عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

محمد الموسوي: البنية الأسلوبيّة وتشكّلات المعنى في ديوان "نشيد التراب" لباسم الحسناوي

صدرت المجموعة الشعرية التي تحمل عنوان (نشيد التراب) في الشهر الجاري عن مطبعة (حوض الفرات/ النجف الأشرف)، لتكون هذه المجموعة الشعرية هي المجموعة الثانية عشرة في سلسلة المجاميع الشعرية للشاعر باسم الحسناوي، وتقع المجموعة في مئة وستين صفحة تقريباً، وتتضمن هذه المجموعة عدداً من القصائد الطويلة التي يضمّ كلٌّ منها عدداً من الرباعيات الشعرية التي تتضافر فيها بينها لتتشكل منها وحدات نصية تنامت فيها الرؤى والدلالات ذات النزعة الرؤيوية والفلسفية والعرفانية، ويمكن الحديث عن السمات العامة لهذه المجموعة الشعرية المهمة ضمن المحاور الآتية: 

1- التفكير الفلسفي داخل البنية الشعرية في ديوان (نشيد التراب)

واحدة من أهم السمات الأسلوبية للشاعر باسم الحسناوي هي أنه يكتب القصيدة التي لا تفصل بين التفكير والتصوير، فلا تأتي الفكرة في البدء ثمَّ تبحث لها عن صورة داخل بنية القصيدة، بل غالباً ما تولد الفكرة من الصورة بشكل تلقائي وعفوي، يقول الشاعر في قصيدته التي تحمل عنوان (وجود سيال) على سبيل المثال:

إنني قطرةٌ وحسبي هذا

من هنا أبدأ المسيرة جهرا

ذوباني في البحرِ أعني حبيبي

هو ما يجعلُ القُطَيرةَ بحرا

كنت أخشى على كياني وأنسى

أنَّه منه أنزلَ الغيم قطرا

يا لجهلي القديم كم يزعجُ

الإنسانَ أن قد أضاع في الجهل عمرا

فالشاعر في هذا المقطع لا يشرح الصيرورة بطريقة ذهنية، بل يجسدها تجسيداً رمزياً بالماء، وهكذا تندكّ الفكرة في الصورة، والصورة في الفكرة حتى يكونا كياناً واحداً، على أن هذه السمة تتكرر بصورة لافتة في أغلب دواوين الحسناوي، لا سيما في ديوان (نشيد التراب)، إذ تؤدي القصيدة وظيفتها في تجسيد المعاني المجردة باستمرار.

إن التفكير الفلسفي في التجربة الشعرية للدكتور باسم الحسناوي هو أحد المكونات الأساسية للنسيج الفني العام الذي تنتظم فيه هذه التجربة، على أن لا نفهم من ذلك أن الشاعر يلجأ إلى حشد الأسئلة الفلسفية والوجودية داخل بنية القصيدة من دون وشيجة تربطها بالبنية الفنية لشعره، إن الطريقة التي يطرح من خلالها الشاعر هذه الأسئلة تشير إلى أنه لا يقوم بوضع الفكرة الفلسفية أولاً ثم يقوم بالبحث عن صورة شعرية مناسبة، بل تولد الفكرة الفلسفية في الغالب من الصورة الشعرية ومن الحركة الإيقاعية ومن الحوار والمفارقة واصطدام البنية اللغوية للنص الشعري بما يريد أن يقوله، وعلى هذا الأساس لا نجد أن الفلسفة في ديوان (نشيد التراب) تشكل معرفة خارج سياق القصيدة، لكنها إحدى الطرائق المهمة لتشكل القصيدة ووجودها، انطلاقاً من ذلك يمكن النظر إلى هذا الديوان باعتباره يمثل تجربة شعرية ساعية بطاقة الخيال والعاطفة إلى مساءلة المسلمات الكبرى التي يتأسس عليها وعي الإنسان، من قبيل: من أنا، وما الذي يجعلني أكون أنا، وهل يمتلك الإنسان فعلاً إرادته، وأين تنتهي تخوم الذات ليبدأ الآخر، وماذا يبقى من الإنسان بعد أن يرحل عن هذه الحياة، وهل يمكن للشعر أن يمنح الإنسان نمطاً آخر من الخلود، وما هي العلاقة بين الحب والمقدس وبين الجسد والروح وبين اللغة وما تشير إليه من حقائق خارج بنيتها الداخلية، لكن الأهم من طرح جميع هذه الأسئلة هو أن الشاعر يحولها إلى مشاهد شعرية تتحرك بفاعلية الخيال والعاطفة داخل القصيدة.

2- مزج المقدس باليومي في ديوان (نشيد التراب)

من السمات الواضحة في ديوان (نشيد التراب) أن الشاعر لا يتعامل مع المقدس باعتباره منطقة مشتركة بينه وبين التجربة اليومية للشاعر، فهو على سبيل المثال لا يجعل الحديث عن الله منفصلاً عن حديثه المتعلق بشؤون حبيبته، كما لا يجعل الحديث عن الصلاة نقيضاً للحديث عن قبلة الحبيبة، أما حديثه عن الجنة والنار فإنه لا يكون مقصوراً على المعنى الديني في حال من الأحوال، فثمة تبادل مستمر للأدوار بين المقدس واليومي في شعر الدكتور باسم الحسناوي، بل إن اليومي نفسه كثيراً ما يرتفع إلى مستوى المقدس دون أن يشعر القارئ بالحساسية الدينية تجاه الوظيفة التي تؤديها قصيدته في هذا السياق، على أن هذه السمة الأسلوبية هي التي تؤدي دوراً مهماً في شحن القصيدة بالتوتر الأسلوبي المستمر، ففي قصيدته (النحر المقدس) يبدأ الحسناوي بلغة غزلية مألوفة:

حبيبة قلبي في الفؤاد مقيمةٌ

حبيبة قلبي في السماوات كوكبُ

أراها فأنسى أنني نجلُ آدمٍ

فأحسب أني من ضياءٍ مذنَّبُ

أشكُّ بأني ميتٌ ذات ليلةٍ

فإن متُّ فعلاً فهي لا شكَّ تندبُ

فإن ندبتني فالمسيحُ بكفِّها

فأنهض حيّاً إذ تمرُّ وتخطبُ

ليس المهم في هذا المقطع أن الشاعر شبَّه حبيبته بضياء الكوكب، فهذا كثيراً ما يحدث في الشعر العاطفي منذ القدم، إنما المهم هو درجة التداخل الموجودة في هذا السياق، إذ لا يقوم الشاعر باستعارة صفة الكوكب للحبيبة لينتهي الأمر عند هذا الحد، بل تمتد هذه الاستعارة لتكشف لنا تصور الشاعر عن الموت والحياة، ثم يظهر السيد المسيح داخل هذا المشهد لتكون الحبيبة ذات تأثير في سياق إحياء الموتى كتأثير المسيح تماماً، فتكون وظيفة الحبيبة في هذا المقطع من القصيدة متداخلة مع وظيفة المسيح في تحقيق فلسفة الخلاص، مع ذلك علينا أن نحذر من أن نقرأ الصورة قراءة دينية مباشرة، فالشاعر لا يريد أن يقدم لنا عقيدة بديلة من خلال هذا البناء الاستعاري الشعري، بقدر ما يستخدم المخيال الديني كطاقة شعرية تمنح الحب أقصى درجات التحول، إذ لا يكتفي الحب بأن يكون مجرد شعور عاطفي، بل يسعى إلى أن يصبح حدثاً وجودياً، وعلى هذا الأساس تأتي مجموعة المفردات من قبيل: الموت، القيامة، المسيح، السماء، النحر، النور، المقدس، في سياق غزلي، إن هذه الطريقة التي يتبعها الشاعر باسم الحسناوي في توظيف هذه الكلمات داخل السياق الشعري تريد أن تعبر عن حقيقة أن الحب ليس هو بالحدث الذي يقع داخل الحياة، بل هو الحدث المسؤول عن إعادة تعريف الحياة، وتتضح هذه الفكرة أكثر من خلال هذا المقطع:

كما بجدارِ الكعبةِ المرءُ يمسحُ

مسحتُ بحزني ليس حزنيَ يبرحُ

أطوفُ بنحري إنَّ نحري مقدسٌ

بما أن نحري دائماً هو يذبحُ

إذا قلت شيئاً لا تقدِّسْ مقالتي

لأني إلى شيءٍ سواه ألمِّحُ

أحبُّ خساراتي الكثيرة إنني

بقدر الخسارات الكثيرة أربحُ

في هذا المقطع يصل المزج بين المقدس الديني وغير المقدس الذاتي الذي تستعار له صفة القداسة إلى مستوى أكثر تركيباً، فلدينا الكعبة والطواف والنحر، وهي كلمات لها حمولة دينية واضحة، لكن الشاعر يضع داخلها نفسه، فيقول: (أطوف بنحري)، فبدلاً من أن يكون الطواف حول موضع مقدس من الناحية الدينية، يكون حركةً حول الذات، والنحر لا يكون طقساً دينياً، بل يتحول إلى تجربة ذاتية، كما إن المقدس ليس شيئاً خارج كيان الشاعر، بل يكون كيان الشاعر بالذات موضعاً لهذه القداسة.

3- أنسنة الجمادات وإعادة توزيع البنية الشعرية

في قصيدة (آدم من حجر) تتأسس أنسنة الجمادات على حركة شعرية تتجاوز إلى حد بعيد التقنيات البلاغية المألوفة في عملية التشخيص، فعندما يمنح الشاعر بعض الصفات الإنسانية للحجر، فإنه لا يفعل ذلك بدافع بلاغي تصويري فقط، بل يفعل ذلك بدافع رؤيوي عميق يستهدف إعادة إدخاله في النظام الدلالي العام للقصيدة من ذلك المنظور الذي يقرر أنه كائن قادر على القيام بمهمة الفكر والانفعال العاطفي والحب وإنتاج المعرفة، في وقتٍ تتراجع فيه مركزية الإنسان حتى يكون امتداداً لذلك الجماد الذي كان من المفترض أن يقف في الطرف المقابل له، فمن الواضح أن الأنسنة في هذا السياق تؤدي عملاً قائماً على توزيع الأدوار التي تسند إلى الموجودات داخل البنية الشعرية، حتى ينتقل الفكر والصوت والعاطفة من الإنسان إلى الصخر، بل تنتقل صفة الأصل من الإنسان ليكون الحجر هو ذلك الأصل الذي انبثق منه هذا الكائن العاقل المفكر في سياق قلب العلاقة بين الطرفين.

منذ البدء تقيم القصيدة مشهداً يبدو في الظاهر عادياً ومألوفاً، إذ:

هنالك إنسانٌ من الصخر جالسٌ

على ربوة التاريخ وهو مقطَّبُ

إنَّ استعمال هذا التركيب يفتح منذ البداية مجالاً للتداخل بين الإنسان والجماد، فالإنسان في هذه القصيدة ليس هو الإنسان الخالص، بل هو الإنسان الصخري الذي ستبنى على نعته هذا لاحقاً رؤية كاملة لأصل الإنسان وطبيعته، وفي مقابل ذلك فإن الصخر الذي هو في النظر العادي المألوف عبارة عن مادة جمادية صامتة، سرعان ما يندرج في الكينونة الإنسانية من خلال تفكيره وكلامه وحواره، لتتفكك على هذا الأساس الحدود الفاصلة بين الإنسان والجماد بصورة تدريجية، ولتتضح استراتيجية الشاعر في إعادة توزيع الوظائف بين الموجودات بصورة أكبر من خلال قوله:

فقلتُ تقولُ الصخرُ من نسلِ آدمٍ

أجابَ نعمْ والصخرُ خلقٌ مهذَّبُ

إن اللافت في هذا البناء الشعري أن الشاعر لا يستخدم الصورة الجمادية للتعبير من خلالها عن معنى إنساني مقصود له، بل يتحول هذا الجماد إلى طرف مستقلّ أصلاً في العملية الحوارية، فالقصيدة تمنح الحجرَ الصوتَ والقدرة على الإجابة، لتنتقل إحدى أهم خصائص الكائن الإنساني وهي اللغة إلى هذا الكائن الجمادي، فهو يتكلم ويجادل بكلام الحكماء ويقدم تصوراً عميقاً عن ذاته، والأهم من ذلك هو أن الشاعر لا يجعل من هذا الصوت ناطقاً باسم أفكاره ومعتقداته، بل يجعله جزءاً لا يتجزأ من البنية الأساسية للحوار، ليعاد توزيع السلطة من خلال هذا الحوار داخل القصيدة، فلا يجعل الشاعر من نفسه مالكاً مطلقاً للحقيقة، كما لا يجعل منها المصدر الوحيد للمعنى، بل هو يرى نفسه مضطراً للإصغاء إلى كائن آخر كان من المفترض أن يكون بلا صوت ولا شعور، ليعترف في النهاية بأنه شريك فاعل في إنتاج الدلالة، وتتعمق الرؤية أكثر في المقطع الثاني من خلال قوله:

نعم صخرةٌ تهوى الحبيبَ وترتدي

غباراً ليخفى ثغرُها المتبسِّمُ

فوفق هذا النص ليس الحب خاصة الإنسان وحده، إذ ينتقل بشكل واضح إلى الصخرة التي تعبر عن حبها بأرق الكلمات وأعمقها دلالة، فلا يكتفي الشاعر بأن يمنحها مشاعر الحب، بل يمنحها بالإضافة إلى ذلك الثغر المتبسم، بمعنى أنه يعيد تشكيل جسد الحجر وفق نظام جسد الإنسان، ليتولد السؤال العميق في النهاية عن ذلك المعنى الذي يجعل الإنسان كائناً متميزاً عن سائر الموجودات ما دامت صفاته الإنسانية الأساسية يمكن أن يتحلى بها هذا الكائن الحجري، وعند هذا المفترق يهتدي الشاعر إلى الإجابة على هذا السؤال المحير من خلال قوله:

إذن صار قلبُ الصخرِ قلبي وإنّما

أنا الآنَ إنسانٌ تولَّدَ من حجرْ

إن لهذه العبارة (تولَّد من حجر) أهمية خاصة في هذا السياق، في إعادة ترتيب العلاقة بين الأصل والفرع، فإن الحجر يصبح سابقاً وفق هذا السياق على الكائن الإنساني ومكوِّناً له، خلافاً للتصور المعتاد عن أن هذا الكائن هو الذي يمنح الأشياء في العالم معانيها الإنسانية، وهو ما يجعل عنوان القصيدة (آدم من حجر) مفتاحاً بنيوياً للقصيدة، إذ لا يصف هذا العنوان المادة التي تكوَّن منها الإنسان فقط، بل يستبدل رأساً مركزية الإنسان بمركزية الحجر، ثم يأتي قول الشاعر:

أقولُ بإنصافٍ سلالةُ آدمٍ

مجرَّدُ أحجارٍ لها السمعُ والبصرْ

لتصبح عملية إعادة التوزيع مكتملة، فلا يحتفظ الإنسان بناءً على هذا المعنى حتى بامتياز كونه الموجود المقابل للحجر، بل جميع سلالة آدم تصبح عبارة عن مجموعة من الكائنات الحجرية التي تمتلك السمع والبصر، ليتغير اتجاه التشبيه بشكل جذري على هذا الأساس، فليس الحجر هو الذي يشبه الإنسان، بل يعاد تعريف الإنسان من خلال هذا الحجر، وفي قلب هذه العلاقة وظيفة نقدية صارمة لأن القصيدة لم تعد ترفع الحجر إلى مرتبة الإنسان وكفى، بل تتقدم خطوة إلى الأمام، فتقوم بخفض المسافة التي أقامها الكائن الإنساني بين ذاته البشرية والعالم المادي.

بل إن الشاعر يمنح الحجر قيمة أخلاقية في النهاية أيضاً من خلال قوله:

سوى أنها ليست تخادع كالبشرْ

أرى كلَّ صخرٍ رايةً لهدايةٍ

فما ضلَّ صخرٌ في الوجودِ وما كفرْ

هنا تبلغ القصيدة مستوى الذروة في توزيع البنية الشعرية من الناحية القيمية، إذ لم يعد الإنسان قادراً على مساواة نفسه بالحجر في العاطفة والوعي، لأن القصيدة تمنح الحجر امتياز التفوق عليه في بعض الصفات الأخلاقية، فالحجر لا يخادع ولا يضل، على النقيض من الإنسان الذي يفعل ذلك، وبذلك يصبح الحجر مرآة يكشف الإنسان من خلالها عن حدوده وطبيعته المتناقضة، لا أنه يصبح في القصيدة إنساناً فحسب.

4- تشخيص المجرد وتحولات الدلالة في مأزق المعنى

إن المعنى الذي من المفترض أن يكون طوق نجاة توفره القصيدة للشاعر يقع هو نفسه في مأزق، فلم يعد الشاعر يملك معنى سابقاً يضعه في قالب اللغة، لأن المعنى في الحقيقة أصبح مندرجاً في شبكة من التوترات التي يتولد فيها هذا المعنى ويتعرض للهدم في تلك اللحظة التي يتولد فيها، يقول الشاعر في هذا السياق:

أنا أرجوكَ بأن تقلقني

يلهبُ الشعرَ برأسي القلقُ

إن القلق في سياق هذا المقطع لا يمثل عنصراً سلبياً أو حالة نفسية عابرة، بل يمثل قوة إنتاجية للمعنى، لأنه هو الذي يلهب الشعر بحسب منطق القصيدة، ثم تتسع دائرة النقض لتطال ذات الشاعر:

إن أعضاءَ كياني نفسها

بسهامِ النقضِ قد ترتشقُ

إن ذات الشاعر هنا لا تظهر باعتبارها بنية متماسكة، بل تظهر بصفتها حقلاً تتصارع فيه قوى التفكيك وإعادة البناء، وهو معنى ينسجم تماماً مع الصورة الذهنية التي تمنح اللغة الشعرية قدرتها على أن تنتج علاقات دلالية مبتكرة بدل أن تكون مجرد قالب للمعاني الذهنية الجاهزة، ويمكن أن نستحضر في هذا السياق رأي بول ريكور في الاستعارة الحية التي تقوم على خلق توتر دلالي في العبارة يؤدي في النهاية إلى إعادة تشكيل الواقع وفتح الإمكان أمامه ليظهر في صورة جديدة، وفي سياق قصيدة (مأزق المعنى) لا يتمثل الابتكار في صورة استعاريَّة منفردة، بل يتمثل في استمرار التوتر حتى اللحظة التي يتحول فيها المجرد إلى فاعل، كما في قوله:

الرباعياتُ لا تنصفني

تستغلُّ العشقَ في قلبي لها

فمن الواضح أن الرباعيات في هذا السياق تحولت من كونها شكلاً شعرياً يستخدمه الشاعر لإبراز تجربته الشعرية، إلى كونها ذاتاً تتمتع بإرادة أخلاقية ونفسية تستغل الشاعر ولا تنصفه، مستفيدة في ذلك من تعلق الشاعر بها، وهو ما يمثل انقلاباً جوهرياً في عملية توزيع الفاعلية والتأثير، إذ ينتقلان من الشاعر إلى هذا الشكل الشعري الذي يكتبه، فهي ليست خاضعة وفق هذا المعنى لاختيار الشاعر، بل تحولت إلى طرف فاعل ومؤثر في صاحبه، بل تزيد الحدة في هذا التحول في قوله:

قالتِ المعنى الذي ما قلتُهُ

وارتأتْ أن أصطفي أقوالَها

فالرباعيات هي التي تقول المعنى وليس الشاعر، بل أكثر من ذلك، هي تخلق المعنى الذي ليس للشاعر أي دور في عملية خلقه، ثم تطلب من الشاعر أن يقوم باصطفاء ذلك المعنى خارج منطقة الاختيار بالنسبة إليه، إن النتيجة البنيوية لهذه الاستعارة هي أن الشاعر ليس هو المصدر الرئيس للدلالة، وبذلك تصنع القصيدة موقفها الميتاشعري من خلال جعل الأداة الإبداعية هي التي تنهض بمهمة الإبداع بدلاً من الشاعر الذي يفترض أن يكون هو الذي يقوم بتسخير هذه الأداة لإبداع المعنى، فتكاد تلتقي القصيدة بصورة غير مباشرة مع ما أحدثه رولان بارت من تحول جذري في مفهوم سلطة المؤلف، فإذا كان رولان بارت يعتقد باستقلال فعل الكتابة عن مؤلف النص، فإن قصيدة (مأزق المعنى) تجسد هذا الاستقلال من خلال جعله صورة شعرية مندرجة داخل القصيدة، وبهذه الطريقة تكون استقلالية القصيدة ممثلة داخل بنية القصيدة نفسها، لا أنها قضية نقدية يتم تداولها في النظرية الأدبية لتفرض على القصيدة بعد ذلك من خارج السياق، بل إن الانفصال بين الشاعر وأداته الإبداعية التي هي رباعيات الديوان يتأكد أكثر بقوله:

لغةُ الشاعرِ لا تفهمُهُ

فلماذا بحماسٍ يكتبُ

فثمة مفارقة في هذا البيت تقوم على أساس قلب العلاقة الطبيعية بين الشاعر ولغته، وبما أن اللغة عاجزة تماماً عن فهم الشاعر فإنها عاجزة في الوقت نفسه أن تتخذ لنفسها موقع الوسيط بعد أن انتقلت إلى الطرف المقابل للشاعر، إن الشاعر يستخدم اللغة بكامل اشتراطاتها الإبداعية، لكنه لا يمتلك ضمانة على أنها ستستجيب لقصده بالكامل، فتنشأ على هذا الأساس تلك المسافة الفاصلة بين القصد والتعبير، على أننا يمكن أن نقرأ هذا التحول في ضوء نظرية مارك جونسون وجورج لايكوف حول الاستعارة المفهومية، فهما ينظران إلى الاستعارة انطلاقاً من أنها طريقة في تنظيم التفكير حين تنتقل البنى المأخوذة من الخبرة المجسدة إلى المجال المجرد، وقد أكد لايكوف أن المفاهيم المجردة لا تكون منفصلة عن الخبرة الجسدية والإدراكية، وبناءً على ذلك يمكن أن نفهم ما تقوم به القصيدة من نسبة الأفعال إلى المجردات، إذ تقرر أن اللغة تجزُّ شعرها وتطعم وتسلم، وأن الفكرة تهجم والنص يجلس ويسرق، فالشاعر في هذا السياق يستعير البنى الحركية والجسدية من العالم الإنساني لكي يقوم بإعادة المفاهيم المجردة داخل الفضاء الحسي، ويتجلى ذلك من خلال قوله:

لم تخنكَ اللغةُ الفرعاءُ بل

هي جزَّتْ شعرَها كي تُطعمَكْ

قد يكونُ الأمرُ إنقاذاً لذا

قررتْ في لحظةٍ أن تُسلمَكْ

إن اللغة هنا صاحبة قرار، بل أكثر من ذلك، إن القرار الذي تتخذه اللغة ليس اعتباطياً فاقداً للغاية، بل هو فعل نابع من عملية تفكير عميقة ومعقدة، أما الشاعر فليس له من دور سوى أنه يتلقى هذا القرار، وتوجد مثل هذه الإجرائية في هذا المقطع:

ثَمَّ نصّانِ، فنصٌّ جالسٌ

داخلَ الدارِ ونصٌّ يسرقُ

فالنص هنا يتحول من كونه بنية لغوية إلى كونه شخصية تتحرك في فضاء مكاني وأخلاقي محدد، لكن المسألة لا تقف عند حدود هذا التشخيص، بل تتعداها إلى كونها ذات اتصال مباشر بمسألة انتقال النصوص من نص إلى نص آخر، وبالتناص الحاصل بين نصوص سابقة ونصوص لاحقة، يقول الشاعر:

هو أيضاً كان لصّاً قبلَهُ

فعليهِ حكمُهُ ينطبقُ

فالسارق والمسروق هنا طرفان متداخلان ضمن سلسلة لا تتحدد فيها البراءة والسرقة بشكل نهائي، وفي هذه المنطقة بالذات يحصل التماس مع مفهوم الحوارية عند ميخائيل باختين، فالنص لا ينتج المعنى من خلال عزلته الكاملة، بل يدخل في شبكة علائقية معقدة مع نصوص أخرى، وقد جعل باختين مبدأ الحوارية وتعدد الأصوات منطلقاً لفهم عملية إنتاج المعنى في الخطابات الأدبية، ولهذا يمكن أن نقرأ النص السارق باعتباره يمثل صورة شعرية لعدم نقاء النص، فهو يستمد المعنى من غيره، كما أن غيره استمد المعنى من نص سابق عليه، فنلاحظ هنا أن مفهوم التناص تحول من قضية خارجية إلى مشهد شعري، إذ يدخل نص على نص آخر، ويكتشف سارق أن صاحب الدار كان سارقاً أيضاً، وبهذا لا يقوم الشاعر بشرح النظرية، بل يحولها بطريقة ذكية إلى فعل سردي مكثف.

5- جريمة الذات ومأزق الهوية: مقاربة في تشظّي الأنا

تتأسس قصيدة (الذي كان أنا) في ديوان (نشيد التراب) على تلك الأزمة التي تتجاوز الانقسام النفسي لتلامس السؤال الوجودي العميق الذي يتصل بحقيقة الذات وحدود الهوية، فتضع هذه القصيدة ثنائية الأنا والآخر موضع السؤال منذ اللحظة الأولى، إذ يظهر الشبيه باعتباره كياناً آخر ينازع الذات في هويتها، ثم يتحول هذا الشبيه شيئاً فشيئاً من خصم يريد الشاعر القضاء عليه إلى صورة من صور ذات الشاعر، لتظهر في النهاية تلك المفارقة المركزية التي تؤكد أن الذات التي تحاول قتل الآخر إنما تحاول قتل جزء من نفسها من حيث لا تدري، وأن الرغبة في تأكيد الوحدة لا تستطيع تجاوز إشكالية التعدد، لأن الذات تكتشف في آخر الأمر أن التعدد إنما هو شكل من أشكال الوحدة، ولهذا يبدأ الشاعر قصيدته بقوله:

سأقتلُ هذا الشخصَ يزعمُ أنَّهُ

أنا فالتباسُ الشخصِ شرُّ الجرائمِ

إن وجود الفعل (سأقتل) في بداية القصيدة يشير إلى أن أزمة الهوية لم تعد تعبر عن نفسها بتأمل هادئ، بل صارت تعبر عن نفسها بفعل عنيف، فثمة شخص آخر يزعم أنه الأنا وهو زعم يكفي لتحول الهوية إلى ساحة للصراع، ولذلك تصبح الجريمة محاولة لا مفرَّ منها لإعادة رسم الحدود بين الأنا والهو، ويمكن مقاربة هذا الصراع في ضوء الرؤية الفلسفية للوجودية، إذ تنظر إلى الذات باعتبارها وجوداً غير مكتمل، ولا يُمنح للإنسان دفعة واحدة، بل يتشكل من خلال علاقة الإنسان بذاته وبالعالم وبالآخر، يظهر هذا المعنى بشكل واضح في فلسفة جان بول سارتر الذي يعتقد أن الذات لا تكون عبارة عن ماهية مغلقة سابقة للوجود، بل تتحدد هذه الماهية عبر أفعال الإنسان واختياراته وعلاقته بالآخر، لكن قصيدة الشاعر باسم الحسناوي تجعل هذه العلاقة أكثر تعقيداً، لأن الآخر في القصيدة يشبه الأنا إلى حد التماهي، ولذلك يقول الشاعر:

كمنتُ لهُ في موضعٍ وقتلتُهُ

ولستُ على قتلِ الشبيهِ بنادمِ

فالشاعر يريد أن يحسم مسألة الهوية، ولذلك لا يكتفي بأن يكون راغباً بالقتل بل ينتقل إلى مرحلة التنفيذ بالفعل، لكن المفارقة تتمثل في أن هذا الشبيه المقتول لا يختلف عن الشاعر اختلافاً جذرياً، وهذا يعني أن فعل القتل موجه إلى تلك الصورة القريبة من ذات الشاعر، بل ربما كان موجهاً إلى الذات المنقسمة من ذات الشاعر أصلاً، ومن الجدير بالذكر أن الفيلسوف الوجودي كيركغارد نظر إلى القلق على أنه مفهوم مركزي في تجربة الكائن الإنساني، لأنه ينشأ من مواجهة الإنسان للإمكان، ومن إدراكه أنه ليس كياناً مغلقاً، بل هو وجود منفتح على عدد كبير من الإمكانات، وفي قصيدة الشاعر باسم الحسناوي يمكن قراءة الشبيه باعتباره تجسيداً لواحد من إمكانات الذات المتعددة التي ترفض الذات أن تعترف بها، فسعى الشاعر إلى إلغائها بعد أن رفض مواجهتها، ولهذا يقول الشاعر:

أريدُ سماتي وحدَها في هويتي

وإلّا فإنّي عالَمٌ غيرُ قائمِ

فإن هذا البيت يعبر عن جوهر أزمة الذات التي تريد سماتها وحدها، أي إنها تريد هويتها الخاصة التي لا يدخل في تكوينها ما يعتبر غريباً عنها، فمن وجهة نظر الشاعر أن ثبات الأنا يعد شرطاً لشعور هذه الأنا بوجودها، فعبارة الشاعر التي يقول فيها (عالم غير قائم) تجعل وجود ذات الإنسان رهيناً بقدرتها على تحديد ذاتها، وهي الفكرة التي تنسجم تماماً مع المنظور الوجودي الذي يعتبر الإنسان هو المسؤول عن تشكيل ذاته، على الرغم من أن هذه الفكرة تنطوي على مفارقة تتمثل في أن الإنسان يريد أن يكون هو نفسه، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يتخلص من تعدد الإمكانات المفتوحة أمامه، ولذلك فإن محاولة الإنسان لتثبيت ذاته تتحول إلى مصدر للقلق في الوقت الذي يريد منها أن توفر الحل لتلك الإشكالية.

ثم تتدخل صورة البدر في البنية الشعرية فيقول:

سأُخفي عن البدرِ المنيرِ جريمتي

بأن أحبسَ البدرَ المنيرَ بعالمي

فمن الواضح أن البدر يتخذ مكانه في تشكيل الهوية الرمزية للذات، إذ تحاول الذات الإنسانية أن تحبس النور في عالمها، كأنها تريد أن تهيمن تماماً على الصورة التي تمنحها المعنى، لكن عاقبة هذه الهيمنة هي الخسارة لاحقاً، إذ يقول الشاعر:

تبيَّنتُ أنَّ البدرَ ماتَ برميتي

وعاشَ شبيهي في المفازاتِ هاربا

إنها لحظة مفصلية تمثل نقطة الانقلاب الرئيسة في بنية القصيدة، فعندما أرادت ذات الشاعر أن تقتل الشبيه اكتشفت أن من أصابه الموت هو البدر، بمعنى أن الفعل الذي قصد به الشاعر إلغاء الآخر أصاب ذاته في أحد رموز وجودها، فالنتيجة التي تحصلت هي أن ما أقدم عليه الشاعر إنما هو جريمة ضد الذات قبل أن تتوجه هذه الجريمة ضد الشبيه، وبذلك تقترب القصيدة من الفكرة الوجودية حول مفهوم الاغتراب، فقد يعيش الإنسان غريباً عن نفسه حين يختار العيش بصورة جامدة مفروضة على وجوده، ويرتبط هذا النوع من الانقسام عند جان بول سارتر بمشكلة علاقة الإنسان بالحرية وبالصورة التي يكونها عن ذاته، إذ ليست الذات شيئاً مكتملاً يتملكه الإنسان بصفته موضوعاً، بل الذات في حالة تشكل دائم، وكل محاولة يقوم بها الإنسان لجعلها ماهية ثابتة ربما تؤدي إلى تناقض بين ما هي عليه الآن وما تريد أن تكونه، ولذلك يقرر الشبيه العودة بعد محاولة قتله، فيقول الشاعر:

يواجهني بين الممراتِ فجأةً

ويفتحُ بابَ البيتِ ليلاً مواربا

إن الشبيه لا يلتقي بالشاعر في فضاء بعيد عن الذات، فالبيت يمكن أن يُقرأ باعتباره المجال الداخلي لذات الشاعر، بمعنى أن الآخر موجود في هذا المكان الذي يفترض أنه الأكثر خصوصية من بين الأماكن جميعها، ولهذا لم تكن محاولة طرده فضلاً عن محاولة قتله ممكنة، ثم يقول الشاعر:

وينظرُ حيناً من زجاجِ نوافذي

ويطلقُ رجليهِ إذا قمتُ غاضبا

فتتحول النافذة إلى حد يفصل بين الداخل والخارج، لكن الملاحظ أن الشبيه يقف في هذا الحد، لأنه ليس داخلياً ولا خارجياً تماماً، بل هو كائن حدودي أو هو صورة تتحرك بين الذات والعالم، إن هذا التردد في المكان هو معادل موضوعي للتردد الوجودي في تحديد معنى الهوية، فلا تستطيع الذات أن تقرر النهاية التي يجب أن تصل إليها ولا النقطة التي يبدأ منها وجود الآخر، ثم يتفاقم الصراع في قول الشاعر:

يهدِّدني أن سوف يصبحُ شاهداً

عليَّ بأنّي قد قتلتُ الكواكبا

إن هذا الكائن الذي حاول الشاعر قتله أول مرة، تحول إلى شاهد على الجريمة، وهي مفارقة كبيرة في الواقع، لأن الذات التي كانت تريد إسكات الآخر تكون مضطرة الآن إلى مواجهته باعتباره ذاكرة فعلها، فما حاولت الذات محوه عاد إليها مرة أخرى في صورة شهادة عليها، وعند هذه النقطة يظهر وعي الذات بخطئها في قول الشاعر:

أعنِّفُ نفسي ربما كنتُ قاسياً

عليه فأمسى لي خصيماً معاديا

فتبدأ الذات بإعادة تقييم فعل الجريمة، ويبرز تأنيب الضمير باعتباره مرحلة جديدة في تأسيس العلاقة مع الشبيه، فلم يصبح الآخر خصماً للذات إلا لأن هذه الذات عاملته بقسوة، أما هو في جوهره فليس عدواً للذات في الحقيقة، ويتضح ذلك من خلال قول الشاعر:

ولو كنتُ أبديتُ المودَّةَ لم يكنْ

سوى أنَّهُ ظلٌّ يسيرُ محاذيا

فهذا الآخر هو مجرد ظل للذات، أي إنه تابع للإنسان وليس الإنسان نفسه، ولا يمكن فصل هذا الظل عن الإنسان في الحالة الطبيعية، وبذلك يكون الشبيه صورة ملازمة للذات، ثم يقول الشاعر:

وما الخوفُ من ظلٍّ يكونُ بجانبي

يحاكي مسيري أو يكونُ مناجيا

فنرى أن عملية المراجعة أسفرت عن سقوط الخوف الذي كان هو الدافع للجريمة، فالظل هو مجرد مرافق للإنسان أو محاور له، ويعني هذا التحول أن الذات بدأت تفهم كيفية التعايش مع تعددها دون اللجوء إلى محاولة إلغائه، لكن الاعتراف الأقسى يأتي من خلال قوله:

لقد كنتُ أغبى الخلقِ حين قصدتُهُ

بسهمٍ، أصابَ السهمُ من كان راميا

فحين أراد الرامي إصابة الآخر أصابه هو، فكل عنف تمارسه الذات ضد شبيهها عائد إليها لأن الشبيه ببساطة شديدة ليس خارج الذات بصورة مطلقة، فأية محاولة للقضاء على هذا الشبيه هي في الوقت نفسه محاولة للقضاء على جزء من هذه الذات، ويمكن أن تُقرأ هذه المفارقة في ضوء فلسفة نيتشه عندما نظر إلى الإنسان باعتباره كائناً تتصارع داخله الإرادات والدوافع والقوى، فيمكن أن نفهم الشبيه في ضوء هذه الفكرة باعتباره تجسيداً لقوة ما أو إمكانية ما في الذات حاولت هذه الذات إخضاعها قبل أن تكتشف أن القضاء عليها هو سبب مباشر في إفقار وجودها نفسه، وتصل القصيدة إلى لحظة الكشف الكبرى من خلال قول الشاعر:

لعلي أنا البدرُ المضيءُ الذي قضى

بداهةَ أنّي قد فقدتُ ضيائي

فالذات لم تعد واثقة من أنها ذلك القاتل الذي واجه الشبيه، لذلك تسأل إن كانت هي ذلك البدر الذي فقد ضياءه، لذلك جعل الشاعر ضمير المتكلم متحركاً بين الشبيه والبدر والذات، لكي تصبح الحدود بين هذه الأطراف الثلاثة شديدة الالتباس، فيقول على أساس ذلك:

قدِ التبسَ الكونُ الرحيبُ بناظري

لأحسبَ نفسي كوكباً بسماءِ

فقد فقدت الذات قدرتها على معرفة نفسها بصورة دقيقة، فراحت تعيد تفسير موقعها في هذا العالم، في تواشج مع سؤال هايدغر عن الوجود الإنساني باعتباره وجوداً ملقى في العالم، لا أنها ذات منفصلة عنه تقع خارجه، إذ لا يمكن أن يُفهم الإنسان نفسه بعيداً عن عالمه الذي يوجد فيه، بل يكتشف هذا الإنسان وجوده من خلال العلاقة التي تربطه بهذا العالم.

ثم تدخل القصيدة المرحلة الأخيرة حين تتراجع ذات الشاعر عن فكرة الجريمة من خلال قوله:

عنِ الفكرةِ البلهاءِ في قتلِ صاحبي

تراجعتُ لكن كيف أُحيي بيَ البدرا

لقد تراجعت الذات عن مشروع قتل الشبيه، لكن المشكلة ما زالت قائمة، لأن الذات تريد أن تعيد الحياة إلى من قامت بقتله، هذا يعني أن مجرد الاعتراف بهذا الآخر لا يكفي وحده، بل لا بد من إصلاح الخلل الذي أحدثه العنف السابق في علاقة الذات بذاتها، لكن تحدث المفاجأة من خلال قول الشاعر:

شبيهي أهلاً أنت جئتَ تزورني

فمن معك استخفى ألا تكشفُ السرا

فها هو الشبيه الذي كان هدفاً للقتل يصبح ضيفاً مرحَّباً به الآن، إن هذه النقلة لا تعني المصالحة مع الآخر بقدر ما تعني إعادة تعريف العلاقة بين الذات وصورتها الأخرى، على أن لحظة الكشف تأتي من خلال ما ينطق به البدر الذي يفترض أنه تعرض لحادث القتل ليقول:

شبيهُكَ هذا كان أنتَ بصورةٍ

تشعَّبتَ فيها فامتلأت من المنى

وتزداد الرؤية اتساعاً حين يقول البدر:

وأمّا أنا فاللهُ يعلمُ أنني

تكوكبتُ من عينيكَ كي يوجدَ السَّنا

فإذا كان البدر ناتجاً من عينَي الذات، فإن هذا يعني أن النور الذي ظنت الذات أنه يتشكل خارجها إنما هو نابع منها، لتنقلب وفق هذا المنظور العلاقة بين الإنسان والعالم، فالذات لا ترى هذا العالم فقط، بل تسهم بفاعلية كبيرة في إنتاج صورته الدلالية، بل الكواكب والسنا والبدر والشبيه كلها عناصر ملتحمة بالذات في بنية القصيدة، لتبلغ القصيدة ذروتها الفلسفية في قول الشاعر:

فنحنُ جميعاً واحدٌ غيرَ أنَّنا

هناكَ تفرَّقْنا لِتجمعَنا هنا

تكشف هذه النهاية الموفقة للقصيدة عن أن الجريمة لم تكن فعلاً ارتكبته الذات بحق شبيه فحسب، وإنما كانت تعبيراً عن رغبتها في اختزال وجودها إلى شكل واحد، لقد ظنت الذات أن الوحدة لا تتحقق إلا بأن تتخلص من الآخر، لكنها اكتشفت في النهاية أن الوحدة المبتغاة هي أوسع من الصورة المنفردة، وأن التعدد في صور الوجود لا ينفي وحدة الأصل، لتتحول هوية الذات وفق منظورها الجديد من كونها مفهوماً مغلقاً إلى كونها حركة دائبة بين الصور المتشظية والمتعددة.

***

الدكتور محمد الموسوي

في المثقف اليوم