عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: اللهجات العربية القديمة وأثرها في العربية الحديثة

الكشكشة والطمطمانية واللخلخانية والكسكسة

لم تكن العربية القديمة صوتاً واحداً متجانساً في جميع أقاليم الجزيرة العربية، بل كانت فضاءً لغوياً رحباً تتجاور فيه لهجات القبائل، وتتباين طرائق نطقها للأصوات، وتتعدد أنماطها في استعمال أدوات التعريف وبناء الكلمات. وقد رصد علماء اللغة هذه الاختلافات، ووصفوا ظواهرها، وحفظوا جانباً مهماً منها في كتب اللغة والنحو وفقه العربية.

ومن أبرز هذه الظواهر الكشكشة والكسكسة والطمطمانية واللخلخانية، وهي ظواهر تكشف عن حيوية النظام الصوتي العربي، وعن العلاقة المتبادلة بين اللغة المعيارية واللهجات المحكية، كما تتيح لنا فهم بعض مظاهر التنوع اللغوي في العربية الحديثة.

أولاً: الكشكشة والكسكسة: تحولات كاف الخطاب

تُعدّ الكشكشة والكسكسة من الظواهر الصوتية التي استوقفت اللغويين القدماء؛ لارتباطهما بكاف الخطاب، ولاختلاف طريقة نطقها في بعض اللهجات القبلية.

الكشكشة: ظاهرة تقوم على إبدال كاف خطاب المؤنث شيناً، أو إلحاق الشين بها في بعض الاستعمالات. ومن أمثلتها أن يقال «عليش» بدلاً من «عليكِ»، أو «رأيتكِش» بدلاً من «رأيتكِ»، بحسب الرواية اللهجية وطريقة التحويل.

أما الكسكسة: فتتمثل في إلحاق السين بكاف الخطاب أو إبدال الكاف سيناً في بعض صور الاستعمال، ومن أمثلتها «عليكِس» بدلاً من «عليكِ». وقد اختلفت المصادر القديمة في نسبة هاتين الظاهرتين إلى القبائل، فذكر بعضها ربيعة وتميم ومضر وغيرها، الأمر الذي يستدعي الحذر من تعميم نسبة واحدة على جميع الروايات.

وتكمن أهمية هاتين الظاهرتين في أنهما توضحان كيف يمكن لصوت واحد أن يتغير تبعاً للبيئة اللهجية، وكيف تؤدي التحولات الصوتية أحياناً وظيفة تمييز المخاطَب، ولا سيما في التفريق بين المذكر والمؤنث.

وفي العربية الحديثة، لا تُعدّ الكشكشة والكسكسة من خصائص العربية الفصحى المعيارية، لكن بعض اللهجات المحلية ما زالت تحتفظ بطرائق خاصة في نطق كاف الخطاب أو تحويلها، وإن لم يكن كل استعمال معاصر امتداداً مباشراً للظاهرة القديمة. فالتشابه الصوتي لا يكفي وحده لإثبات الاستمرار التاريخي، بل يحتاج ذلك إلى دراسة اللهجات ومقارنتها في سياقاتها الاجتماعية والجغرافية.

ثانياً: الطمطمانية الحِمْيَرية: الميم مكان لام التعريف

تُعدّ الطمطمانية من أشهر الظواهر التي وردت في كتب التراث اللغوي، وتُنسب إلى حِمْيَر وبعض القبائل اليمنية. وتتمثل في إحلال الميم محل لام التعريف في بعض الألفاظ؛ فيقال، وفق الصيغ المنقولة، «امبرّ» بدلاً من «البرّ»، و«امصيام» بدلاً من «الصيام»، و«امسفر» بدلاً من «السفر».

ومن الشواهد المشهورة في كتب اللغة الصيغة المنقولة:

«ليس من امبرِّ امصيامُ في امسفرِ».

ومعناها في العربية المعيارية: «ليس من البرّ الصيامُ في السفر».

وتنبع أهمية هذه الظاهرة من أنها لا تتعلق بتبديل صوت عابر فحسب، بل تمس أداة التعريف نفسها، وهي عنصر أساسي في بنية الاسم العربي. كما تكشف عن أن أدوات التعريف، على الرغم من استقرارها في اللغة المعيارية، قد تتخذ صوراً أخرى في بعض الأنظمة اللهجية.

أما أثر الطمطمانية في العربية الحديثة، فلا يتمثل في حلول الميم محل لام التعريف في الفصحى المعاصرة، إذ بقيت «أل» هي الصيغة المعيارية المستقرة، وإنما يتمثل في قيمتها التاريخية والمقارنة؛ فهي تذكّرنا بأن البنية التي نعدّها اليوم ثابتة قد عرفت في تاريخها تنوعاً لهجياً. ولا يجوز، في المقابل، افتراض أن كل اختلاف حديث في أداة التعريف يرجع إلى الطمطمانية، ما لم تدعمه شواهد تاريخية وصوتية واضحة.

ثالثاً: اللخلخانية: الاختصار والتحول الصوتي

تُنسب اللخلخانية في كتب فقه اللغة إلى أعراب الشَّحْر وعُمان، وترد في سياق الحديث عن اختلاف طرائق النطق بين القبائل. غير أن تحديد خصائصها الصوتية ليس بالوضوح نفسه الذي نجده في الطمطمانية؛ لذلك ينبغي التعامل مع أمثلتها وفق الروايات المنقولة، لا وفق قاعدة عامة مفترضة.

ومن الأمثلة التي تُذكر في هذا السياق صيغ مختصرة مثل «مشا الله» بدلاً من «ما شاء الله»، مع ضرورة التحقق من نسبة المثال إلى الظاهرة في كل مصدر لغوي على حدة. ولا يصح القول إن اللخلخانية قاعدة مطّردة لحذف اللام وتحويلها إلى السين أو الكاف؛ فهذه الأحكام تحتاج إلى شواهد محددة، كما أن تشابه بعض صور النطق لا يعني اتحاد الظواهر.

وفي العربية الحديثة، نلاحظ أن الاختصار الصوتي ظاهرة شائعة في الكلام اليومي، إذ قد تُحذف أصوات أو تُختزل مقاطع أو تتغير بنية بعض الكلمات تحت تأثير سرعة النطق والتواصل الشفهي. لكن هذا لا يثبت أن الاختصارات المعاصرة استمرار مباشر للخلخلانية القديمة؛ إذ قد تنشأ الظواهر المتشابهة في لغات ولهجات مختلفة لأسباب صوتية متقاربة.

رابعاً: أثر اللهجات القديمة في العربية الحديثة

لا يُقاس أثر اللهجات القديمة في العربية الحديثة بمجرد بقاء الظواهر القديمة على حالها، بل ينبغي النظر إليه من خلال ثلاثة مستويات مترابطة.

أولها: المستوى الصوتي. تكشف هذه الظواهر عن مرونة الأصوات العربية، وعن إمكان الإبدال والإلحاق والحذف والاختصار تبعاً لبيئة النطق. وتساعد دراستها على فهم القواعد التي تحكم التطور الصوتي في اللهجات، وعلى التمييز بين التغير المنتظم والتنوع الفردي العابر.

ثانيها: المستوى اللهجي والاجتماعي. تُظهر الظواهر القديمة أن اللغة مرتبطة بالمجتمع، وأن اختلاف القبائل والمناطق يترك أثره في النطق والتعبير. وهذا المبدأ ما زال واضحاً في العربية الحديثة، حيث تتمايز اللهجات في نطق القاف والجيم والكاف، وفي أدوات التعريف، وفي بنية المفردات والتراكيب. غير أن المقارنة العلمية تتطلب دراسة كل ظاهرة في بيئتها، وعدم ردّ جميع الاختلافات الحديثة إلى أصول قبلية قديمة من دون أدلة.

ثالثها: المستوى التاريخي والمعياري. أسهم تدوين اللهجات في حفظ جانب من التنوع اللغوي الذي عرفته العربية قبل استقرار الفصحى في صورتها المعيارية. وقد أتاح هذا التدوين للباحثين تتبع العلاقات بين الأصوات والبنى اللغوية، وفهم أن الفصحى ليست نقيضاً للتنوع اللهجي، بل نظام معياري تشكّل في سياق تاريخي أوسع.

ومن هنا، فإن دراسة الكشكشة والكسكسة والطمطمانية واللخلخانية لا تقتصر على استعادة معلومات تراثية، وإنما تفتح مجالاً للمقارنة بين العربية القديمة ولهجاتها المعاصرة، وتساعد على فهم آليات التغير اللغوي، بشرط الفصل بين الشاهد الموثق والاستنتاج المحتمل.

إن اللهجات العربية القديمة ليست هامشاً خارج تاريخ العربية، بل هي جزء من تاريخها الصوتي والاجتماعي. فالكشكشة والكسكسة تكشفان عن تنوع نطق كاف الخطاب، والطمطمانية تبرز إمكان اختلاف أداة التعريف، واللخلخانية تذكّرنا بضرورة التمييز بين الظواهر الموثقة والتعميمات غير الدقيقة.

أما العربية الحديثة، فقد احتفظت بتنوع لهجي واسع، في حين استقرت الفصحى المعيارية على أنظمة صوتية وصرفية محددة. ولا يعني ذلك انقطاع الصلة بين الماضي والحاضر، كما لا يعني أن كل ظاهرة حديثة تعود بالضرورة إلى أصل قديم. إنما تكمن القيمة العلمية في المقارنة المنهجية، وفي قراءة التراث اللغوي قراءة نقدية توازن بين احترام الرواية والتحقق من الشاهد.

وهكذا تظل دراسة اللهجات القديمة مدخلاً أساسياً لفهم تاريخ العربية، لا بوصفها لغة جامدة، بل بوصفها كياناً حياً تتفاعل فيه الأصوات والمجتمعات والذاكرة التاريخية.

***

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

في المثقف اليوم