عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: سيكولوجيا الإبداع.. حين تتحوّل أعماق النفس إلى معنى

ليس الإبداعُ مجرّدَ مهارةٍ عقلية، ولا صناعةً لغوية أو تقنيةً جمالية تُكتسب بالتدريب وحده، إنّه انبثاقٌ من أعماق الذات، حيث تتفاعل الذاكرة والرغبة والقلق والخيال، لتعيد تشكيل التجربة الإنسانية في صورةٍ جديدة من المعنى. إنّه ذلك المخاض الخفي الذي تتحوّل فيه انكسارات النفس إلى طاقة خلق، وتغدو فيه المعاناة، حين تعبر بوابة المخيلة، احتمالاً للجمال والمعرفة والتحرّر.

منذ أن ترك الإنسان الأول أثر يده على جدران الكهوف، لم يكن يخطّ شكلاً عابراً على الحجر، بل كان يعلن انتصاره الرمزي على النسيان، ويؤسّس علاقةً جديدة بين الذات والعالم. ومنذ تلك اللحظة، ظلّ الإبداع فعلاً إنسانياً يتجاوز حدود التعبير إلى محاولة فهم الوجود وإعادة تأويله.

النفس: المنبع الخفي للتكوين

تتشكّل البدايات الأولى للإبداع في المناطق العميقة من النفس، حيث تتراكم التجارب والانفعالات والذكريات والرغبات المؤجلة، وتظلّ بعضُها كامنةً خارج نطاق الوعي المباشر، قبل أن تجد طريقها إلى التعبير.

وقد أضاء التحليل النفسي، ولا سيما عند سيغموند فرويد، جانباً من هذه العلاقة، حين ربط الإبداع بآلية التسامي، أي تحويل الطاقة النفسية المرتبطة بالرغبات والصراعات المكبوتة إلى إنجازات فنية وفكرية ذات قيمة جمالية وثقافية. فالألم لا يظهر في العمل الإبداعي بالضرورة على صورته الأولى، بل قد يتخفّى في استعارة، أو يتجسّد في شخصية، أو يتحوّل إلى إيقاع وصورة ورمز.

أما كارل غوستاف يونغ، فقد وسّع أفق هذه الرؤية، حين ميّز بين اللاوعي الفردي واللاوعي الجمعي، ورأى أن بعض الصور والرموز الإبداعية تتجاوز التجربة الشخصية لتلامس مخزوناً رمزياً مشتركاً بين البشر. وبذلك لا يعود المبدع أسير سيرته الذاتية، بل يصبح قادراً على استحضار خبرات إنسانية تتجاوز حدود الزمان والمكان.

غير أن المعاناة، على أهميتها في بعض التجارب، ليست شرطاً لازماً للإبداع، كما أن الألم وحده لا يصنع مبدعاً؛ فالقدرة على تحويل التجربة إلى معرفة وصورة ورؤية هي ما يمنح التجربة طاقتها الخلّاقة.

 الخيال: مختبر التحوّل وإعادة خلق العالم

إذا كانت النفس مستودع التجارب والانفعالات، فإن الخيال هو القوة التي تعيد ترتيب عناصرها، وتمنح ما يبدو متنافراً وحدةً جمالية ودلالية.

فالخيال ليس هروباً من الواقع، بل تجاوزٌ لحدوده الظاهرة، وإعادة اكتشاف لما يخفيه من احتمالات. إنه المساحة التي يلتقي فيها الوعي باللاوعي، والذاكرة بالحلم، والحقيقة بما يمكن أن تكون عليه.

ومن هنا تتشكّل الصورة الإبداعية بوصفها لغةً رمزية لا تكتفي بنقل الأشياء، بل تكشف علاقاتها المستترة. فالشاعر لا يرى المطر ماءً يهبط من السماء فحسب، بل قد يراه ذاكرةً تغسل المدن، أو أملاً يستعيد طفولته، أو زمناً يعيد ترميم ما تصدّع في الروح.

وفي هذا السياق، تكتسب رؤية هنري برغسون أهمية خاصة، إذ ربط الإبداع بالاندفاع الحيوي الخلّاق، أي بتلك الطاقة التي لا تكتفي بإعادة إنتاج الأشكال القائمة، بل تفتح إمكانات جديدة للحياة والتعبير.

فالخيال، بهذا المعنى، ليس تابعاً للعقل ولا نقيضاً له؛ إنّه شريك في إنتاج المعرفة، يمنح العقل إمكانات الرؤية، ويحرّر اللغة من استهلاك المألوف، ويحوّل التجربة إلى بنية جمالية قادرة على استيلاد دلالات جديدة.

المعنى: من التجربة الفردية إلى الأفق الإنساني

لا تكتمل العملية الإبداعية بمجرد تفريغ الشحنات النفسية أو إطلاق الخيال؛ إذ تظلّ بحاجة إلى بناء دلالي يمنح التجربة قيمتها ويتجاوز خصوصيتها الفردية.

هنا يصبح الإبداع بحثاً عن المعنى، ومحاولةً للإجابة عن أسئلة الوجود والحرية والهوية والمصير. فالعمل العظيم لا يكتفي بأن يكشف ما يعتمل في نفس صاحبه، بل يتيح للآخرين أن يتعرّفوا إلى شيء من ذواتهم فيه.

ومن هذا المنظور، يمكن استحضار جان بول سارتر، الذي ربط الفعل الإبداعي بالحرية والمسؤولية، ورأى في الإنسان كائناً يصوغ وجوده عبر اختياراته وأفعاله. كما يمكن استحضار مارتن هايدغر، الذي منح الفن وظيفة الكشف عن الوجود، بوصفه انفتاحاً على حقيقة تتجاوز الإدراك النفعي والمباشر للأشياء.

أما في علم النفس الإنساني، فقد ربط أبراهام ماسلو الإبداع بتحقيق الذات، وبالقدرة على بلوغ حالات من الخبرة القصوى، يشعر فيها الإنسان باتساع وجوده وتحرّره من القيود التي تحدّ من إمكاناته. وفي المقابل، اهتم كارل روجرز بالإبداع بوصفه تعبيراً عن الانفتاح على الخبرة والحرية الداخلية والأصالة.

وهكذا لا يعود المعنى زينةً تُضاف إلى العمل بعد اكتماله، بل يصبح جوهر تكوينه، والعنصر الذي يمنحه القدرة على العبور من ذات المبدع إلى الذاكرة الإنسانية المشتركة.

 مخاض الإبداع بين الإشراق والانضباط

لم تتوقف الدراسات النفسية والمعرفية عند تفسير المنابع العميقة للإبداع، بل حاولت أيضاً فهم آليات تشكّله ومراحله.

وفي هذا السياق، قدّم غراهام والاس نموذجه المعروف لمراحل العملية الإبداعية: الإعداد، والاحتضان، والإشراق، والتحقق. وهو نموذج يوضح أن الفكرة لا تولد دائماً في لحظة خاطفة، بل تسبقها عملية من البحث والتراكم والتفاعل الذهني، وقد تتخللها فترة من الكمون قبل أن تتجلّى في صورة قابلة للتطوير والإنجاز.

كما درس ميهالي تشيكسينتميهالي حالة التدفق، التي ينغمس فيها المبدع في عمله انغماساً عميقاً، حتى يتراجع الإحساس بالزمن وتتوحّد طاقته الذهنية مع الفعل الإبداعي.

ومن هنا تتضح جدلية الموهبة والمعرفة؛ فالإلهام يفتح الباب، لكن الثقافة والخبرة والوعي باللغة والأدوات الفنية هي التي تمنح العمل قدرته على الاستمرار والتماسك. فالإبداع ليس ومضةً عابرة فحسب، بل علاقة متواصلة بين الحرية والانضباط، وبين التلقائية والصنعة.

الإبداع في الفكر العربي: من فيض المعنى إلى خلق الدلالة

لم يكن التراث العربي غريباً عن التساؤل حول منابع الخلق والمعرفة. فقد احتفى أبو حيان التوحيدي بطاقة اللغة على الكشف عن أحوال النفس، وبالعلاقة الوثيقة بين الفكر والتجربة الإنسانية. كما تناول ابن سينا قضايا الخيال والتصور والإدراك ضمن بنائه الفلسفي والنفسي، ولا سيما في مباحث النفس والنبوة والتخييل.

وفي النقد العربي الحديث، برزت رؤى متعددة تربط الإبداع بالتحوّل والتجربة والانفعال. فقد تعامل أدونيس مع الإبداع بوصفه تجاوزاً للمألوف وإعادة تأسيس للعلاقة بين اللغة والعالم، فيما أكدت نازك الملائكة أهمية الانفعال والتجربة الوجدانية في تكوين القصيدة، دون إغفال دور البناء والإيقاع والوعي الفني.

وهذا التعدد يؤكد أن الإبداع لا يمكن اختزاله في تفسير نفسي واحد أو نظرية فلسفية منفردة؛ فهو ظاهرة مركّبة تتداخل فيها الذات واللغة والثقافة والذاكرة والتاريخ.

الإبداع بوصفه انتصاراً على التكرار

إن علم نفس الإبداع، في جوهره، ليس بحثاً في كيفية إنتاج الأعمال الفنية والفكرية فحسب، بل محاولة لفهم الكيفية التي يعيد بها الإنسان بناء ذاته والعالم من حوله.

فالنفس تمدّ الإبداع بمواده الخفية، والخيال يمنحها صورها المتحوّلة، والمعنى يحرّرها من حدود التجربة الفردية، لتصبح جزءاً من الوعي الإنساني المشترك.

ولعلّ القيمة الأعمق للإبداع تكمن في قدرته على مقاومة التكلّس، وكسر اعتياد الرؤية، واستعادة الدهشة أمام عالم يوشك التكرار أن يجرّده من أسراره.

فالمبدع لا يكتب ليصف الحياة كما هي فحسب، بل ليكشف ما لم يُرَ فيها بعد، ولا يستحضر الألم كي يستسلم له، بل ليمنحه شكلاً قابلاً للفهم والتجاوز.

إن الإبداع ليس ما تقوله النفس حين تضيق بها الحياة، بل ما تصنعه حين تكتشف أن في أعماقها عالماً آخر لم يولد بعد.

***

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

في المثقف اليوم