وحده الأَدب بما يرسم من عوالم افتراضية مفارقة عن الواقع من يتيح للمراجعة النقدية أن تشتبك في حوارات جدلية تفلت من قبضة خطية الزمن؛ فتلتقي في أفقه المتخيل أسئلة النظرية وبرادايمات التحول عن تلك الأسئلة التي تشكلت بعد عقود متأخرة من خطاب النظرية؛ يلتقيان في نسيج من فانتازيا مدهشة، تشتبك فيها المفاهيم في باحة واسعة من فلسفة العلم فتشرع نوافذ جدلية على قيم المعرفة وأسئلتها الأخلاقية في إزاحة لحجر الفلسفة اليونانية الأساس وسجنه للحكمة خلف قضبان مقولة المعرفة لأَجل المعرفة نفسها ونفيها لهموم الإنسان وقضايا وجوده عن دائرة التفكير تحقيقاً لصرامة التجريد واستقلالية الخطاب واكتفائه بنفسه. فعلى سبيل المثال لم تكن رمزية قصة (حي بن يقظان) لابن الطفيل إلا رغبة في مد جسور الحوار بين أسئلة العقل والبرهان حول فلسفة الوجود ومحنة الاجتماع الإنساني وبين تصورات الشرع عن الاجتماع وأولية المبدأ والخلق والتكوين في حوار ما كان للثقافة الإسلامية أن تجود به في أريحية أو أن تسمح به في الواقع لولا بساط الفنتازيا الممدود على أرض تلك الجزيرة المتخيلة. وهذا المقال لا يريد اقتراح ثيمات من الفنتازيا لحبكة قصصية أبطالها هم رواد النصوص المؤسسة في حقل المعرفة اللسانية تنسج على منوال أدب فنتازيا العلم بقدر ما يطمح إلى إنشاء حوارية ــ في إفادة من روح هذا اللون من الأدب ــ في فلسفة اللسانيات البنيوية المحايثة ومفهومها حول (اللسان) والنظرات اللسانية النقدية في تحليل الخطاب لمركزية النظام واللسان. فمن يتوقع ــ مثلاً ــ ردود أفعال دي سوسير النظرية لو افترضنا أنه عاد إلى الحياة والتقى الروائي النمساوي (ستيفان زفايج) وقرأ روايته الأخيرة (لاعب الشطرنج) المنشورة بعد وفاة دي سوسير بأكثر من عقدين من الزمن. فربما لو شرع بقراءة هذه الرواية لهشت لها نفسه في البدء ورآها توافق مقولاته البنيوية حين تلوح له شخصية المحامي السيد (ب) في الرواية بعد معاناته في سجنه الانفرادي وحرمانه من وسائل الإمتاع والتسلية وتزجية الوقت، فيصاب بالوسواس القهري فينفصل عن واقعه فيشارف حافة الجنون ويفكر أن يضع حداً لحياته، فهو من أسرة يمتهنون القانون ويُؤْتَمَنُ على وثائق تخص ممتلكات كثير من أفراد الأسرة النمساوية الحاكمة، وبعد سقوط النظام الملكي واجتياح ألمانيا لبلاده يقع في قبضة النازيين ولكنه يتحمل بنبل وصبر منقطع النظير صنوف التعذيب من أجل أن يحافظ على تلك الممتلكات من أن تمتد إليها يد النازيين، فيعثر صدفة على كتيب في جيب أحد حراس زنزانته فيختلسه منه، وكم يُصاب بخيبة الأمل حينما يتفاجأ بأنه كتاب لتعليم الشطرنج وليس كتاباً يتضمن شعراً أو كتاباً في التاريخ أو رواية ممكن أن تحقق له الإمتاع والتسلية. فيكون تعلم الشطرنج وأحكام قواعد اللعبة واللجوء إلى خصم ذهني مثالي يجرده في عقله خياره الوحيد في أن يجد لحياة معنى في زنزانته الانفرادية؛ في مباريات مستمرة تلازم يومه بدون وجود رقعة شطرنج ملموسة وحقيقية وبدون وجود خصم واقعي قد ينسى أو يخطأ أو يتشتت تركيزه أو لا يمتلك دربة ومهارة عقلية تؤهله أن يكون لاعباً ماهراً إنما هو خصم مثالي مفترض في ذهنه فيتفوق عليه السيد (ب) في كل مباراة، هذا التمثلات الروائية المتخيلة توافق رؤية سوسير في كون اللسان شكلاً لا مادة وهو محصلة علاقات في نسق مستقل عن تحققه في واقعة معينة وفي كلام مؤطر في سياق تواصلي معين. فربما يأنس سوسير بذلك لا سيما أن مثال الشطرنج يحضر كثيراً بنحو بارز وملفت للنظر في محاضراته، فواحد من الأسئلة التي طرحها سوسير: هَلْ يُضير لاعبَ الشطرنج الحاذق شيئاً ألا يعرف الموطن الأصلي لهذه اللعبة وأنها أُخْتُرعت في الهند ثم عرفها الفرس وبعد ذلك قد انتقلت إلى أوربا ؟ فتاريخ اللعبة لا يدخل ضمن قواعد اللعبة نفسها. هذه المقاربة التشبيهية كانت حاضرة في محاضراته في دعوته للمنهج التزامني في دراسة اللسان والفصل بينه وبين المنهج التاريخي التعاقبي، فاللسان نظام من العلامات اللسانية، ومنشأ هذا النظام هو محصلة العلاقات بين عناصره اللغوية، ولا يمكن للنظر اللغوي التاريخي أن يكشف حقيقة هذا النظام لانَّ النظر التاريخي معني بالتغيرات الطارئة في مظاهر اللسان، وهذه التغيرات تطال بعض العناصر وليس اللسان بأكمله، فتاريخ اللسان ونشوؤه وأرومته وأسرته العرقية التي ينتمي إليها ومظاهر التطور في الصوت والبناء النحوي والدلالي التي انتابته لا تفيد البتة في سبر نظام اللسان الذي هو محصلة علاقات في زمان ومكان محددين تماماً مثلما لا يضيرلاعب الشطرنج معرفة كيفية نشوء اللعبة وتاريخها وتطور قواعد اللعب بقدر ما ينبغي أن يكون ملماً وحاذقاً بقواعد اللعبة نفسها، فسوسير يميز بين منهجين هما النظر التعاقبي التاريخي للغة (الدايكرونك) والنظر الوصفي التزامني (السايكرونيك)، والأخير هو من يجلو حقيقة اللسان، ويؤكد زعمه هذا بمقاربة ثانية من الشطرنج أيضاً، فالشخص الذي يأتي تواً ليشاهد مباراة في لعبة الشطرنج ما يحتاج إليه هو مراقبة النقلات الأخيرة التي تجري أمامه بين بيادق الشطرنج ولا يخل بمتابعته لسير اللعبة عدم مراقبته للنقلات السابقة التي انتهى إليها المشهد الأخير الذي بدأ هو بمتابعته، فالمهم هو تزامنية اللسان المتحققة في زمان ومكان محددين لا أبعاده الدايكرونية وسلسلة التطورات التي تعاقبت عليه. إن كون اللسان نظاماً من العلامات في تعريف دي سوسير له وأن النظام محصلة مجموعة من العلاقات بين العناصر ألجأ سوسير إلى مثال لعبة الشطرنج مرة أخرى، فقطع الشطرنج في مربع اللعبة لا تحمل أي منها قيمة بمعزل عن علاقتها بقية القطع الأخرى وتوزيعها داخل نظام اللعبة نفسها، فأي زيادة في قطع اللعبة ونقصانها قبل شروع المباراة يفضي إلى خلل في نظامها، واللسان هو الآخر مجموعة مغلقة من العناصر اللغوية، فأي زيادة أو نقصان في عناصره يقوض مفهوم النسق البنيوي للسان ونظامه. لقد تمكن دي سوسير من أن يجعل للسانيات موضوعاً مستقلاً وينتشلها من تبعيتها لبقية الحقول المعرفية كعلم الاجتماع وعلم النفس والفلسفة والمنطق ومباحث الفيلولوجيا، فقد وقع اختياره على (اللسان) دون (اللغة) و(الكلام) لكون (اللسان) متجانساً برموزه العرفية الاجتماعية، فاللغة هي الملكة البايولوجية الترميزية المشتركة بين النوع الإنساني التي لولاها ما تمكن اللسان أن يترسخ لدى الفرد وينخرط في المواضعات العرفية الاجتماعية في التواصل ويتهيأ للفرد اكتساب لسان مجتمعه من الأصل، فعلى الرغم من دور (اللغة) الخطير إلا أنه لم يتخذها موضوعاً للسانيات بسبب عدم تجانسها، فثمة جوانب سيكولوجية وجوانب فسيولوجية يضطلعان في المرسلة اللغوية وتشفيرها من خلال استغلال الجوانب العصبية وأعضاء النطق فضلاً عن الجوانب الفيزيائية المتعلقة بتشكل الموجات الصوتية وانتقالها عبر قناة صوتية للمرسل إليه وجوانب ترميزية من الصور اللفظية، فعدم التجانس يفقد اللغة أهليتها في أن تكون موضوعاً للبحث اللساني. ولم يكن (الكلام) هو الآخر أَوفر حظاً من (اللغة) فلكونه آنياً وفردياً فهو يفقد مثاليته، فقد يشوبه الخطأ في التلفظ والتلكؤ والنسيان، بينما (اللسان) يتسم بالمثالية بسبب صوريته ونسقيته وتجانسه لانقطاعه عن سياق الاستعمال.
إن الجرأة الأبستمولوجية والخطورة المنهجية في الرسو على (اللسان) واتخاذه موضوعاً تتجلى باستبعاده (الكلام) من أن يتخذه موضوعاً أكثر من تجليها في استبعاده (للغة) نفسها، لذلك حضر (الكلام) بوصفه قطباً في واحدة من ثنائياته (لسان / كلام) ولم تحضر (اللغة) في تلك الثنائية. والحق أن سوسير لم ينكر قيمة (الكلام) وأثره في تجلي (اللسان)، فثمة نسخ من محاضراته غير نسخة تلميذيه (شارل بالي وألبرت سيشهاي) اللذين حققا محاضرات أستاذهما وأخرجاها إلى النور كتاباً مطبوعاً عام 1916بعد وفاته بثلاث سنوات نقول تشير تلك النسخ إلى تأكيد سوسير ضرورة التمييز بين لسانيات اللسان ولسانيات الكلام وعدم تقليله من أهمية الكلام إلا أن اللسان هو من يمنح الخطاب اللساني صوريته وتجريديته، وهما أهم مزايا الخطاب العلمي الموضوعي، فتحرره من سياق بث الكلام يتيح له هذا الأمر، وللبرهنة على ذلك لم يفتأ دي سوسير من التأكيد على أن (اللسان) شكل لا مادة مثلما هي قطع الشطرنج، فقيمتها في نسق اللعبة لا تختلف باختلاف مادتها إذا كانت خشباً أو كرستالاً ثميناً أو قطعاً من البلاستك بل لو صادف أن فُقِدَ بيدق من بيادق اللعبة فيمكن الاستعاضة عنه بقصاصة صغيرة من الورق أو زرار من أزرار الثياب ويتفق اللاعبان على قيمته الرمزية في اللعبة، وما كان لذلك الفقد أن يُعد خللاً في النظام.
وفي رواية (لاعب الشطرنج) وبعد أن أعاد السيد (ب) تَمَثُّلَ تلك المباريات التي تضمنها كتاب الشطرنج في ذهنه لمئات المرات فكر في زنزانته في كيفية العثور على وسائل مادية يستخدمها في صناعة لعبة الشطرنج كي يخوض مباريات مفترضة مع خصوم مفترضين غير ما تضمنه ذلك الكتاب، فنجح في جعل لحافه الذي يتغطى به رقعة للشطرنج لأنه كان يحتوى في نسيجه على أشكال من المربعات الملونة بما يشابه مربعات قطعة الشطرنج، وكان فتات قطع الخبز بديلاً عن البيادق فحرص على تقسيمها إلى أجزاء متناظرة، وبعد تفكير طويل في التمييز بين الألوان اهتدى إلى تلويث بعض القطع بالغبار مما يجعل منها قطعاً شبية بقطع اللون الأسود، فهذا المتخيل الروائي هو الآخر يعضد مقولة سوسير أن قيمة العنصر بتقابلاته لا بمادته الفيزيقية الصوتية وأن اللغة شكل لا مادة. والحق أَنَّ رمزية تلك اللعبة في رواية (ستيفان زفايج) كانت تمثل معادلاً موضوعياً لإرادة التحرر وفكرة الهدف الذي يجعل للحياة معنى وينتشل الإنسان من الفراغ واللاجدوى في فلسفة تنزع للوجودية في نظرتها للكون مما يمنح الفرد عزاء في مكابدة محنة الوجود ويحرره من زنزانة السجن الذي كانت تمثل هي الأخرى ــ في نسيج الرواية ــ معادلاً موضوعياً لعبث الحياة وقسوتها، فقد شاع هذا اللون من الأدب الروائي بعد مآسي النازية وكوارث الحرب العالمية.
ولو قُدِّرَ لـ (دي سوسير) أن يدرك زماننا المعاصر لعزز فرضيته ومثاله في الشطرنج بمثال أبلغ في الدلالة على كون تلك القطع هي شكل لا مادة من خلال لعبة الشطرنج الالكترونية، فقواعد اللعبة هي هي ولا تختلف في مربعاتها وبيادقها الحقيقية عن الرموز الأيقونية في الكمبيوتر. فالوحدة اللغوية في التحليل اللساني تكتسب قيمتها البنيوية داخل نظام اللسان من التقابلات الخلافية بين بقية الوحدات، فالقيم داخل النظام هي قيم سلبية ينشئها الخلاف، فقيمة العنصر وهويته لا تنشأ بمادته الصوتية. كما لم يُقَدَر لسوسير أن يمتد به العمر ويشهد التحولات في أدبيات اللعبة وولع الأجيال بها من أندية مخصصة لها ومباريات عالمية وكتب تعليمية تعرض قواعد اللعبة وتقدم تمارين وأمثلة، ولو تهيأ له ذلك لقام بتفريع أمثلة حول مركزية النظام في نقده للنظر اللغوي التاريخي والمقارن، فعلى سبيل المثال في كتب الشطرنج يُفرد لكل تمرين وقفة مستقلة تعرض قطعة اللعبة واشتباك البيادق بين المتباريينِ وتكون النوبة للاعب ما، ويعرض التمرين وصفاً للاحتمالات الممكنة والمتعددة وما يترتب من خطورة بعض النقلات الممكنة في خسارة قطع مهمة أو ما يمكن أن تجنيه نقلة ما من تهديد للخصم، فهذا العرض لتوزيع البيادق هو مثال يقارب النظر التزامني الوصفي للسان في مرحلة ما، ففي تلك اللحظة الراهنة لا يهم البتة الإحاطة بتسلسل النقلات السابقة، ولكن حركة بيدق ما وتوزيعه الجديد ضمن مربعات قطعة الشطرنج سوف ينقل اللعبة إلى مرحلة جديدة فيفرد لتلك النقلة وقفة خاصة في تمرين جديد يستعرض الاحتمالات الممكنة من خيارات الكسب أو الخيارات التي تتفادى الخسارة، والمقارنة بين التمرينين في كتب الشطرنج التعليمية هو شبيهة لفكرة المقارنة بين الألسنة التي يدعو إليها دي سوسير في مرحلتين مختلفتين من الزمن، فالمقاربة التاريخية ينبغي أن تستوعب النظامين بأكملها، فالقطيعة مع المنهج التاريخي والمقارن لم تكن قطيعة جذرية في فكر دي سوسير وهو الذي قضى معظم حياته وفياً للمنهجين، فقد كتب رسالته في الماجستير حول الصوائت في اللغات الهندو أوربية وأطروحته في الدكتوراة عن نظام الإضافة النحوية في اللغة السنسكريتية القديمة، فالمؤاخذة المسجلة من قبله وأن النظر التاريخي كان منشغلاً بتعقب بعض التغيرات ولم ينظر إلى أثرها في ذلك النظام، فالتغيرات في بعض العناصر اللغوية سوف تترك أثرها في النظام بأكمله.
ولكن مثال القطار كان مثالاً حسياً لافتاً للنظر أكثر من أمثلة الشطرنج في البرهنة على كون اللغة شكلاً لا مادة، لذلك فهو لم يكرر هذا المثال بالكم الذي كرر فيه مثال الشطرنج، فالشطرنج يرتبط بمهارات عقلية قد لا تستهوي الجميع بينما القطار يمثل وسيلة النقل المتاحة لعامة الناس في عصره وهو مثال من واقع الحياة المباشر، فقد ذكر في محاضراته أن قطارين اثنين ينطلق أحدهما من جنيف إلى برلين في وقت محدد وينطلق الثاني من المحطة نفسها مسافراً إلى المكان نفسه في الوقت نفسه هما في النظر البنيوي قطارٌ واحد لا قطاران اثنان على الرغم من اختلاف العربات وما يقله القطاران، لانهما يتوافقان بعلاقات مسار الرحلة في محطة انطلاقها وهدفها ويتقابلان مع مسارات مختلفة لقطارات تختلف في انطلاقها ووجهات رحلتها. فالتلفظ في (عبارة) : (أيها السادة) ــ في ما يرى سوسير ــ في سياقات مختلفة من الكلام وبكيفيات صوتية ونغمية مختلفة تبقى فيها علاقات النظم واحدة وتشهد اتساقاً واحداً لمحافظتها على ثبات شكلها في محور التوزيع الأفقي بين فصائل التركيب، فتغير المادة الصوتية في أطر الكلام المختلفة في التلفظ في تلك العبارة لا يمس جوهر نسقيتها وكونها شكلاً مثلما أن اختلاف معدن القطارين واختلاف مستقليهما وطاقمها لا يقوض من كونهما قطاراً واحداً في النظر البنيوي. إن مقولة اللسان شكل لا مادة التي تمكن من خلالها من البرهة على نسقية نظام اللسان قد أقصت الكلام عن النظر اللساني البنيوي وأبعدته عن التحليل اللغوي إلا أن ثمة نظرات نقدية تفتقت أولاً على يد أكثر تلامذته وفاءً له وهو(شار بالي) من خلال دعوته إلى مفهوم (التحيين) المتعلق برصد الواسمات اللفظية التي تجعل اللسان متحققاً في واقعة كلامية محددة في سياق معين في أسلوبيته التعبيرية وتأكيده أهمية الكلام الذي يمكن أن يمتد أثره في تغيير نسقية اللسان.
فاذا كان (اللسان) قلعة تتسور بأسوار حصينةــ والتشبيه لشار بالي ــ لتحافظ على نقائها ومثاليتها في أطرها التزامنية فإن (الكلام) لا يلبث أن يحاصر تلك القلعة فيقتحم أسوارها الحصينة ويتمكن من النفاذ والدخول إليها عنوة فيغير جوهر النظام، فالألفاظ المولدة وبعض ملامح الخروج عن النظام من الأخطاء الفردية قد تحظى بقبول العرف اللغوي لها في الاستعمال العام فتصبح جزءاً من النظام في صورة من صور تحولاته الدايكرونية التعاقبية. ومن الأمثلة التي وظفها سوسير في محاضراته لتسويغ فصل الكلام عن اللسان واتخاذ الثاني موضوعاً دون الأول لمثالية الثاني وكون الكلام مشوباً بالخطأ وإمكان استقلالية اللسان لصورية المجردة وعزله عن اللسان أقول من الأمثلة التي أوردها للبرهنة على ذلك السمفونية الموسيقية في رموزها النغمية ولحظة عزفها في حفلة ما، فقد يصاحب أداء تلك السمفونية خروج عن لحنها وخطأ في تمثل نسقها النغمي فيحاول المايسترو في تلويحه بعصاه أن ينبه العازفين للعودة إلى الأداء المثالي، فالعزف قد يطابق السمفونية او لا يطابقها مثلما هي العلاقة بين اللسان والكلام، فالسمفونية بمنزلة اللسان والعزف بمنزلة الكلام، والحق أن كثيراً من الوقائع النغمية في العزف تعضد مقولة شارل بالي وتقوض مثال سوسير هذا، ففي الأداء النغمي للسمفونية قد يخرج عازف ما ضمن الجوقة الموسيقية في لحظة من لحظات الطرب الحزين أو في نشوة مأخوذة ببهجة العزف فلا يلتفت الى مسار النوتة ونظامها المقرر سلفاً مما يثير دهشة وإعجاب المغني والموسيقيين والمايسترو أيضاً فيُؤْخَذون بأدائه ويمضونه من دون تنويه لذلك الخرق، حصل هذا في بعض حفلات المطربة أم كلثوم على الرغم من تشددها وتشدد ملحنيها إلى ضبط العزف، وحصل مع المطربة أصالة نصري في إحدى حفلاتها الغنائية، فقد دهشت مع فرقتها لأداء عازف الناي وامتداد عزفه لمدة أطول وارتفاع نغمه الحزين وانفراده بالعزف وحده مما أثار دهشة الفرقة وصمتها وإعجابها.
لقد تمخضت النظرات النقدية للسان في مرحلة لاحقة في لسانيات التلفظ على يد (إميل بينفينيست) عن دراسته للسمات الذاتية المتحققة في الملفوظ وتمييزه بين جملة النظام وجملة الاستعمال (القولة) التي لم يولها سوسير أهمية، فالأخيرة لا يمكن النفاذ إلى تحليلها في الإصرار على مقولة كون اللسان شكلا لا مادة، فالقولة (العبارة) ينبغي أن تتوافر فيها الإحالة الدلالية لواقعة تداولية في سياق تواصلي لرصد مقومات الخطاب الذاتية مما يجعل الجوانب المادية في اللسان وتجلياته في الكلام أمراً جوهرياً في التحليل اللغوي، وقد أكد هذا النظر اللساني محمد الشاوش في كتابه (أصول تحليل الخطاب) من خلال اعتراضه على سوسير بقوله : ماذا لو أضاع دي سوسير حقيبته وهو مسافر، ففي أي قطار من القطارات سيبحث عنها؟ لا شك أنه سوف يحرص على التفتيش عنها بقطار معين يحمل مقومات مادية ذاتية استقله هو دون غيره من قطارات أخرى مثلما لا يمكن رصد الإحالة التي يتحقق بها الخطاب دون النظر إلى واسماتها المتلفظ بها، ولا يتهيأ ذلك في البعد الإجرائي دون التمييز بين وحدات النظام ووحدات الاستعمال في التحليل اللغوي في ضوء ثنائيات (فونيم، وألفون) و(جملة نظام، وقولة)، وثنائية (نص، وخطاب).
وفي رواية (قارئة القطار) للكاتب المصري إبراهيم فرغلي يجري تناول مسألة تشكل الهوية من خلال السرد من خلال فقدان بطل الرواية لذاكرته، فتكون ملاذه تلك المرأة الشخص الوحيد في القطار المنشغلة بالقراءة في نهم وشغف لا يعرف الكلل، فانقطاعها عن القراءة سوف يأذن بتوقف ذلك القطار المتخيل عن مسار رحلته التي أُرِيد لها أن لا تتوقف أبداً، فسبيله الوحيد لاستعادة ذاكرته المفقودة هو فعل الإصغاء لما تقرأ، فقطار البنيوية لدى سوسير يختلف عن قطار السرد والهوية لدى فرغلي، فقطار كقطار سوسير يرتهن مساره بين محطتين ترسمان له البداية ومشارف النهاية وتخومها هو قطار يرسم ملامح هوية مغلقة تكف عن جدل الصيرورة والتحول في قطيعتها عن محطات التعاقب التاريخية ومخاض تشكلها عبر سكة الزمن وعجلات التلاقح الثقافي بين الأمم، ولعل هذا الصنيع هو الذي جعل حلقة براغ اللسانية لا تشدد كثيراً في الفصل بين التزامن والتعاقب، فكثير من الظواهر في اللسان لا يمكن تفسيرها بنيوياً من دون الاستئناس بالنظر الدايكروني التاريخي، فهي على الرغم من إسهامها البنيوي المؤسس إلا أنها لم تجعل الانسان مرتهناً ومستلباً ومستسلماً لأنساق قبلية، أما رمزية اللانهاية لمسار قطار فرغلي الذي يتغذى على السرد بتشكلاته التاريخية ومخزونه من الذاكرة فهو يقوض نقاء الهوية في تصورات النسق البنيوي المحايث في أفقه التزامني (السايكروني) الضيق الذي يتنكر للذاكرة.
ومن الأمثلة الواقعية الحقيقية غير المتخيلة التي تسهم في نقد التصور البنيوي الشكلي لقيمة العنصر أن بعض شواخص القاطرات تظل معلماً يؤشر لذاكرة رمزية حضارية مفارقة على الرغم من اندثار اعتماد تلك المسارات لتطور وسائل النقل واستحداث طرق جديدة بسبب الرقي الحضري وتقدم العمران، فتبقى تلك الشواخص بأبعادها المادية تمثل قيمة حضارية على الرغم من خروجها عن نسقية خطوط المواصلات وتغير نسق النقل مما يقوض فكرة كون قيمة العنصر بعلاقاته الشكلية في التصور البنيوي. ومثال ذلك محطة (قطار الشرق السريع) في تركيا التي تحولت إلى متحف تاريخي يضم صوراً توثق لأهم رموز الاستشراق العلمي وساسة أوربا القادمين الى الشرق ممن استقل هذا القطار إلى جنب رحالة غربيين وساسة من الشرق، فهذ القطار أنشىء عام 1883 لنقل المسافرين من أوربا إلى الشرق وصولاً إلى العالم العربي منطلقاً من فرنسا مروراً بعواصم أوربية كثيرة ليصل إلى تركيا ثم بعض العواصم العربية كبغداد والقاهرة وطرابلس، وقد خُلِدَ القطار برواية من روايات الكاتبة (اجاثا كريستي) عنوانها يحمل اسم القطار نفسه (جريمة في قطار الشرق السريع). ولو قدر لسوسير أن يعود للحياة ويقرأ ما يقترحه المحقق البليجكي (هيركيول بوارو) في هذه الرواية من فرضيتين في سيناريوهين اثنين محتملين عن شخصية القاتل في محاولة للتمويه على المجريات القانونية على الرغم من توصله لخيوط الجريمة وشخصية الجناة لأدرك سوسير أهمية الجمع بين تجريد القطار البنيوي أولاً ودراسة الاحتمالات الممكنة لمحطات التوقف وجنسيات الراكبين ثم التفتيش في قطار مادي واحد بوصفه مسرحاً للجريمة في استبعاد بعض الممكنات المحتملة واتخذه مثالاً في تحيين الواقعة التخاطبية كما صنعت الأسلوبية التعبيرية بعد حين في تحليلها للخطاب وفي نظرها لتشكله من خلال دراسة عموميات النسق وبدائله الممكنة وتحققه في واسمات لفظية ذاتية ضمن مقولة (التحيين).
وبعد هل كان دي سوسير بحاجة إلى تكرار هذه الأمثلة في محاضراته من جهات كثيرة ومن زوايا نظرية مختلفة لو كان تلقي التلامذة تلقياً مختلفاً يعي مقاصد الأستاذ ولا يرتبط بقبلياتهم وتصورتهم التاريخية والمقارنة ؟وهل كان يدور بخلده يوماً أن مناهج العلوم الإنسانية ــ وليست اللغوية وحدهاـ ستتلقف مقولته الجوهرية حول مركزية النظام والعلاقات في التحليل تحقيقاً للموضوعية العلمية الدقيقة مثلما وجدت العلوم الصرفة ضالتها في الفلسفة الوضعية لـ (أوجست كونت) ورؤيتها في إقصاء التصورات غير الحسية في فحص الظواهر العلمية الصرفة، فتُولَد من بعده الحركة البنيوية من معطف لسانياته وجيناته النصية ويكون أباً روحياً لابن لم يشهد ولادته في حياته ولم يختر له اسماً. أغلب الظن أنه سوف يأَسف كثيراً لتلك الأمثلة البيداغوجية المفرطة التي ضربها، فتكرار الأمثلة غير اللسانية في نزعة تبسيطية توحي بالمماثلة لتوضيح فكرة النظام كان واحداً من أسباب عديدة أسهمت ــ من دون قصد منه ــ بعد سنوات من نشر محاضراته بتكريس فكرة البنيوية وهو الذي كان يطمح أن تنضوي اللسانيات تحت سيمياء كلية تبحث في فلسفة العلامة وسيكولوجيتها بنحو عام لا أن تكون اللسانيات البنيوية برادايم لغيرها من المناهج الإنسانية.
***
كريم عبيد علوي
باحث وتدريسي بجامعة بغداد








