة احترامها عن طريق عدم المساس به سواء بالسحب أو الالغاء، وحيث أن البند/3 من القرار الإداري المرقم (...) في 8-5-2011 الصادر عن المميز إضافة لوظيفته والمتضمن إلغاء أمر تعيين جميع الموظفين المعينين بعدد تاريخ 1-1-2011 يمثل إخلالا بالمراكز القانونية، دون سند من القانون وحيث أن ضوابط تعيين الموظفين في دوائر الاقليم والواردة في قرار مجلس الوزراء رقم (...) في 17-3-2011 لا يسري بأثر رجعي، حيث استقر قضاء هذه الهيئة على عدم رجعية القرارات الإدارية وأن الأصل في نفاذها يقترن بتأريخ صدورها بحيث تسري على المستقبل ولا تسري بأثر رجعي على الوقائع السابق على تاريخ صدورها وذلك حفاظا على الحقوق المكتسبة للأفراد والمراكز الوظيفية لهم واستقراراً للمعاملات في المجتمع وحيث أن القرار المميز التزم وجهة النظر القانونية أعلاه ويكون قد التزم صحيح القانون عليه قرر تصديقه ورد الاعتراضات التمييزية وتحميل المميز رسم التمييز وصدر القرار بالاتفاق في 21-12-2011).

الفرع السادس: العلاقة بين المركز القانوني والحق المكتسب

ان المبدأ العام الذي يجمع بين مفهومي المركز القانوني والحق المكتسب، هو مبدأ عدم رجعية القانون على الماضي، فالقاعدةالعامة أن القوانين لا تسري بأثر رجعي فلا تطبق على الوقائع السابقة أو الأحداث التي حصلت قبل نفاذه الا ما أستثني بنص خاص في القانون، وإن القانون الجديد يسري بأثر مباشر على الوقائع التي تكاملت أو نشأت في ظله، والغاية هي حماية المراكز القانونية والحقوق المكتسبة التي نشأت في ظل قانون سابق.

وحتى تتحقق القاعدة، يجب أن يتوفر شرطان:

1. أن يكون ثمة مركز قانوني شخصي قد تكاملت عناصره في ظل وضع قانوني معين، فلا يمكن المساس به إذا ما تغيرت الأوضاع القانونية بعد ذلك، وتلك مسألة يبحثها القضاء في كل حالة على حدة.

2. ان يتضمن القانون الجديد آثاراً تمس تلك المراكز الشخصية القانونية التي تكونت ورتبت اثارها في ظل القانون القديم.

وقاعدة عدم رجعية القوانين على الماضي ما وجدت إلا لحماية الحقوق المكتسبة وهي من القواعد المسلم بها في دساتير وقوانين الدول المختلفة والقضاء، ومنه قضاء مجلس الدولة الفرنسي، ومجلس الدولة المصري.

ونصت الدساتير على هذا الأصل ومنها دستور العراق النافذ لسنة 2005 حيث جاء في المادة 19/9 منه (ليس للقوانين أثر رجعي مالم ينص على خلاف ذلك.)

وجاء في حكم محكمة القاهرة الاقتصادية الدائرة الاستثنائية تأكيداً لقاعدة قانونية مهمة، حيث ورد فيه على انه: (المراكز القانونية المستقرة فى ظل القوانين الملغاة يحظر المساس بها).

وجاء في قرار لمحكمة النقض المصرية، ما نصه: (المقرر فى قضاء محكمة النقض، أن الأصل أن القانون يسرى بأثر فورى مباشر على المراكز القانونية التى تتكون بعد نفاذه، سواء فى نشأتها أو فى انتاجها آثارها أو فى انقضائها، وهو لا يسرى على الماضى فالمراكز القانونية التى نشأت واكتملت فور تحقق سببها قبل نفاذ القانون الجديد تخضع للقانون القديم الذى حصلت فى ظله، أما المراكز القانونية التى تنشأ وتكتمل خلال فترة تمتد فى الزمان، فإن القانون يحكم العناصر والآثار التى تتحقق فى ظله، ولئن كانت المراكز القانونية الاتفاقية تظل خاضعة للقانون القديم الذى تم العقد فى ظله باعتبار أنه تعبير عن إرادة ذوى الشأن فى نشوئها أو فى آثارها، أو فى انقضائهاـ إلا أن هذا مشروط بألا يكون القانون الجديد قد أخضع المراكز القانونية سالفة البيان لقواعد آمرة، فحينئذ يطبق القانون الجديد فورا على ما لم يكن قد اكتمل من هذه المراكز) .

في ضوء ما تقدم يتضح الارتباط الواضح بين فكرة احترام الحقوق المكتسبة وقاعدة عدم سريان القانون على الماضي، فما وجدت هذه القاعدة إلا للمحافظة على المراكز القانونية واحترام الحقوق المكتسبة.

الفرع السابع: الحق المكتسب في الشريعة الإسلامية

يعرف الحق المكتسب في ظل الفقه الإسلامي بأنه مصلحة مالية أو عينية أو أدبية، تدخل في ذمة الشخص أو ملكه نهائياً بسند شرعي صحيح (كالعقد، الإرث) او فعلي (كالحيازة)، بحيث يحرم نزعها منه أو التعدي عليها إلا برضاه، ويستحق حمايتها قضائياً. ومن ثم تم نفي الآثر الرجعي للأحكام،

قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) الإسراء (15)

الفرع الثامن: الحقوق المكتسبة في القانون الإنجليزي:

اشتقت احكام نظرية الحق المكتسب في النظام القانوني الإنكليزي من احكام القضاء بناءاً على قاعدة (العدالة تسيل من ضمير الملك). والتي تُعرف غالبًا في الفقه الانكليزي بالحقوق الثابتة أو المستحقة.

ويعرف الحق المكتسب في ظل هذا الفقه:

بأنه مبدأ قانوني ينص على أنه بمجرد ثبوت حق ما أو "اكتسابه"، لا يمكن تقليصه أو إلغاؤه بموجب تشريع لاحق. وهذا يعني أن القوانين الجديدة لا يمكنها عمومًا أن تقلل بأثر رجعي من الحماية أو المزايا التي يتمتع بها الأفراد أو الكيانات بالفعل بموجب القانون.

باختصار، تحمي هذه النظرية الأفراد والمنظمات من تطبيق القوانين بأثر رجعي، مما قد يؤثر سلبًا على حقوقهم التي اكتسبوها بالفعل بشكل مشروع بموجب أطر قانونية سابقة. وهي تضمن قدرًا من الاستقرار والشفافية في القانون، وتمنع القواعد الجديدة من تقويض الحقوق القائمة بشكل غير عادل.

هي حقوق قانونية - كالملكية العقارات والمنقولات، والحقوق التعاقدية بما في ذلك واستحقاقات التقاعد المستحقة. في مجال العمل، قد يشمل ذلك شروط العمل المُحددة. التي لها قيمة مالية، تضمن هذه الحقوق الاستقرار والعدالة والأمان وتحمي الأفراد العاملين والمستثمرين وغيرهم من أصحاب المصلحة، من التغييرات القانونية بأثر رجعي. من خلال الاعتراف بالحقوق المكتسبة وحمايتها، تضمن القوانين والاتفاقيات قدرة الأفراد والشركات على الاعتماد على حقوقهم القانونية، مما يُسهّل التخطيط للمستقبل.

بالنسبة للشركات، يعد فهم مفهوم الحقوق المكتسبة أمراً بالغ الأهمية عند اتخاذ القرارات المتعلقة بالتوظيف أو العقود أو أي موقف ينطوي على نقل أو تغيير الحقوق،، مثل خطط معاشات التقاعد أو تعويضات نهاية الخدمة، والتي لا يمكن سحبها منه حتى لو تغير المالك، وذلك لتجنب النزاعات أو الانتهاكات القانونية.

تنبع الحماية من مبدأ أنه بمجرد إرساء حق قانوني، لا يجوز تقليصه تعسفًا بموجب تشريع جديد.

الأدلة المطلوبة: لا يكفي مجرد تكرار المنفعة بمرور الوقت؛ بل يجب إثبات نية منح الحق بشكل دائم.

امثله من الفقه الإنكليزي

المثال الاول: استحقاقات التقاعد للموظفين العموميين

تخيل موظفًا حكوميًا عمل لمدة 25 عامًا في نظام تقاعد يضمن حساب استحقاقاته التقاعدية وفقًا لمعادلة محددة بناءً على سنوات خدمته وراتبه. بعد انقضاء هذه السنوات الخمس والعشرين، يُصدر المجلس التشريعي للولاية قانونًا جديدًا يُخفّض بشكل كبير حساب المعاش التقاعدي لجميع الموظفين، بمن فيهم أولئك الذين سبق لهم الحصول على استحقاقات عن خدمتهم السابقة.

من المرجح أن يحمي مبدأ الحقوق المكتسبة حق الموظف في احتساب استحقاقاته التقاعدية عن تلك السنوات الخمس والعشرين وفقًا للصيغة الأصلية الأكثر فائدة. يُعتبر حقه في تلك الاستحقاقات تحديدًا، كونه مكتسبًا من خلال خدمته بموجب القانون القديم، حقًا مكتسبًا ولا يمكن تخفيضه بأثر رجعي بموجب التشريع الجديد. قد ينطبق القانون الجديد على الخدمة المستقبلية، ولكنه لا ينطبق على الاستحقاقات المكتسبة بالفعل.

المثال الثاني: حقوق تطوير العقارات لنفترض أن مطورًا عقاريًا حصل على جميع التصاريح اللازمة وبدأ في بناء مجمع سكني جديد، ملتزمًا تمامًا بلوائح تقسيم المناطق وقوانين البناء السارية وقت إصدار التصاريح. في منتصف عملية البناء، أصدر مجلس المدينة قانونًا جديدًا يقلل بشكل كبير من الحد الأقصى المسموح به للارتفاع والكثافة في تلك المنطقة تحديدًا، مما يجعل المشروع الجاري مخالفًا للقواعد الجديدة.

بموجب مبدأ الحقوق المكتسبة، يُحفظ حق المطور في إكمال المشروع وفقًا للتراخيص الأصلية الممنوحة له.

وبمجرد إصدار التراخيص وبدء أعمال البناء الفعلية استنادًا إلى القوانين السارية، يُكتسب الحق في البناء وفقًا لتلك الموافقات الأصلية. ولا يجوز للتغييرات الجديدة في قوانين تقسيم المناطق أن تُبطل بأثر رجعي مشروعًا كان قيد التنفيذ بشكل قانوني، أو أن تُجبر المطور على إجراء تعديلات جوهرية عليه.

المثال الثالث: الترخيص المهني

لنفترض أن شخصًا ما أكمل بنجاح جميع المتطلبات التعليمية، واجتاز الامتحانات اللازمة، وحصل على ترخيص لممارسة مهنة مخطط مالي معتمد (CFP) في ولايته. بعد عام من بدء ممارسته للمهنة، سنّت الهيئة التشريعية للولاية قانونًا جديدًا يُلزم جميع المخططين الماليين المعتمدين الحاليين بإكمال برنامج تدريب عملي إضافي ومكثف بعد الحصول على الترخيص في غضون ستة أشهر للحفاظ على اعتمادهم، وهو شرط لم يكن موجودًا عند حصولهم على الترخيص لأول مرة.

يرى مبدأ الحقوق المكتسبة أن حقّ حامل شهادة التخطيط المالي المعتمد (CFP) في ممارسة المهنة، بعد استيفائه جميع الشروط وحصوله على الترخيص بموجب القوانين السارية آنذاك، هو حقٌّ مكتسب. ولا يجوز للقانون الجديد أن يفرض بأثر رجعي شروطًا جديدة مرهقة تُبطل فعليًا أو تُغيّر بشكلٍ جوهري شروط شهادته المهنية المكتسبة مسبقًا، إلا إذا كان هناك هاجسٌ مُلحٌّ بالسلامة العامة يُبرّر مثل هذا الإجراء الحاسم.

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية

في المثقف اليوم