عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

آمال بن الطاهر: تأبينٌ بلا مشيِّعين

قراءة سيميائية في ديوان «لا تثق بجنازة يشيّعها الشعراء» للشاعر المغربي أحمد الدمناتي

لا يُقرأ هذا الديوان قراءةً تراكمية، قصيدةً بعد قصيدة. الأنسب أن يُعامَل نسقًا علاماتيًا يفكك نفسه أثناء اشتغاله. أستند في القراءة إلى ثلاث أدوات: السيميوزيس اللامتناهي عند بيرس، حيث تُحيل العلامة إلى مؤوِّل يصير بدوره علامة تحتاج مؤوِّلًا جديدًا. ونمذجة غريماس، أي التشاكل والعوامل والمربع السيميائي. ومفهوم الأسطورة عند بارت بوصفها دلالة من الدرجة الثانية. أما الفرضية فهي أن الديوان رسالة نقدية متخفية في ثوب الشعر، وأنه قرأ قارئه سلفًا.

1. العتبة: غلاف يفكك نفسه

يفتتح الغلاف بقطعة أحجية (Puzzle) تتوسطها وردة حمراء تنبثق من دخان قاتم. القطعة أيقونة للنقص بالمعنى البيرسي: هي جزء يعلن غياب الكل. والوردة المتشحة بالدخان تشبه أثرًا دالًّا على احتراق سبقها، فتتجاور فيها العلامة الأيقونية (الوردة) والعلامة المؤشِّرة (الدخان). وهذا ما سيبنيه الديوان بعد ذلك: جمال يُرى دائمًا من وراء رماد.

أما العنوان فهو فعل كلام توجيهي سلبي («لا تثق»)، يخاطب مُخاطَبًا غير محدد ويرفق التحذير بجثة مجهولة. ويعمل العنوان بوصفه شفرة لغزية بالمعنى البارتي، أي عقدة سردية يتأخر حلها. يأتي الحل الأول في المقطع التاسع من «سيرة القصيدة»، وفيه تحفر القصيدة بعنادها قبر سفرها ولا تثق بجنازة يشيعها الشعراء. أي إن العبارة ليست نصيحة الشاعر لقارئه. إنها قاعدة سلوك تفرضها القصيدة على نفسها.

فلماذا لا تثق؟ يجيب المقطع العشرون من المقطوعات المرقمة الأخيرة (تحت عنوان «فراشة تطل من نافذة الشمس»): كل الشعراء في العالم أيتام إلى أن تمزق القصيدة المجنونة أكفانهم. اليتيم لا يشيّع جنازة ليودّع الميت، بل ليحصل على شرعية لحزنه. فالجنازة التي يقودها الأيتام تأبينٌ ذاتي متنكر، ومن هنا الريبة.

2. المعجم المضاد: حين تكتب اللغة قاموسها

الديوان مبني كأنه معجم بديل. لكل مدخل («الأم»، «الوطن»، «البحر»، «الغياب»، «القصيدة»، «المرأة»، «السفر»، «الزهور») مقاطع مرقمة تتفاوت أعدادها تفاوتًا دالًّا: عشرون للأم، وعشرون للوطن، وتسعة وعشرون للبحر، وستة للغياب، وأربعة عشر للقصيدة، وثمانية للمرأة، وسبعة للسفر. الترقيم يوحي بتصنيف علمي وتراتب، لكن المضمون يرفض التراتب. فهذه المقاطع ليست تعريفات متدرجة بل سلسلة مؤوِّلات بيرسية لموضوع واحد لا يكتمل. والبحر أكثر الأشياء إفلاتًا من التسمية، ولهذا احتاج أطول قائمة، بينما الغياب، وهو الحضور المنسحب، اختُصر في ستة.

ويكشف التحليل النحوي عن بنية أعمق. المداخل التي تشكل الخلفية (الأم، الوطن، البحر، الغياب، السفر) تُصاغ بجملة اسمية، وهي في البلاغة العربية جملة الثبوت والدوام والاستقرار. أما الكيانان اللذان يصنعان الحدث، أي القصيدة والمرأة، فتُصاغان بجملة فعلية: القصيدة توبخ وتعتقل وتراهن وتهدد، والمرأة تغزو وتتجسس وتراوغ. وبعبارة سيميائية فإن الأنحاء تُقسّم الديوان إلى مسرح وممثلين. الأم والوطن والبحر ديكور دائم، والقصيدة والمرأة وحدهما فاعلتان.

3. النموذج العاملي: الشاعر خصمًا

بتطبيق نموذج غريماس تنقلب الأدوار المعتادة. الفاعل هو القصيدة، لا الشاعر. موضوع الرغبة هو المعنى أو الحرية أو البياض. المرسِل هو الحنين والغواية. المساعدون هم الطفولة والمرأة والغجر والأم. أما المعارض فهو الشاعر نفسه، ومعه النقاد وحراس الغياب وشرطة الآداب.

القصيدة تهدد الشاعر بالقتل ليستقيل من شغب الكلمة (سيرة القصيدة، 12). والمرأة تحفر قبر الشاعر مع قصيدته «بسعادة» حين يذهب وحيدًا إلى الحديقة العمومية (سيرة المرأة، 7). وفي قصائد «فشل» يوصف الشاعر بأنه مقامر فاشل يكشف أوراقه السرية مع كل نص. هذا انقلاب للتراتب الرومانسي: النص يتفوق على مؤلفه، وذلك ما أسماه بارت «موت المؤلف». لكن الديوان يخرج عن بارت في أمر هام، فموت المؤلف عنده لصالح القارئ، وهنا لصالح القصيدة نفسها، وهي عدو الاثنين معًا.

4. البياض: أربعة أقنعة

البياض هو العلامة المركزية، وله في الديوان أربعة وجوه. هو أرض ذات سيادة، إذ يتحدث في «فصول البياض» بلغة قانونية عن كتّاب يقيمون على أراضيه بلا ترخيص ويطالب بتعويض عن أضرار خلوته. وهو خصم تحاربه القصيدة لتخرج «منتصرة» من مزارع الكلمة. وهو فخ ومصيدة. وهو كفن، ولهذا يحمله الطفل ليشيّع القصيدة (طفلك يا أبي، 8)، فيتحقق تحذير العنوان بطريقة معكوسة: جنازة القصيدة تقام لكن بلا شعراء.

هنا تتضح مقاربة بارت في الأسطورة. الدال الأول (الصفحة البيضاء) ينتج في الثقافة مدلولًا ثانيًا هو النقاء والإلهام. يقوّض الديوان هذه الأسطورة فيجعل البياض مفترسًا وطفلًا حزينًا في آن. وإذا تذكرنا أن الأبيض لون الكفن في التقليد العربي الإسلامي، أدركنا أن كتابة القصيدة على البياض كتابةٌ على قماش الجنازة.

ويمكن رسم مربع سيميائي حول ثنائية الطفولة والشيخوخة. الطفولة (س1) تقابل شيخوخة العالم (س2). والحد المركب الذي يجمعهما هو ما تصنعه القصيدة حين تراوغ الغياب بـ«طفولة الكلمة وشيخوخة الخيال» (الخرائط فناجين عرافة، 14). أي إن الشعر عند الدمناتي ليس اختيارًا بين الطفولة والهرم بل بناء لغة تحمل الاثنين.

5. الحرف علامةً: علم الحروف يعود مرحًا

من أطرف ما يفعله الديوان أنه يعامل الحرف الواحد ككيان ذي سيرة. في «فخاخ المحو» تُفكَّك كلمة «حب» إلى الحاء والباء، وللحاء دلالة، وللباء أخرى. وفي «فضيحة الرسائل» تُقرأ الحاء في «حياة» و«حياء» بوصفها حيلة المرأة. وفي «سيرة الزهور» يتحول الياسمين إلى حروف: الياء يد العطر، والنون نية المزهرية. وفي «يا أمي» يُختزل الحنين في حرف الحاء الذي فسّر هويته الحبُّ المؤجل.

إنه علم الحروف الصوفي بعد نزع قداسته وإعادته إلى الملعب. الحرف هنا علامة أيقونية بالمعنى البيرسي: شكله يحاكي معناه. ويدعمه جناس المرأة والمرآة في قصائد فاس. فالمرأة مرآة الشاعر بالتجاور الصوتي قبل الدلالي. وتبقى الحاء سلسلة تجمع الحنين والحب والحرف والحرية والحظ والحياء، وكأن الديوان يخبئ خريطته الدلالية داخل حرف واحد.

6. التناص: نقد يسكن داخل الشعر

تمتد على صفحات الديوان شبكة أسماء: دالي وميرو وفان جوخ في التشكيل، وبيسوا وهولدرلين ورامبو وأراغون في الشعر، وهمنغواي وإيكو وجنيت في السرد والنقد، وعنترة والشنفرى وقيس والسندباد وشهرزاد وزرقاء اليمامة في التراث. تحكم هذا التنوع فكرة «السيميوسفير» عند لوتمان: فضاء ثقافي واحد يتعايش فيه الصعلوك العربي القديم والحداثة الأوروبية.

لكن الأدق أن الديوان يستدعي مفهومات النقد لا أسماء النقاد فحسب. ففي «يا أمي» يقرّ النص بأن إيكو لا يعرف الأم جيدًا، وبأن جنيت يقرأ لها السلام في «النص الموازي»، وبأنها تكسر أفق انتظار الشاعر. هذه مصطلحات جنيت وياوس. فالأم بالمعنى الحرفي هي العتبة نفسها: تسكن الهامش والإهداء والنص الموازي، ويبدأ بها الديوان كأن الحاشية صارت متنًا.

وفي «فصول البياض» يدفع الخريف الناقد بعصبية. وفي «مكتئبة في حضرة جنونه» تخترع القصيدة «خيانة تأويل» بمكر الصعاليك. الديوان إذن يُحصِّن نفسه ضد الشرح، ويعرف أن التأويل خيانة، وأن من يقرؤه سيقع في حبائله. هذا القول ينطبق على هذه القراءة نفسها، وهو ما يمنحها تواضعها.

7. الفنجان والخريطة والرسالة: ميتافيزيقا الأثر

الديوان مسكون بثلاثة أشياء: العرافة والخريطة والرسالة. عنوان «الخرائط فناجين عرافة» يفتح الباب: الخريطة هنا أثر مؤشِّري، كالبقايا في فنجان القهوة، لا تمثيل أيقوني للأرض. والتفسير هو التعرف على المصير من بقايا. والبحر عرافة تقرأ فنجان أسرارك الفارغ، والغياب طقوس عرافة، وفي «هواء الأبجدية» تغيّر اللصة مهنتها كعرافة في بيت الشاعر، فتتحول السرقة إلى قراءة، والقارئ إلى لص محتمل.

أما الرسائل فتحضر بلا انقطاع: البريد العاجل في مقطع الأم، ثم الحمام الزاجل الذي تكتفي به القصيدة، ثم البريد نفسه في «يا أمي»، ورسائل قيس وبيسوا وعنترة، والعنوان الفرعي «فضيحة الرسائل». وكل هذه الرسائل مؤجلة: «الحب المؤجل» عنوان فرعي، و«النسيان المؤجل» في الوطن. التأجيل هنا هو أونطولوجيا العلامة نفسها، فالدال يحيل إلى مدلول لا يصله أبدًا. ولا غرابة أن يكون خطاب فاس بصيغة الطلب («كوني نجمة أو امرأة، غيمة أو مرآة»): المدينة تُطلب منها العلامة فتتعدد أنماطها.

ويرتبط بهذا زوج حركي: التربية والصيد. الديوان يُربّي الحنين والرسائل والغيوم ويقلّم أظافر الندى والقمر (فعل أليف)، ويصطاد بالفخاخ والمصائد (فعل مفترس). وهذه ثنائية تستعيد ثنائية لفي شتراوس الكبرى بين النيء والمطبوخ. ومن هنا عنوان «قصائد نيئة» وإصرار الديوان على وصف الكلمات بالنيئة: الشعر عنده بريّ لا يُطبخ.

8. خاتمة: قصيدة تبصر حيث اللغة عمياء

يقفل الديوان على قطعة تعلن أن اللغة عمياء وأن القصيدة تُبصر، فلا تحتاج عكازًا ولا نظارات لترى الشاعر يمشط ضفائر الكلمات. ثم تقطف امرأةٌ الوردة من الشرفة، فتبكي الحديقة، ويُضرب الربيع عن الطعام، وتتعطل حواس العالم. ينتهي النص مفتوحًا على كارثة جمالية.

المفارقة أن القصيدة مصنوعة من اللغة العمياء وتُبصر. هذا هو «الفائض» الذي يعجز الدال عن حصره، والذي يجعل الشعر ممكنًا. وهنا يتقاطع الديوان مع إيكو في «العمل المفتوح»: النص لا يُغلق، والقارئ الأمين هو من لا يتوهم أنه أمسك بمفتاحه.

ولقارئ الصحيفة سبب إضافي للتوقف عند الديوان: فيه منفى ليس استعارة في قواميس اللغة وحدها. إنه وطن بلا حقيبة كما تقول الأم، وأرض لا تحدها جغرافيا، وبيت يُكتب في البياض ويُدفن فيه.

***

بقلم: آمال بن الطاهر - باحثة من المغرب.

................

مراجع نظرية:

أحمد الدمناتي، «لا تثق بجنازة يشيّعها الشعراء»، دائرة الثقافة، حكومة الشارقة.

شارل ساندرز بيرس، «الأوراق المجموعة» (Collected Papers): نظرية العلامة والمؤوِّل والسيميوزيس.

أ. ج. غريماس، «الدلالة البنيوية» (1966): النموذج العاملي والمربع السيميائي.

رولان بارت، «أسطوريات» (1957)؛ «س/ز» (1970)؛ «موت المؤلف» (1967).

يوري لوتمان، «الكون العقلي» (1990): مفهوم السيميوسفير.

أمبرتو إيكو، «العمل المفتوح» (1962).

جيرار جنيت، «عتبات» (1987): النص الموازي.

هانس روبرت ياوس، «تاريخ الأدب: تحدٍّ لنظرية الأدب» (1967): أفق الانتظار.

كلود ليفي شتراوس، «النيء والمطبوخ» (1964).

في المثقف اليوم